طب وتكنولوجيا

حرب تحت البحر.. هل تستطيع إيران ضرب الإنترنت الخليجي وشل الاقتصاد الرقمي؟

لم تعد التهديدات الإيرانية في الخليج مقتصرة على ناقلات النفط والموانئ والقواعد العسكرية. فمع احتمال استئناف العمليات الأميركية والإسرائيلية، تبرز البنية التحتية للاتصالات

يورو تايمز / المحرر السياسي

تقرير تحليلي خاص | 25 أكتوبر 2026

لم تعد التهديدات الإيرانية في الخليج مقتصرة على ناقلات النفط والموانئ والقواعد العسكرية. فمع احتمال استئناف العمليات الأميركية والإسرائيلية، تبرز البنية التحتية للاتصالات البحرية باعتبارها نقطة ضعف استراتيجية جديدة، تربط الاقتصاد الرقمي العالمي بشريط ضيق من المياه يمر عبره جزء مهم من اتصالات المنطقة. لكن الانتقال من التهديد إلى تعطيل الإنترنت ليس أمراً بسيطاً؛ فبين القدرة على إتلاف كابل واحد والقدرة على شل اقتصاد متكامل مسافة تقنية وسياسية كبيرة.

في 23 أكتوبر 2026 نقلت رويترز عن مسؤولين أمنيين إيرانيين كبيرين أن طهران وضعت خططاً مفصلة لاستهداف كابلات الاتصالات البحرية في الخليج إذا تعرضت لهجمات أميركية وإسرائيلية جديدة. وقال أحدهما إن السيناريوهات قد تشمل عرقلة الإصلاحات لإطالة أمد الاضطراب. هذه معلومات منسوبة إلى مصادر إيرانية، ولم تنشر الوكالة أدلة مستقلة تثبت وجود أمر بتنفيذ عمليات ضد الكابلات. ومع ذلك فإن علنية التهديد تفتح ملفاً بالغ الحساسية يتعلق بمدى قدرة الاقتصاد الخليجي على الاستمرار أثناء الحرب.

لماذا أصبحت الكابلات هدفاً محتملاً؟

يؤدي عدد محدود نسبياً من شبكات الألياف الضوئية البحرية وظيفة حيوية في ربط مراكز البيانات والمصارف وشركات الاتصالات بالأسواق العالمية. ولا تقتصر وظيفة هذه الشبكات على تصفح المواقع: فهي تحمل حركة التجارة الإلكترونية، والاتصالات المؤسسية، والخدمات السحابية، والمعاملات التي تتطلب اتصالاً مستقراً منخفض التأخير. ولهذا يمكن أن يؤدي الانقطاع المتزامن في مسارات عديدة إلى ازدحام المسارات البديلة، وارتفاع زمن الاستجابة، وتعطل بعض الخدمات.

لكن الحديث عن قطع الإنترنت العالمي عبر هرمز مبالغة لا تدعمها بيانات التقرير نفسه. فبحسب رويترز، يمر أقل من واحد بالمئة من سعة النطاق الترددي الدولي عبر المضيق، رغم أن الكابلات البحرية عموماً تحمل الغالبية الساحقة من حركة البيانات العابرة للقارات. وهذه نقطة مفصلية: الأثر المحتمل سيكون غير متساوٍ، وقد يكون شديداً على شبكات خليجية بعينها وأقل كثيراً على شبكة الإنترنت العالمية ككل.

سلاح اقتصادي أكثر من كونه سلاحاً عسكرياً

ما يجعل الكابلات هدفاً حساساً هو التأثير غير المباشر. فقد تكون خسارة الاتصال الجزئي كافية لدفع المصارف وشركات التكنولوجيا إلى تشغيل خطط طوارئ مكلفة، وإعادة توجيه البيانات إلى مراكز بعيدة، وزيادة تكلفة الاتصالات والتأمين. ومن شأن اضطراب الخدمات الرقمية أن يؤثر على سمعة المنطقة بوصفها مركزاً للاستثمار السحابي والذكاء الاصطناعي، حتى لو كانت المنشآت نفسها سليمة.

وتشير رويترز إلى تهديدات طالت كذلك مراكز بيانات مرتبطة بشركات أميركية واستثمارات رقمية خليجية. غير أن إدراج منشأة على قائمة تهديدات لا يعني أن مهاجمتها وقعت أو أنها ستقع. في هذا السياق، تصبح الرسالة الإيرانية أقرب إلى محاولة توسيع دائرة أصحاب المصلحة الضاغطين على واشنطن: حكومات الخليج والشركات العالمية والمؤسسات المالية التي تخشى عدم اليقين أكثر من خوفها من خسارة مادية محدودة.

