نزار العوصجي: رياح التغيير تهب على العراق

نزار العوصجي يكتب عن العراق بعد 2003، والسيادة والنفوذ الخارجي، وما يراه فرصة لإعادة الاعتبار إلى الدولة والمواطنة واحتكار السلاح واستقلال القرار الوطني.
هل آن أوان تصحيح خطيئة 2003؟
يبدو أن رياح التغيير بدأت تهب بقوة، وأن نافذة الفرصة التي طال انتظارها باتت اليوم أوسع من أي وقت مضى.
فالعراق الآن يقف أمام لحظة مفصلية قد تفرض إعادة النظر في المسار السياسي الذي أُنشئ بعد عام 2003، بكل ما حمله من اختلالات، أفضت إلى إضعاف الدولة، وتمزيق مفهوم السيادة، وفتح الأبواب أمام النفوذ الإقليمي، وفي مقدمته النفوذ الإيراني.
ولم يعد الحديث عن أخطاء غزو العراق مجرد قراءة سياسية أو موقفاً صادراً عن خصوم تلك المرحلة؛ فقد عاد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نفسه إلى التأكيد، في تصريحات علنية، على أن غزو العراق كان خطأً، وقال إنه كان يعارض مهاجمة العراق منذ البداية، معتبراً أن الولايات المتحدة هاجمت «البلد الخطأ». كما تحدث بوضوح عن ضرورة أن تكون القرارات العراقية بيد العراقيين، وألا تبقى هناك جهات مسلحة خارج سيطرة الدولة، وهنا تكمن أهمية اللحظة الراهنة.
فما حدث في العراق لم تتوقف آثاره عند حدوده؛ بل امتدت تداعياته إلى عموم المنطقة.
«تصحيح الخطأ التاريخي لا يكون باستبدال نفوذ أجنبي بنفوذ أجنبي آخر، وإنما بإعادة الاعتبار إلى الدولة العراقية.»
إن إسقاط الدولة العراقية من دون بناء دولة وطنية مستقرة وقادرة على حماية سيادتها خلق فراغاً استراتيجياً استغلته قوى إقليمية، فتحول العراق تدريجياً من دولة ذات ثقل عربي وإقليمي إلى ساحة نفوذ وصراع، وأصبح القرار الوطني عرضة للتجاذبات الخارجية.
واليوم، وبعد أن أصبحت الولايات المتحدة أكثر إدراكاً لحجم التداعيات التي أفرزها مسار ما بعد 2003، يبدو أن هناك اتجاهاً متزايداً نحو معالجة بعض الاختلالات التي سمحت بتغلغل النفوذ الإيراني داخل العراق.
وقد عبّر ترامب بوضوح عن اعتبار إيران عبئاً كبيراً على العراق، وعن ضرورة أن يتمكن العراقيون من إدارة شؤون بلدهم بأنفسهم.
لكن تصحيح الخطأ التاريخي لا يكون باستبدال نفوذ أجنبي بنفوذ أجنبي آخر، ولا بإعادة إنتاج النظام نفسه بأسماء ووجوه جديدة؛ وإنما بإعادة الاعتبار إلى الدولة العراقية، وإلى مفهوم المواطنة، وسيادة القانون، واحتكار الدولة للسلاح، واستقلال القرار الوطني.
ومن هنا، فإن الفرصة الحقيقية أمام العراق تكمن في بروز قوى وطنية شريفة ومستقلة تستطيع أن تحمل مشروعاً عراقياً جامعاً، بعيداً عن الطائفية والمحاصصة والارتهان للخارج، وتعيد بناء الدولة على أساس المواطنة والكفاءة والعدالة.
فالعراق لا يحتاج إلى وصاية جديدة، وإنما يحتاج إلى مساعدة حقيقية على استعادة سيادته، وإلى بيئة إقليمية ودولية تساعد العراقيين الوطنيين على استعادة بلدهم من منظومة الفساد والسلاح والنفوذ الخارجي.
«العراق لا يحتاج إلى وصاية جديدة، وإنما يحتاج إلى مساعدة حقيقية على استعادة سيادته.»
لقد كانت جريمة غزو العراق عام 2003 نقطة تحول تاريخية لم يدفع ثمنها العراقيون وحدهم، بل دفعت المنطقة بأسرها أثماناً باهظة بسبب تداعياتها، وإذا كانت واشنطن قد بدأت تعيد قراءة تلك التجربة بعين أكثر نقداً، فإن السؤال الذي ينبغي أن يطرح نفسه اليوم هو: هل آن الأوان لكي يدفع العراق ثمن خطيئة 2003 إلى نهايتها، أم آن الأوان لكي يبدأ تصحيحها؟
إن رياح التغيير، إذا هبّت فعلاً، فلن تكون قيمتها في تغيير الأشخاص فقط، بل في تغيير المعادلة بأكملها:
من عراقٍ تُدار شؤونه من خلف الحدود، إلى عراقٍ يقرر أبناؤه مصيره بأيديهم، وهنا تحديداً تبدأ معركة استعادة العراق.
«من عراقٍ تُدار شؤونه من خلف الحدود، إلى عراقٍ يقرر أبناؤه مصيره بأيديهم.»
