آراء

نزار العوصجي: عرق الجبين أم عرق العراقيين؟

من أغرب الظواهر التي بدأت تستفحل في مجتمعنا ، أن كلمة «الفساد» أصبحت من الكلمات التي لا يحب البعض سماعها ، بينما أصبحت عبارة «من عرق جبيني» الإجابة الجاهزة لكل سؤال عن مصدر الثروة .
تسأل «بلوكر» كيف تحولت حياتها خلال سنوات قليلة من البساطة إلى السيارات الفارهة ، والبيوت الفخمة ، والسفر المتواصل ، والمظاهر الباذخة ، فتأتيك الإجابة بكل ثقة :
«هذا من تعبي وعرق جبيني».
وتسأل سياسياً عن الثروة التي راكمها خلال سنوات وجوده في السلطة ، وعن العقارات والأموال والشركات والممتلكات التي لم تكن معروفة قبل دخوله عالم السياسة ، فتأتيك الإجابة ذاتها :
«هذا من تعبي وعرق جبيني».

يا للعجب !
يبدو أن العراق أصبح البلد الوحيد الذي يتصبب فيه عرق الجبين ذهباً ودولارات !
لكن المشكلة ليست في أن يكون الإنسان ثرياً ، فالثراء ليس جريمة ، والعمل والكفاءة والنجاح أمور تستحق الاحترام .
المشكلة تبدأ عندما تصبح عبارة «عرق جبيني» ستاراً جاهزاً لإغلاق باب السؤال المشروع : من أين لك هذا ؟
نحن لا نريد أن نعرف كم نقطة عرق تصببت من جبين أحدهم ، وإنما نريد أن نعرف مصدر المال .
فالسياسي الذي دخل الوظيفة العامة براتب معروف ، ثم خرج منها بثروة لا تتناسب مع دخله ، ليس من حقه أن يطالب الناس بالصمت عندما يسألونه عن مصدرها .
والشخص الذي أصبح بين ليلة وضحاها من أصحاب الملايين ، لا يمكن أن يعتبر مجرد قوله «تعبت واجتهدت» وثيقة تثبت شرعية ثروته .

ثم هناك سؤال أكثر إزعاجاً :
إذا كان كل هؤلاء قد جمعوا ثرواتهم من عرق جبينهم ، فأين ذهب عرق جبين العراقيين ؟
أين ذهب عرق الموظف الذي أفنى عمره في الخدمة ؟
أين ذهب عرق العامل الذي يعمل طوال اليوم ليؤمن قوت عائلته ؟
أين ذهب عرق الفلاح الذي ينتظر الزرع لينمو ليبيعه في السوق ؟
أين ذهب عرق الشاب الذي يحمل شهادة جامعية ويقف على أبواب المؤسسات بحثاً عن فرصة عمل ؟
وأين ذهب عرق الملايين الذين يعيشون في بلد من أغنى بلدان العالم ، بينما يعانون من الفقر والبطالة وسوء الخدمات ؟

هنا تصبح المسألة أكبر من مجرد ثروة شخصية .
لأن العراق لم يكن بلداً فقيراً ، ولم يكن بلا موارد بل العكس تماماً .
العراق بلد غني بالثروات ، وكان يمكن لهذه الثروات أن تصنع حياة كريمة لمواطنيه ، لولا أن جزءاً كبيراً منها تحول ، بفعل الفساد وسوء الإدارة وشبكات النفوذ ، إلى ثروات خاصة .
ولهذا ، فإن عبارة «هذا من تعبي وعرق جبيني» باتت لا تكفي .
نريد كشف الحساب .
نريد أن نعرف : ماذا كان يملك صاحب الثروة قبل دخوله السياسة ؟
وماذا أصبح يملك بعدها ؟
وما هي مصادر دخله ؟
وما هي أعماله واستثماراته ؟
وهل تتناسب ثروته مع دخله المعلن ؟

هذه ليست غيرة من الناجحين ، ولا حسداً للأثرياء .
هذه أسئلة في صميم حق المجتمع في معرفة الحقيقة .
والأكثر إثارة للسخرية أن بعض الذين يطالبون الناس بالصبر والتقشف ، ويحدثونهم عن الظروف الاقتصادية وصعوبة المرحلة ، يعيشون هم أنفسهم في عالم آخر ؛ سيارات فارهة ، قصور ، سفر ، حسابات مصرفية ، واستثمارات ، وكأن التقشف وُلد فقط للفقراء .
أما المواطن ، فعليه أن يصدق أن كل هذه الثروات جاءت من «الجهد والتعب وعرق الجبين».
ربما نحتاج ، في المرحلة المقبلة ، إلى هيئة متخصصة لا تبحث في عرق الجبين ، وإنما تبحث في مصدر الجبين نفسه !
فليس كل من قال «من عرق جبيني» صادقاً ، وليس كل من ارتدى بدلة رسمية أصبح نظيف اليد .

وفي النهاية ، يبقى السؤال الذي يجب ألا نخجل من طرحه :
عرق الجبين … أم عرق العراقيين ؟
فإذا كان المال نظيفاً ، فليُكشف عن مصدره .
وإذا كان حلالاً ، فليُقدَّم للعيان الدليل .
وإذا كان ثمرة تعب وكفاح ، فليُروي لنا تاريخ ذلك الكفاح .
أما أن تتحول عبارة «عرق جبيني» إلى حصانة تمنع السؤال ، فهذه ليست إجابة … بل محاولة لإنهاء السؤال قبل أن يبدأ .
العراقي لا يحسد من يملك المال ؛ العراقي يريد فقط أن يعرف : هل ما جمعه هؤلاء ، هو فعلاً بعرق جبينهم ، أم بعرق جبين وطنٍ بأكمله ؟؟

زر الذهاب إلى الأعلى