وول ستريت جورنال تكشف كواليس هجوم باب المندب.. الحوثيون خططوا لأشهر واستغلوا انقسامات خصومهم
يورو تايمز – ستوكهولم
لم يكن الهجوم الخاطف الذي أوصل الحوثيين إلى قلب مضيق باب المندب عملية عسكرية أُعدت على عجل مستفيدة من حرب إيران والولايات المتحدة، بل كان نتيجة تحضيرات استمرت لأشهر، وحشد آلاف المقاتلين والأسلحة، واستغلال واسع للانقسامات داخل المعسكر اليمني المناهض للجماعة، وفق تفاصيل جديدة كشفتها صحيفة «وول ستريت جورنال».
وتقدم المعلومات الجديدة تفسيرًا للسرعة التي انهارت بها مواقع استراتيجية على الساحل الغربي لليمن قبل سقوط ميناء المخا ثم جزيرة بريم، الواقعة وسط واحد من أهم الممرات البحرية في العالم.
وبحسب تقرير وول ستريت جورنال، بدأ الحوثيون قبل الهجوم بفترة طويلة تحريك الأسلحة والقوات باتجاه الساحل، ثم كثفوا استعداداتهم في منتصف أغسطس/آب بنقل آلاف المقاتلين والأسلحة إلى مواقع حول مدينة المخا وتهديد خطوط إمداد القوات المدافعة عنها.
لكن العامل الأكثر لفتًا للانتباه في التقرير يتعلق بما جرى خلف خطوط القتال.
التنصت على الخصوم وزرع الارتباك
تقول الصحيفة إن الحوثيين استفادوا من سيطرتهم على أنظمة الاتصالات اليمنية للاستماع إلى مكالمات خصومهم، واستخدموا هذه القدرة في زرع الارتباك بينهم وترهيب القوات المنافسة ودفع بعضها إلى التخلي عن مواقعها.
وبذلك لم يعتمد الهجوم على الصواريخ والطائرات المسيّرة والقوة البشرية وحدها، بل جمع بين التحضير العسكري والحرب الاستخباراتية والنفسية.
وتكتسب هذه المعلومات أهمية خاصة لأنها تساعد على تفسير الكيفية التي تمكنت بها الجماعة من تحقيق مكاسب جغرافية بالغة الحساسية خلال فترة قصيرة.
وبعد أسابيع من الحشد، سيطر الحوثيون على ميناء المخا يوم الخميس، ثم انتقلوا في اليوم التالي إلى جزيرة بريم، المعروفة أيضًا بميون، في قلب باب المندب.
قوة موحدة في مواجهة ثمانية جيوش
وتشير «وول ستريت جورنال» إلى أن القوة العسكرية التابعة للحوثيين باتت تقدر بنحو 350 ألف مقاتل، بعد سنوات من الحرب والتوسع وبناء قدرات متقدمة في استخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة والتكتيكات العسكرية.
لكن أحد أسرار نجاح الهجوم لم يكن قوة الحوثيين وحدها، وإنما حالة خصومهم.
وينقل التقرير عن الخبير اليمني محمد الباشا وصفًا شديد الدلالة للمشهد: الحوثيون يمتلكون قيادة واحدة وأيديولوجية واحدة ورؤية واضحة، بينما يواجههم معسكر يضم ما وصفه بـ«ثمانية جيوش» وقيادات متعددة.
وتضم القوى المناهضة للحوثيين تشكيلات مختلفة في أهدافها وولاءاتها، من بينها قوى جنوبية تطالب باستعادة دولة مستقلة في جنوب اليمن، وتشكيلات أخرى مرتبطة بالحكومة اليمنية السابقة، وأطراف ذات صلات بحزب الإصلاح.
الخلاف السعودي–الإماراتي ترك ثغرة
وتعيد الصحيفة جزءًا من المشكلة إلى الخلافات التي ضربت التحالف المناهض للحوثيين.
فلسنوات، كانت القوات المدعومة من الإمارات موجودة في جزيرة بريم والمناطق المحيطة بها، لكن الخلاف بين السعودية والإمارات بشأن اليمن أضعف هذا الترتيب.
وبحسب الصحيفة، تفاقم التوتر بعد خلاف في ديسمبر/كانون الأول بشأن دعم أطراف يمنية متنافسة، قبل أن تتراجع الإمارات عن مشاركتها في الحرب.
والنتيجة أن المواقع التي كانت تشكل جزءًا مهمًا من خط الدفاع أمام الحوثيين أصبحت أكثر هشاشة.
واتهم مسؤول في المجلس الانتقالي الجنوبي السعودية بسوء إدارة الحملة، في انعكاس لحجم الخلافات داخل المعسكر الذي كان يفترض أن يمنع الحوثيين من الوصول إلى باب المندب.
السعودية ترددت عندما بدأ الهجوم
تكشف الصحيفة أيضًا جانبًا مهمًا من الحسابات السعودية.
