نزار العوصجي: لا تشتكي من لدغة الأفعى التي انقذتها

هناك حكاية قديمة تختصر في بضع كلمات واحدة من أكثر الحقائق قسوة في السياسة : رأى رجل أفعى أثقلها حجر وكاد أن يودي بحياتها ، فأشفق عليها ، وسارع إلى إنقاذها .
وما إن تحررت من الحجر واستعادت قدرتها على الحركة حتى لدغته .
لم تفهم الأفعى معنى المعروف ، ولم ترَ في يد من أنقذها سوى فرصة جديدة لممارسة طبيعتها ، وهنا بالضبط تكمن المشكلة .
بعض الدول العربية تتصرف اليوم مع النظام الإيراني كما تصرف ذلك الرجل مع الأفعى .
تتدخل لدى الولايات المتحدة ، وتتحرك عبر الوسطاء ، وتبذل الجهود لتجنيب النظام الإيراني ضربة عسكرية أو تخفيف الضغوط المفروضة عليه ، تحت عنوان تجنيب المنطقة الحرب والدمار .
ومن حيث المبدأ ، لا أحد عاقل يمكن أن يعترض على تجنيب المنطقة حرباً مدمرة ، لكن السؤال الذي يجب أن يطرح نفسه بصراحة هو :
هل يستطيع العرب أن يضمنوا أن النظام الإيراني ، بعد نجاته من الخطر ، لن يعود إلى السلوك نفسه الذي أوصله إلى حافة المواجهة ؟
إذا كانت الإجابة لا ، فما الذي يفعلونه إذن ؟
هل ينقذون النظام الإيراني من أجل الشعب الإيراني ؟
أم ينقذونه لكي يعود أقوى إلى ممارسة نفوذه في العراق وسوريا ولبنان واليمن ، ودعم الجماعات المسلحة التي تتجاوز سلطة الدول ، وتهديد أمن الخليج ، واستعمال الممرات المائية الدولية كورقة ضغط ؟
هذه ليست أسئلة افتراضية ، فالنظام الإيراني لم يخفِ طموحه الإقليمي ، ولم يتعامل مع المنطقة باعتبارها مجموعة دول مستقلة ذات سيادة ومصالح متساوية ، بل تعامل معها منذ سنوات طويلة باعتبارها مجالاً لنفوذه ومشروعه السياسي والأمني .
والأكثر غرابة أن بعض الدول العربية التي تشعر بالخطر من هذا المشروع هي نفسها التي تتحرك أحياناً لتخفيف الضغط عنه عندما يقترب الخطر من رأسه .
وهنا يجب أن نتوقف قليلاً .
هل يعقل أن تنقذ خصمك من الأزمة التي صنعها بسلوكه ، ثم تتوقع منه بعد ذلك أن يشكرك ؟
السياسة لا تعمل بهذه الطريقة ، فالنظام الذي يرى في القوة والضغط والتهديد أدوات مشروعة لتحقيق مصالحه ، لن يتحول فجأة إلى جار مسالم لمجرد أن دولة عربية توسطت لإنقاذه من أزمة ، بل قد يقرأ الأمر بصورة مختلفة تماماً .
قد يعتقد أن العرب يخشون الحرب أكثر منه .
وقد يعتقد أن بإمكانه الاستمرار في سياسة التصعيد ، لأنه يعرف أن هناك دائماً من سيتدخل في اللحظة الأخيرة لإنقاذه من النتائج .
وهذه أخطر رسالة يمكن أن تصل إلى نظام يتعامل مع السياسة بمنطق القوة .
لذا لا تنخدعوا بابتسامة الضرورة .
المشكلة أن بعض الأنظمة العربية ما زالت تتعامل مع السياسة الإيرانية بمنطق حسن النية ، تصدق التصريحات الدبلوماسية عندما تقتضي الظروف ذلك ، وتتجاهل السلوك الفعلي عندما يتعارض معه .
لكن الدول لا تُقاس بما تقوله في المؤتمرات الصحفية ، وإنما بما تفعله على الأرض .
