آراء

د. صابر خضر: حين يتسع العلم، ماذا يحدث لفهمنا؟

تأملات للدكتور صابر خضر في دلالات جائزتي نوبل للطب والفيزياء لعام 2026، والعلاقة بين تطور أدوات الاكتشاف وحدود المعرفة والفهم

حين يتسع العلم، ماذا يحدث لفهمنا؟

من أسرار الدماغ إلى أعماق الكون

د. صابر خضر

كيف يمكن للضوء أن يساعدنا على فهم ما يحدث داخل الدماغ، وأن يكشف لنا، في مكان آخر، آثار جسيمات وصلت من أعماق الكون؟

يبدو الاكتشافان متباعدين؛ أحدهما يتناول الدماغ، والآخر يستكشف الكون. لكن جائزتي نوبل لعام 2026 جمعتا بينهما في مناسبة تتيح لنا التأمل في سؤال أوسع: كيف تتغير معرفتنا بالعالم عندما نكتشف وسائل جديدة لفهمه؟

في الطب، مُنح كارل ديسيروث وبيتر هيغمان وجورج ناغل جائزة نوبل عن اكتشافاتهم المتعلقة بالقنوات الأيونية التي تتحكم فيها الإضاءة وتطوير البصريات الوراثية. وفي الفيزياء، مُنح فرانسيس هالزن الجائزة عن إسهاماته الحاسمة في مرصد آيس كيوب واكتشاف النيوترينوات عالية الطاقة ذات الأصل الفلكي. [1، 2] (Karolinska Institutet)

وراء هذين الإنجازين فكرة مشتركة: أحيانًا لا يتقدم العلم بإضافة معلومات جديدة فحسب، بل بابتكار أدوات تجعل ما كان يصعب رصده أو اختباره قابلًا للدراسة.

الضوء الذي يغيّر، والضوء الذي يكشف

تقوم البصريات الوراثية على فكرة مدهشة: استخدام الضوء للتحكم في نشاط خلايا محددة، ومنها الخلايا العصبية.

بدأت القصة من دراسة بروتينات حساسة للضوء لدى طحالب وحيدة الخلية. وأسهمت أبحاث هيغمان وناغل في اكتشاف بروتين يُعرف باسم «قناة الرودوبسين»، يستطيع التأثر بالضوء وتغيير مرور الأيونات عبر غشاء الخلية. ثم طوّر ديسيروث استخدام هذه المعرفة للتحكم في نشاط الخلايا العصبية.

أتاحت هذه التقنية للعلماء الانتقال من مجرد مراقبة نشاط الدماغ إلى اختبار أثر تغيير نشاط خلايا بعينها. فبدل الاكتفاء بملاحظة أن مجموعة من الخلايا تنشط أثناء سلوك معين، أصبح بالإمكان التدخل في نشاطها ودراسة ما إذا كان ذلك يؤثر في الوظيفة المرتبطة بها.

وهذا تقدم مهم في فهم العلاقة بين النشاط العصبي والذاكرة والانفعال والسلوك. لكنه لا يعني أن أسرار الدماغ أصبحت مكشوفة؛ فالوظائف المعقدة تنشأ من تفاعل شبكات واسعة من الخلايا، ولا يمكن اختزالها في عمل خلية منفردة. (Karolinska Institutet)

وعلى مسافة بعيدة، في جليد القطب الجنوبي، يستخدم العلماء الضوء بطريقة مختلفة تمامًا.

يبحث مرصد آيس كيوب عن النيوترينوات، وهي جسيمات أولية متعادلة كهربائيًا، ضعيفة التفاعل مع المادة إلى درجة كبيرة. تستطيع أعداد هائلة منها عبور الأرض وأجسامنا من دون أن تتفاعل مع المادة بطريقة يمكن رصدها بسهولة.

ولالتقاط هذه الجسيمات النادرة، بُني مرصد ضخم داخل نحو كيلومتر مكعب من الجليد، تتوزع فيه آلاف الحساسات الضوئية.

عندما يتفاعل نيوترينو مع المادة داخل الجليد، قد ينتج جسيم مشحون كهربائيًا، مثل الميون أو الإلكترون. وإذا تحرك هذا الجسيم بسرعة تتجاوز سرعة الضوء في الجليد، فإنه يصدر ضوءًا يُعرف باسم «إشعاع شيرينكوف». تسجل الحساسات هذا الضوء، ومن خلال تحليل الإشارات يستطيع العلماء الاستدلال على خصائص الحدث الذي بدأ بتفاعل النيوترينو. (Kungl. Vetenskapsakademien)

لا يرصد المرصد النيوترينو مباشرة؛ بل يلتقط أثر تفاعله النادر مع المادة.