أين تكمن نقطة الضعف الحقيقية؟

ليست جميع الكابلات سواء. فالشبكات المزودة بمسارات متعددة ومراكز ربط في بلدان مختلفة تستطيع في حالات كثيرة إعادة توزيع الحركة، بينما تتأثر المناطق التي تعتمد على مسار رئيسي أو نقاط إنزال محدودة بصورة أشد. ويتحدد حجم الخطر وفق عدد القطوع المتزامنة ومواقعها والسعة الاحتياطية المتاحة، لا بمجرد عدد الكابلات الموجودة على الخرائط.

تُضاف إلى ذلك صعوبة الإصلاح في ظروف النزاع. فإصلاح الكابل يتطلب عادة سفناً متخصصة وتصاريح دخول ومعلومات دقيقة عن الموقع، وقد ترتفع تكلفة التأمين البحري أو تتأخر الإجراءات إذا كانت المنطقة معرضة للهجمات. لذلك لا يتوقف الأثر الاقتصادي على لحظة الانقطاع وحدها، بل على المدة اللازمة لاستعادة الخدمة والقدرة على تشغيل بدائل مؤقتة.

ويستحق البحر الأحمر اهتماماً موازياً، إذ تشكل طرقه البحرية معبراً أكبر لحركة الاتصالات بين آسيا وأوروبا وفق خبراء استشهدت بهم رويترز. ومن الخطأ الخلط بين تهديدات هرمز وقدرة أي طرف على تعطيل كل مسارات الاتصال العالمية.

وفي سياق المواجهة الأميركية الإيرانية، نشر موقع يورو تايمز تحليلاً مفصلاً حول الخيارات العسكرية والمفاوضات والمخاطر الخليجية.

كيف يمكن لدول الخليج امتصاص الصدمة؟

تمثل الاستجابة الدفاعية الأكثر واقعية مزيجاً من تنويع المسارات البحرية والبرية، وتعزيز الربط بين مراكز البيانات، واختبار التحويل التلقائي للاتصالات، وتخزين البيانات محلياً عندما تسمح طبيعة الخدمة، وتطوير خطط استمرارية الأعمال للقطاعات التي لا تحتمل التوقف. ولا توفر الاتصالات الفضائية بديلاً مكافئاً لجميع الألياف الضوئية من حيث السعة والتكلفة، لكنها قد تخدم بعض الاستخدامات الطارئة.

وتبقى المسألة سياسية أيضاً: حماية البنية المدنية تحت البحر تحتاج تنسيقاً عابراً للحدود، فضلاً عن إجراءات لمشاركة الإنذارات وفتح ممرات آمنة لسفن الإصلاح. وإذا جرى استهداف بنية مدنية أساسية عمداً، فإن ذلك سيثير أيضاً أسئلة جدية بموجب قواعد القانون الدولي الإنساني، بحسب طبيعة الهدف والظروف المحددة للنزاع.

ما الذي ينبغي مراقبته؟

المؤشرات الأكثر دلالة ليست التصريحات النارية وحدها، بل تحذيرات مشغلي الكابلات، وإعلانات مزودي الاتصالات عن تخفيض السعات أو تحويل المسارات، وقيود دخول سفن الإصلاح، وتغيرات الأسعار والتأخير في الخدمة. كما ينبغي التفريق بين عطل عرضي مألوف في الكابلات البحرية وبين تخريب متعمد؛ فإثبات المسؤولية يتطلب تحقيقاً فنياً ومعلومات لا توفرها الشائعات المتداولة وقت الأزمات.

والخلاصة أن التهديد الإيراني يعكس إدراكاً لمواطن ضعف الاقتصاد الرقمي الخليجي، لكن القدرة على إلحاق ضرر محلي لا تعادل القدرة على إطفاء الإنترنت العالمي. وسيُحدد حجم الخطر الحقيقي مقدار التنوع والمرونة في الشبكات، ومدة استمرار النزاع، ومدى توافر قنوات مستقلة للتحقق من أي حادثة.

المصادر والمراجع

رويترز: الخطط الإيرانية لاستهداف كابلات الخليج، 23 أكتوبر

اقرأ أيضاً

شاهد أيضًا

قصبة مالقة وقلعة جبل فارو: قلعتان فوق #مالقة | #إسبانياللمشاهدة عبر تطبيق يوتيوب انقر هنا

رابط الفيديو على يوتيوب: انقر هنا (https://www.youtube.com/watch?v=PQsY0BUJt_4)

الصورة أرشيفية / توضيحية.

زر الذهاب إلى الأعلى