إذا تغير السلوك ، فمرحباً بالتغيير ، أما إذا بقي السلوك نفسه ، فإن كل مبادرات المصالحة والوساطة لا تعدو أن تكون استراحة قصيرة قبل عودة الصراع .
والأخطر أن من يدفع ثمن هذه الاستراحة قد يكون العرب أنفسهم ، فالنظام الإيراني إذا خرج من أزمته من دون تغيير حقيقي في سلوكه ، لن ينسى من وقف ضده ، لكنه أيضاً لن ينسى من وقف إلى جانبه ، وقد يستخدم الاثنين لاحقاً وفقاً لمصالحه .
وهذه ليست عاطفة أو تشاؤماً ، بل هي قاعدة بسيطة في السياسة : الدول لا تمتلك أصدقاء دائمين ، وإنما مصالح دائمة .
لا أحد يطالب بالحرب ، ولكن لا تنقذوا من يهددكم .
من الخطأ أن يُفهم هذا الكلام على أنه دعوة إلى الحرب ، على العكس تماماً ، الحرب آخر ما تحتاجه المنطقة .
لكن هناك فرقاً هائلاً بين منع الحرب وبين منع المعتدي من تحمل نتائج سياساته .
السلام الحقيقي لا يتحقق بإنقاذ طرف من كل أزمة يخلقها ، وإنما بإجباره على مراجعة سلوكه عندما يصبح هذا السلوك خطراً على الآخرين .
أما إذا كانت كل أزمة تنتهي بوساطة ، وكل تهديد ينتهي بتنازل ، وكل تصعيد ينتهي بصفقة ، فإن النتيجة الطبيعية هي أن يصبح التصعيد نفسه أداة ناجحة للحصول على المزيد ، وهنا يتحول ما يسمى بالوساطة إلى مكافأة غير مباشرة للتصعيد .
ان أخطر ما يمكن أن تفعله الدول العربية ليس أن تتوسط ، الأخطر أن تتوسط من دون أن تطلب ثمناً سياسياً واضحاً .
إذا أراد النظام الإيراني تجنب الحرب ، فليكن الثمن واضحاً : احترام سيادة الدول العربية .
وقف دعم الجماعات المسلحة التي تعمل خارج سلطة الدولة .
عدم استخدام الممرات والمضائق الدولية وسيلة للابتزاز .
عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول .
والتوقف عن بناء النفوذ الإقليمي على حساب أمن جيرانه .
أما أن يحصل النظام على النجاة ، ثم يحتفظ بكل أدوات الضغط التي يمتلكها ، فهذا ليس سلاماً ، إنه مجرد تأجيل للمواجهة .
أقول إلى من يتوسطون اليوم ، أقول للدول العربية التي تتحرك لمنع التصعيد : احرصوا على مصالحكم قبل مصالح الآخرين .
لا تنقذوا نظاماً من نتائج أفعاله ثم تشتكوا غداً عندما تعود أفعاله لتطالكم .
لا تخلطوا بين حسن الجوار والسذاجة السياسية .
ولا تجعلوا الخوف من الحرب يدفعكم إلى إنقاذ الأسباب التي تجعل الحرب ممكنة في المستقبل .
فالأفعى التي أنقذها الرجل لم تصبح حملاً وديعاً ، لقد بقيت أفعى ، وعندما زال الحجر عن جسدها ، عادت إلى طبيعتها .
ومن ينقذ أفعى ثم يضع يده بالقرب من فمها ، لا يملك بعد ذلك حق الشكوى عندما تلدغه .
لذلك ، إذا اختارت بعض الدول العربية أن تنقذ النظام الإيراني من أزمته الحالية ، فعليها أن تتذكر شيئاً واحداً : إن لم يتغير سلوك الأفعى ، فلا تلوموا الأفعى عندما تلدغكم ، لوموا أنفسكم لأنكم أنقذتموها .
وعلى نفسها جنت براقش ..