وقد ساعد رصد نيوترينو عالي الطاقة عام 2017، من اتجاه مجرة نشطة كانت تصدر أشعة غاما، على تقديم أول دليل على وجود ارتباط بين هذه الفئة من المصادر المجرية ومصادر النيوترينوات الفلكية. لم يكن ذلك تفسيرًا نهائيًا لجميع مصادر النيوترينوات، لكنه فتح نافذة جديدة على العمليات الكونية عالية الطاقة. (NASA Science)

في التجربة الأولى، يُستخدم الضوء للتدخل في نشاط خلايا حية. وفي الثانية، يُحلَّل الضوء الناتج عن تفاعل نادر للاستدلال على جسيمات قادمة من مصادر كونية بعيدة.

أحد الاكتشافين يوسّع قدرتنا على التدخل والاختبار، والآخر يوسّع قدرتنا على الرصد والاستدلال. وكلاهما يغيّر حدود ما نستطيع معرفته. هل تعني المعرفة أننا فهمنا؟

عندما نكتشف آلية جديدة، قد نشعر بأننا اقتربنا من فهم الظاهرة كلها. لكن معرفة كيفية التأثير في خلية عصبية لا تعني الإحاطة بجميع وظائف الدماغ، مثلما أن رصد نيوترينو قادم من مصدر كوني لا يعني أننا فهمنا جميع العمليات التي أنتجته.

لا ينتقص هذا التمييز من قيمة الاكتشافات؛ بل يوضح ما أنجزته بالفعل.

فالعلم لا يتقدم بمجرد جمع المعلومات، وإنما بقدرته على اختبار التفسيرات والتمييز بين الاحتمالات وتحديد ما تدعمه الأدلة. وقد يكون الإنجاز الأهم أحيانًا هو أن نصبح قادرين على طرح سؤال أدق، لا أن نحصل فورًا على إجابة نهائية.

وهنا تبرز مسألة أخرى: هل نستخدم المعرفة التي نمتلكها استخدامًا يوازي قيمتها؟

في مقال سابق لي بعنوان «قد يعمل دماغك طوال حياتك… دون أن تستخدمه كما ينبغي»، تناولت الفرق بين امتلاك الإنسان لقدراته العقلية وبين حسن استخدامها. فوجود القدرة لا يعني بالضرورة حسن توظيفها، كما أن استقبال المعلومات لا يساوي فهمها، وتراكم المعرفة لا يضمن وحده التفكير النقدي.

ويمنحنا التقدم في علم الأعصاب فرصة للتأمل في هذه الفكرة من زاوية جديدة. فكلما ازدادت معرفتنا بالآليات التي يعمل بها الدماغ، تحسنت قدرتنا على تفسير بعض وظائفه، لكن ذلك لا يضمن أن نحسن استخدام قدراتنا العقلية أو توظيف المعلومات التي نمتلكها.

إن معرفة شروط حدوث وظيفة ما تختلف عن امتلاك القدرة على استخدامها بكفاءة.

وتتصل هذه الفكرة بمسألة أخرى ناقشتها في مقال «حين نخلط بين الأسئلة: تأملات في البحث عن الحقيقة بين الإيمان والعقل والدليل».

فقد لا يبدأ الاختلاف دائمًا من الأجوبة، بل من الخلط بين الأسئلة نفسها. وقد نصل إلى إجابة صحيحة عن سؤال محدد، ثم نحمّلها أكثر مما تسمح به، لأننا نستخدمها للإجابة عن سؤال آخر لم تختبره الأدلة أصلًا.

قد يجيب العلم عن كيفية حدوث ظاهرة معينة، لكن هذه الإجابة لا تحسم تلقائيًا جميع الأسئلة المتعلقة بمعناها أو دلالاتها. كما أن اكتشاف آلية عصبية لا يقدم وحده تفسيرًا شاملًا للإنسان، ولا أن اكتشاف مصدر للنيوترينوات الفلكية يقدم تفسيرًا نهائيًا للكون.

إن الدقة لا تكمن في معرفة ما تقوله الأدلة فحسب، بل في معرفة ما لا تقوله أيضًا.