فبعد سنوات من الحرب في اليمن وآلاف الضربات الجوية التي لم تنجح في القضاء على الحوثيين، كانت الرياض مترددة في الانجرار مجددًا إلى حرب واسعة معهم، خصوصًا بينما تواجه المملكة تداعيات الحرب مع إيران والضغوط المتزايدة على بنيتها النفطية.
وقال مسؤولون يمنيون مناهضون للحوثيين للصحيفة إنهم طلبوا ضربات جوية سعودية لدعم دفاعاتهم، لكن الرياض لم تستجب بالسرعة أو الحجم المطلوبين، وهو ما ساعد الحوثيين على التقدم.
وكانت السعودية قد حافظت لسنوات على تهدئة فعلية مع الجماعة، حتى إن مسؤولين سعوديين في قطاع الطاقة قالوا للصحيفة في أبريل/نيسان إن المملكة حصلت على تعهدات من الحوثيين بعدم مهاجمة السعودية أو سفنها.
لكن هذا التفاهم انهار مع اتساع الحرب الإقليمية.
إيران والحرب الأوسع
وتتقاطع معلومات الصحيفة مع ما كشفته رويترز سابقًا عن دور إيراني مباشر في دعم الهجوم.
فقد نقلت الوكالة عن مصادر يمنية وإيرانية وإقليمية أن الحرس الثوري الإيراني قدم أسلحة ومشورة عسكرية، وأن قادة إيرانيين ساعدوا في توجيه الحملة على الساحل الغربي، في إطار فتح جبهة جديدة تضغط على السعودية والولايات المتحدة بالتزامن مع الحرب الإيرانية–الأميركية.
وتشير رويترز إلى أن التحضير للهجوم لم يبدأ خلال الأيام الأخيرة، وهو ما يتوافق مع المعلومات الجديدة التي تكشفها «وول ستريت جورنال» عن الحشد الذي سبق الهجوم بأشهر.
السعودية بين هرمز وباب المندب
النتيجة الاستراتيجية للهجوم تتجاوز اليمن.
تقع بريم وسط مضيق باب المندب الذي يبلغ عرضه في أضيق مناطقه نحو 18 ميلًا، ويشكل بوابة البحر الأحمر باتجاه قناة السويس.
وأصبحت أهمية هذا الممر أكبر بالنسبة للسعودية بعدما أدت الحرب مع إيران إلى تقييد الملاحة عبر مضيق هرمز.
لكن البديل الغربي نفسه أصبح الآن معرضًا لضغوط الحوثيين.
وتزداد المشكلة بعد تعرض خط النفط السعودي شرق–غرب لهجمات بطائرات مسيّرة، وهو الخط الذي ينقل الخام من شرق المملكة إلى ينبع على البحر الأحمر لتجاوز هرمز.
وبذلك تواجه الرياض ثلاثة مصادر ضغط مترابطة: هرمز من الشرق، خط شرق–غرب داخل المملكة، وباب المندب من الغرب.
وتؤكد خطورة الوضع بيانات حديثة نشرتها رويترز، أظهرت أن حركة السفن التجارية في باب المندب تراجعت يوم الاثنين إلى 21 سفينة مقابل 28 في اليوم السابق، بينما هبط عدد السفن السلعية التي عبرت هرمز في اليوم نفسه إلى أربع فقط، مقارنة بنحو 125 سفينة تجارية كبيرة يوميًا قبل الحرب.
حتى استعادة الجزيرة لن تنهي التهديد
وترى الصحيفة أن المشكلة بالنسبة للسعودية والقوى الدولية لا تنتهي بمجرد احتمال إخراج الحوثيين من بريم أو إبعادهم عن بعض مناطق الساحل.
فالجماعة تمتلك ترسانة من الصواريخ والطائرات المسيّرة تسمح لها بمواصلة تهديد الملاحة في البحر الأحمر حتى من مسافات بعيدة.
وهنا يظهر تشابه استراتيجي واضح مع إيران في هرمز: ليس من الضروري إغلاق الممر البحري بالكامل حتى يتحول إلى أداة ضغط، بل يكفي الاحتفاظ بالقدرة على تهديد السفن ورفع تكاليف التأمين والشحن وإجبار الشركات على تغيير مساراتها.
وبعد سنوات كان فيها الحوثيون يُنظر إليهم أساسًا بوصفهم طرفًا في الحرب الأهلية اليمنية، فإن سيطرتهم على مواقع باب المندب وضعتهم الآن مباشرة داخل معادلة الطاقة والحرب بين إيران والولايات المتحدة.
والسؤال الذي يواجه الرياض وواشنطن لم يعد فقط كيفية وقف تقدمهم على الأرض، بل كيفية تأمين ممر بحري عالمي تستطيع الجماعة إبقاءه تحت التهديد حتى إذا تغيرت خريطة السيطرة العسكرية.
