أخبار

ضربة العراق تصيب طريق الهروب السعودي من هرمز.. أزمة خط النفط تدخل مرحلة أخطر

يورو تايمز – ستوكهولم

قد يبقى خط النفط السعودي شرق–غرب، الذي تحول خلال الحرب إلى أحد أهم شرايين تصدير النفط بعيدًا عن مضيق هرمز، خارج الخدمة بصورة شبه كاملة لمدة تصل إلى خمسة أسابيع، بعد الأضرار التي لحقت به جراء هجوم بطائرات مسيّرة انطلقت من العراق، في تطور يهدد بسحب ملايين البراميل يوميًا من سوق نفط عالمية تعاني أصلًا من نقص الإمدادات.

ونقلت أسوشيتد برس الاثنين عن مسؤولين إقليميين مطلعين على الوضع أن إصلاح الأضرار، التي شملت منشأة ضخ رئيسية، قد يحتاج إلى ما بين ثلاثة وخمسة أسابيع.

وقال أحد المسؤولين إن الخط قد يتمكن من العمل جزئيًا أثناء عمليات الإصلاح، لكن لم يتضح حجم النفط الذي سيكون بالإمكان ضخه.

وتكمن خطورة التطور في أن خط شرق–غرب لم يعد مجرد جزء من البنية النفطية السعودية، بل أصبح خلال الحرب الممر الرئيسي الذي تعتمد عليه المملكة لتجاوز مضيق هرمز ونقل النفط من شرق البلاد إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر.

2.6 إلى 4 ملايين برميل يوميًا أصبحت مهددة

بحسب تحليل أصدرته شركة Rystad Energy، كان الخط ينقل منذ أواخر أغسطس/آب متوسطًا أسبوعيًا يتراوح بين 2.6 و4 ملايين برميل يوميًا.

وفي حال توقف التدفق بالكامل، يمكن أن تختفي هذه الكميات من السوق خلال فترة تعطل الخط.

ولإدراك حجم الرقم، فإن 4 ملايين برميل يوميًا تعادل نحو 4% من إمدادات النفط العالمية وفق البيانات التي أوردتها أسوشيتد برس استنادًا إلى وكالة الطاقة الدولية.

وهذا يفسر رد فعل السوق السريع، إذ ارتفعت أسعار النفط بأكثر من 2% مع تزايد المخاوف بشأن قدرة السعودية، أكبر مصدر للخام في العالم، على إيصال إنتاجها إلى الأسواق.

لماذا أصبح هذا الخط بالغ الأهمية؟

يمتد خط شرق–غرب لنحو 1,200 كيلومتر عبر الأراضي السعودية، وينقل النفط من منشآت المعالجة القريبة من الخليج إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر.

ومن ينبع يمكن تحميل الخام على ناقلات تتجه شمالًا عبر البحر الأحمر وقناة السويس، أو استخدام خط سوميد المصري لنقل النفط إلى البحر المتوسط، كما يمكن في الظروف الطبيعية التوجه جنوبًا عبر باب المندب إلى الأسواق الآسيوية.

وقد بُني الخط في ثمانينيات القرن الماضي أساسًا بسبب المخاوف من أن تتمكن إيران من تعطيل حركة الملاحة في مضيق هرمز خلال الحرب العراقية الإيرانية.

وبعد عقود، أصبح السيناريو الذي صُمم الخط لمواجهته واقعًا مرة أخرى.

فمنذ اندلاع الحرب الحالية وتراجع حركة الناقلات بصورة حادة عبر هرمز، تحوّل خط شرق–غرب إلى أحد أهم البدائل المتبقية أمام السعودية لتصدير النفط.

مخزونات ينبع قد تكفي 5 إلى 7 أيام فقط

لكن التطور الأكثر حساسية قد يظهر خلال أيام وليس أسابيع.

فقد نقلت رويترز عن ثلاثة مصادر في قطاع النفط أن مخزونات الخام المتاحة في ينبع قد تكون قادرة على المحافظة على الصادرات لمدة خمسة إلى سبعة أيام فقط إذا ظل الخط متوقفًا.

وبعد ذلك يصبح استمرار الصادرات بالمستويات الحالية أكثر صعوبة ما لم يُستأنف الضخ جزئيًا أو تُستخدم مسارات ومخزونات بديلة.

وتظهر أولى إشارات المشكلة بالفعل في أوروبا.

فبيانات الشحن التي أوردتها رويترز تشير إلى أن كميات الخام المتجهة من محطة سيدي كرير المصرية إلى بولندا يُتوقع أن تهبط هذا الشهر إلى نحو 2.1 مليون برميل، بعدما بلغت 6.6 ملايين برميل في أغسطس/آب.

وتكتسب هذه الأرقام أهمية لأن شركة أرامكو السعودية توفر نحو 40% من النفط الذي تعالجه مجموعة Orlen البولندية.

وقالت الشركة البولندية إنها لا تواجه اضطرابًا فوريًا في الإمدادات وإنها تعتمد على مصادر متنوعة، بينما أظهرت بيانات حركة السفن وصول ناقلات من الولايات المتحدة والجزائر والنرويج.