حين يصبح السؤال أوسع من الاكتشاف

لا ينبغي أن نفهم من ذلك أن العلم عاجز عن الإجابة عن الأسئلة الكبرى، أو أن كل ما يقع خارج نطاق تجربة معينة سيبقى مجهولًا. فالأدوات تتطور، والأسئلة تتغير، وما كان متعذرًا على الرصد في مرحلة قد يصبح قابلًا للدراسة في مرحلة لاحقة.

لكن ليس كل سؤال من النوع نفسه.

هناك أسئلة عن الآليات التي تجعل ظاهرة ما ممكنة، ويمكن اختبارها بالتجربة والقياس. وهناك أسئلة عن تفسير النتائج، تتطلب بناء نماذج ومقارنتها بالأدلة. وهناك أسئلة فلسفية تتعلق بما تعنيه المعرفة، وكيف ينبغي أن نفهم حدودها، وما الذي يترتب على ما نكتشفه.

قد تتصل هذه المستويات، لكنها لا تتطابق. والإجابة عن سؤال في أحدها لا تحسم تلقائيًا الأسئلة الأخرى.

هنا يمكن أن يلتقي العلم بالفلسفة من دون أن يختلطا. يمنحنا العلم نتائج وأدلة توسع معرفتنا بالعالم، بينما تساعدنا الفلسفة على فحص مفاهيمنا واستنتاجاتنا والأسئلة التي نطرحها على ضوء تلك النتائج.

ليس المطلوب أن نستخرج من كل اكتشاف نظرية فلسفية شاملة، بل أن نتأمل ما الذي يضيفه إلى فهمنا، وما الذي لا يزال يحتاج إلى بحث أو إلى نوع آخر من التفكير.

فكلما ازدادت قدرتنا على اكتشاف الظواهر، ازدادت أهمية أن نميز بين ما أثبتناه وما نستنتجه، وبين ما نعرفه بالفعل وما نأمل أن نعرفه مستقبلًا.

المعرفة التي تفتح الباب

تكشف لنا جائزتا نوبل لعام 2026 صورتين مختلفتين من صور التقدم العلمي: ضوء يساعد على اختبار نشاط خلايا عصبية، وآثار ضوئية داخل الجليد تتيح الاستدلال على جسيمات قادمة من أعماق الكون.

ما يجمع الإنجازين ليس أن الضوء يؤدي الوظيفة نفسها في كليهما، بل أن ابتكار وسائل جديدة قد يغير ما نستطيع اختباره ورصده، ويفتح أمام المعرفة مسارات لم تكن متاحة من قبل.

لكن اتساع قدرتنا على الاكتشاف لا يعني أن كل سؤال قد وجد جوابه، ولا أن المعرفة الجديدة تتحول تلقائيًا إلى فهم أعمق.

ربما كان من علامات التفكير الناضج ألا نتعجل تحويل كل اكتشاف إلى تفسير شامل، وألا نخلط بين التقدم في معرفة العالم والقدرة على الإجابة عن جميع الأسئلة المتعلقة به.

فالاكتشاف العظيم لا يزيل المجهول كله؛ إنه يجعل جزءًا منه قابلًا للفهم، ويمنحنا في الوقت نفسه أسبابًا أدق لمواصلة السؤال.

لكن هذه الاكتشافات تتركنا أمام أسئلة تتجاوز حدود العلم نفسه: كلما كشفنا سرًا من أسرار الدماغ أو الكون، هل نقترب من فهم الوجود في معناه الأوسع، أم أن تفسير كيفية حدوث الأشياء لا يكفي وحده للإجابة عن سؤال: لماذا يوجد هذا العالم أصلًا؟ وهل للمعرفة حدود تقف عندها، أم أن كل إجابة عميقة تفتح أمامنا بابًا إلى سؤال أعمق؟

ربما لا تكمن أهمية هذه الأسئلة في أن نجد لها جوابًا سريعًا، بل في أن ندرك أن اكتشاف آليات العالم لا ينهي التساؤل عن الوجود ومعناه؛ بل قد يجعله أكثر عمقًا وإلحاحًا

المصادر

[1] جائزة نوبل في الطب أو علم وظائف الأعضاء 2026
معهد كارولينسكا — الاكتشافات التي أسست للبصريات الوراثية

[2] جائزة نوبل في الفيزياء 2026
الأكاديمية الملكية السويدية للعلوم — فرانسيس هالزن ومرصد آيس كيوب

[3] رصد النيوترينوات الفلكية
ناسا — أهمية رصد النيوترينو عام 2017 باستخدام آيس كيوب

اقرأ أيضًا

زر الذهاب إلى الأعلى