نزار العوصجي: سلطة الجهل

مقال رأي للكاتب نزار العوصجي بعنوان «سلطة الجهل..» يتناول أثر تغييب الكفاءات والمساءلة عن مؤسسات الدولة، والتحديات التي تواجه العراق.
أخطر ما يصيب الأوطان أن يتقدم العاجزون إلى مواقع القرار، ويتراجع العقل أمام سطوة المصالح.
ليست المأساة أن يوجد الجهل في المجتمع، فذلك أمر عرفته البشرية في مختلف مراحل تاريخها، وإنما المأساة الحقيقية أن يتحول الجهل إلى سلطة، وأن يجد لنفسه مكاناً في مواقع القرار، وأن تصبح العقول الواعية موضع شك، والكفاءات المستقلة مصدر إزعاج، فيما يُفتح الطريق أمام من يتقنون فنون التملق وتبرير الأخطاء.
عندما يصبح الجهل سلطة، لا يعود الخطأ مجرد قرار سيئ يمكن تصحيحه، بل يتحول إلى نهج تدافع عنه المصالح، وتحميه الولاءات، وتبرره الشعارات. وعندها لا يُسأل المسؤول عما أنجزه، بل عمن يرضى عنه، ولا تُقاس الكفاءة بقدرة الإنسان على خدمة وطنه، بل بمدى استعداده لخدمة من أوصله إلى موقعه.
«أخطر ما يصيب الأوطان أن يتقدم العاجزون إلى مواقع القرار، ويتراجع العقل أمام سطوة المصالح.»
وفي مثل هذه البيئة، يصبح صاحب الرأي المستقل موضع اتهام، ويُعامل النقد باعتباره عداءً، وتُفسَّر المطالبة بالإصلاح على أنها محاولة للمساس بالمصالح القائمة. وهكذا تنقلب المعايير، فيصبح الصمت حكمة، والتملق ولاءً، والاعتراض جريمة، فيما تتراجع الحقيقة أمام روايات صُنعت لحماية أصحاب النفوذ.
وما أشد خطورة هذه الحالة حين تتسلل إلى مؤسسات الدولة؛ لأن الدولة لا تُقاس بما تمتلكه من ثروات فحسب، بل بقدرتها على إدارة تلك الثروات بعقول كفوءة، وضمائر حية، وقوانين عادلة. وقد تمتلك البلاد من الموارد ما يكفي لبناء مستقبل أجيالها، لكنها تعجز عن تحقيق ذلك إذا أُسيء اختيار المسؤولين، وغابت المساءلة، وتقدمت المصالح الخاصة على المصلحة العامة.
ولعل التجربة العراقية، بما شهدته منذ عام 2003 من أزمات سياسية واقتصادية ومؤسسية متراكمة، تضع أمامنا سؤالاً لا يجوز الهروب منه: كيف يمكن لوطن يمتلك هذا الإرث الحضاري، وهذه الثروات، وهذه الطاقات البشرية، أن يظل أسير أزمات تستنزف إمكاناته وتبدد آمال أبنائه؟
ليس من الإنصاف اختزال جميع أسباب الأزمة العراقية في عامل واحد، لكن من المؤكد أن إصلاح الدولة لا يمكن أن ينجح من دون إصلاح منظومة التفكير السياسي، وإعادة الاعتبار للكفاءة والنزاهة، وترسيخ مبدأ المواطنة، وإخضاع الجميع لسلطة القانون.
إن العراق لا تنقصه العقول القادرة على البناء، ولا الخبرات التي تستطيع إدارة مؤسساته بكفاءة، وإنما يحتاج إلى بيئة تمنح تلك العقول فرصتها، وتحميها من الإقصاء، وتجعل خدمة الوطن معياراً للمسؤولية، لا الولاء للأشخاص والجماعات.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي شعب هو أن يفقد ثقته بقدرته على التغيير، وأن يعتاد الفشل حتى يراه قدراً لا مفر منه، وأن يتعايش مع الخطأ لأنه فقد الأمل في تصحيحه. عندها يصبح الظلام الفكري أكثر من مجرد أزمة في الوعي؛ يصبح حاجزاً يفصل المجتمع عن مستقبله.
لكن الأوطان لا تُبنى بالاستسلام، ولا تستعيد عافيتها بالصمت، بل باستعادة الإنسان حقه في التفكير والسؤال والمحاسبة، وبإحياء ثقافة تحترم الحقيقة، وتقبل الاختلاف، وتؤمن بأن المسؤولية امتياز لخدمة الناس وليست وسيلة للهيمنة عليهم.
فليس أخطر على الوطن من جاهل يمتلك القرار، إلا مجتمع يتوقف عن مساءلته؛ وليس أشد إيلاماً من إقصاء العقول الواعية، إلا أن يعتاد المجتمع إقصاءها حتى يفقد القدرة على تمييز من يبني مستقبله ممن يبدده.
«فليس أخطر على الوطن من جاهل يمتلك القرار، إلا مجتمع يتوقف عن مساءلته؛ وليس أشد إيلاماً من إقصاء العقول الواعية، إلا أن يعتاد المجتمع إقصاءها حتى يفقد القدرة على تمييز من يبني مستقبله ممن يبدده.»
وحين يصبح الجهل سلطة، تكون المعركة الحقيقية معركة استعادة العقل، وتحرير الوعي، وإعادة الاعتبار للقيم التي لا تقوم الدول من دونها: الكفاءة، والنزاهة، والعدالة، والمواطنة.
فالأوطان لا تنهض بكثرة الشعارات، ولا بعظمة المناصب، ولا بسطوة القوة، وإنما تنهض حين يتقدم الأكفاء، ويُحاسَب المقصرون، ويصبح القانون أقوى من النفوذ، والحقيقة أسمى من المصالح، والوطن أكبر من الجميع.
«فالأوطان لا تنهض بكثرة الشعارات، ولا بعظمة المناصب، ولا بسطوة القوة، وإنما تنهض حين يتقدم الأكفاء، ويُحاسَب المقصرون، ويصبح القانون أقوى من النفوذ، والحقيقة أسمى من المصالح، والوطن أكبر من الجميع.»
وإذا كان الظلام يبدأ حين ينطفئ نور العقل، فإن أشد لحظاته قسوة هي تلك التي يظن فيها الناس أن الظلام نور، وأن الصمت حكمة، وأن الدفاع عن الخطأ وفاء. عندها لا تكون المشكلة في غياب الحقيقة، بل في غياب من يجرؤ على قولها، وفي غياب من يمتلك الشجاعة الكافية للاستماع إليها.
وحده الوعي يستطيع أن يكسر هذه الحلقة، ووحدها الإرادة الحرة تستطيع أن تعيد للعقل مكانته، ووحدها المواطنة الصادقة تستطيع أن تضع الوطن فوق المصالح الضيقة.
فحين يصبح الجهل سلطة، يغدو تنوير العقول واجباً وطنياً؛ وحين يصبح الوعي قوة، يبدأ الوطن باستعادة مستقبله..
مقالات سابقة للكاتب
شاهد أيضًا
رابط الفيديو على يوتيوب: انقر هنا (https://www.youtube.com/watch?v=g7Nc74WT0fE)