الضربة أصابت «طريق الهروب» من هرمز

الخطورة الاستراتيجية للهجوم تكمن في توقيته.

فعندما أصبحت الملاحة عبر هرمز شديدة الصعوبة، دفعت السعودية كميات أكبر من النفط غربًا باتجاه ينبع.

وبذلك أصبح خط شرق–غرب عمليًا طريق الهروب السعودي من أزمة هرمز.

لكن الهجوم الأخير استهدف هذا الطريق نفسه.

وكانت السعودية قد أعلنت إيقاف الخط بعد هجوم بطائرات مسيّرة، وقالت الرياض وبغداد إن الطائرات انطلقت من الأراضي العراقية.

وأكدت الحكومة العراقية لاحقًا أن التحقيقات قادت إلى محافظة ميسان، وأقالت قائد عمليات ميسان على خلفية القضية.

وبحسب السعودية، تسببت الضربات التي طالت مناطق في الرياض والمدينة المنورة في إصابات وأضرار بالبنية التحتية.

البحر الأحمر لم يعد بديلًا آمنًا أيضًا

حتى إذا تمكنت السعودية من إعادة تشغيل الخط، تبقى هناك مشكلة ثانية: ماذا يحدث للنفط بعد وصوله إلى البحر الأحمر؟

فالحوثيون وسعوا سيطرتهم ونشاطهم العسكري على طول الساحل اليمني وفي منطقة باب المندب، ما جعل الطريق الجنوبي من البحر الأحمر إلى آسيا أكثر خطورة.

ولهذا اتجهت غالبية الناقلات السعودية الخارجة من ينبع خلال الفترة الأخيرة شمالًا باتجاه قناة السويس أو خط سوميد المصري بدلًا من المرور جنوبًا عبر باب المندب.

لكن هذا المسار أطول وأكثر كلفة بالنسبة إلى شحن النفط إلى العملاء الرئيسيين للسعودية في آسيا.

وتزداد المشكلة تعقيدًا مع توسيع الحوثيين عملياتهم واستيلائهم على جزر استراتيجية على طرق الملاحة في البحر الأحمر، بالتزامن مع استمرار الهجمات على أهداف سعودية.

السعودية تنتج 6 ملايين برميل فقط

تأتي الأزمة بينما انخفض إنتاج السعودية نفسه بصورة حادة خلال الحرب.

فوفق بيانات وكالة الطاقة الدولية التي أوردتها أسوشيتد برس، بلغ إنتاج المملكة نحو 6 ملايين برميل يوميًا في أغسطس/آب، مقارنة بنحو 10 ملايين برميل يوميًا في سبتمبر/أيلول من العام الماضي.

وهذا يعني أن السعودية تواجه ضغطين متزامنين: انخفاض القدرة على الإنتاج، ثم تعرض أحد أهم طرق نقل الإنتاج المتبقي إلى الأسواق لضربة كبيرة.

هرمز عاد جزئيًا.. لكنه بعيد عن الوضع الطبيعي

هناك متنفس محدود للسعودية يتمثل في عودة بعض حركة الناقلات عبر مضيق هرمز.

لكنها ما تزال بعيدة جدًا عن مستويات ما قبل الحرب.

وبحسب بيانات Lloyd’s List Intelligence التي أوردتها أسوشيتد برس، سجل الأسبوع الأول من سبتمبر نحو 90 عملية عبور للمضيق بأكمله، في حين كان يعبره قبل الحرب نحو 130 سفينة يوميًا.

ولهذا فإن إعادة توجيه كميات ضخمة من النفط السعودي إلى هرمز ليست بديلًا بسيطًا أو كاملًا لخط شرق–غرب.

من مشكلة سعودية إلى أزمة إمدادات عالمية

الأزمة لم تعد تتعلق بإصلاح أنبوب داخل السعودية.

فإذا استغرق إصلاح خط شرق–غرب خمسة أسابيع، ونفدت المخزونات القابلة للتصدير من ينبع خلال أيام، وظلت حركة هرمز محدودة واستمرت المخاطر في باب المندب، فإن سوق النفط قد تواجه فقدان جزء كبير من الإمدادات السعودية لفترة ممتدة.

وقد اعتبرت Rystad Energy وصول خام برنت إلى نحو 109 دولارات للبرميل إشارة واضحة إلى أن السوق بدأت بالفعل تسعّر احتمال حدوث خسارة كبيرة في الإمدادات.

وهنا تظهر الأهمية الحقيقية لضربة خط شرق–غرب.

فالحرب أغلقت أو قيّدت أولًا الطريق التقليدي للنفط عبر هرمز، ثم دفعت السعودية إلى الاعتماد بصورة أكبر على الطريق البديل عبر أراضيها إلى البحر الأحمر.

والآن أصابت الحرب البديل نفسه، بينما يتعرض المخرج البحري الآخر عبر باب المندب لضغط متزايد.

وهكذا قد تتحول ضربة واحدة على منشأة ضخ داخل السعودية إلى أزمة تمتد من حقول النفط في الخليج، مرورًا بينبع والبحر الأحمر ومصر، وصولًا إلى المصافي والمستهلكين في أوروبا وآسيا.

اقرأ أيضًا

زر الذهاب إلى الأعلى