آراء

نزار العوصجي: بعد ان تحولت الطائفية إلى مشروع سلطة

لم يكن أخطر ما حدث للعراق بعد عام 2003 هو سقوط نظام سياسي وطني وصعود آخر جاء بأرادة المحتل ، بل أن الدولة العراقية نفسها دخلت في مسار مختلف تماماً ، تحولت فيه السياسة من وسيلة لبناء الدولة إلى وسيلة لإدارة النفوذ ، وتحولت الهوية من عنصر للتنوع الوطني إلى أداة لتقسيم المجتمع ، وتحول الدين والمذهب في أغلب الممارسات السياسية من قيم روحية وأخلاقية إلى أدوات للتعبئة والحشد وحماية المصالح ، وأصبح الفساد محمياً بالشعارات .
ومع مرور السنوات ، أصبح من الصعب على العراقي أن يتجاهل حقيقة واضحة : أن الطبقة السياسية التي تصدرت المشهد بعد 2003 لم تنجح في بناء دولة مستقرة قادرة على حماية مواطنيها وتوفير الخدمات لهم ، وأن جزءاً كبيراً من هذه الطبقة تورط ، بدرجات مختلفة ، في منظومة سياسية واقتصادية جعلت من المحاصصة والولاءات الحزبية والطائفية أساساً لإدارة الدولة .

لقد قيل للعراقيين إن النظام الجديد سيجلب الديمقراطية .
وقيل لهم إن التغيير سيؤسس لدولة القانون .
وقيل لهم إن التعددية ستضمن حقوق الجميع .
لكن ما حدث عملياً أن الديمقراطية تحولت في كثير من الأحيان إلى انتخابات دورية تعيد إنتاج النخب نفسها ، وأن المحاصصة أصبحت وسيلة لتوزيع المناصب ، وأن مؤسسات الدولة تعرضت للتسييس ، بينما بقي المواطن ينتظر الكهرباء والماء والخدمات وفرص العمل .
وفي الوقت الذي كان فيه المواطن العراقي يواجه البطالة والفقر وسوء الخدمات ، كانت البلاد تخسر مليارات الدولارات بسبب الفساد وسوء الإدارة والتهريب والهدر .
وهنا يجب أن يكون السؤال واضحاً :
كيف يمكن لبلد غني بالنفط والثروات أن يبقى عاجزاً عن بناء دولة حديثة ؟
الجواب لا يكمن في نقص الموارد ، وإنما في طبيعة النظام السياسي والاقتصادي الذي نشأ بعد 2003 ، وفي غياب المحاسبة الحقيقية ، وفي تشابك السلطة السياسية مع المصالح الاقتصادية ، وفي وجود قوى مسلحة لا تخضع بالكامل لمنطق الدولة ومؤسساتها .

لقد أصبحت الدولة ، في مراحل عديدة ، أمام مراكز قوى متعددة ؛ بعضها سياسي ، وبعضها حزبي ، وبعضها مسلح ، وبعضها اقتصادي . وفي ظل هذا الواقع ، تراجعت هيبة المؤسسات الرسمية ، وأصبح تطبيق القانون انتقائياً ، وتراجعت ثقة المواطن بالدولة .
والأخطر أن السلاح ، الذي يفترض أن يكون حصراً بيد الدولة ، تحول إلى عنصر مؤثر في الحياة السياسية .
وهنا لا بد من قول الحقيقة دون مواربة :
لا يمكن بناء دولة مستقرة بوجود سلاح خارج سيطرة مؤسساتها .
ولا يمكن أن تكون هناك سيادة حقيقية إذا كانت قرارات الدولة معرضة لتأثير قوى داخلية أو خارجية .
ولا يمكن أن تكون هناك ديمقراطية حقيقية إذا كان السياسي يتحرك تحت ظل قوة مسلحة .
ولا يمكن أن يكون القانون عادلاً إذا كان تطبيقه يتوقف على هوية الشخص أو الحزب أو الجهة التي ينتمي إليها .
ومن هنا ، فإن قضية السلاح ليست قضية مذهبية ولا طائفية ؛ إنها قضية دولة .
فكما لا يجوز لأي جماعة سنية أو شيعية أو كردية أو مسيحية أو غيرها أن تمتلك قوة مسلحة خارج إطار الدولة ، فإن المبدأ يجب أن يكون واحداً على الجميع : الدولة وحدها صاحبة الحق في امتلاك السلاح وفرض القانون .

لكن المشكلة لم تتوقف عند الداخل .
فالعراق وجد نفسه ، بعد 2003 ، ساحةً مفتوحة لصراعات إقليمية ودولية ، وأصبح موقعه الجغرافي وثرواته وطبيعة نظامه السياسي عوامل جعلته عرضةً لتدخلات متعددة .
وفي مقدمة هذه التدخلات ، كان النفوذ الإيراني الذي توسع داخل مؤسسات الدولة والمشهد السياسي والأمني والاقتصادي ، مستفيداً من ضعف الدولة ومن شبكة واسعة من القوى السياسية والفصائل المسلحة المرتبطة به أو المتحالفة معه .
وهنا أيضاً يجب أن تكون الصورة دقيقة :
انتقاد النفوذ الإيراني لا يعني العداء للشعب الإيراني ، كما أن رفض تدخل أي دولة في الشأن العراقي لا يعني العداء لشعبها .
المشكلة ليست في الشعوب ، بل في سياسات الدول .
فالعراق يجب أن يكون دولة ذات سيادة ، لا ساحة نفوذ لأي دولة ، سواء كانت إيران أو الولايات المتحدة أو غيرهما .
لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو : لماذا استطاعت قوى خارجية أن تتمدد بهذا الشكل داخل العراق ؟
والجواب المؤلم هو أن التدخل الخارجي يجد طريقه دائماً عندما تكون الدولة ضعيفة ، وعندما تكون مؤسساتها مخترقة ، وعندما يصبح السياسي مرتبطاً بمصلحة حزبه أكثر من ارتباطه بمصلحة وطنه .
فالدولة القوية لا تسمح بأن تصبح عاصمتها ساحةً للصراع بين الآخرين .
والدولة القوية لا تسمح بأن تتحول حدودها إلى ممرات للسلاح .
والدولة القوية لا تسمح بأن تصبح قراراتها رهينةً لمصالح خارجية .
لكن في العراق ، أصبح المواطن يسمع خطاباً سياسياً يرفع شعار السيادة ، بينما يرى في الوقت نفسه قوى سياسية تتعامل مع الخارج باعتباره مصدراً للدعم أو الحماية أو النفوذ .
وهنا تظهر واحدة من أكبر مفارقات المشهد العراقي .

السيادة لا تُقاس بعدد الخطب التي تتحدث عنها ، بل بقدرة الدولة على اتخاذ قراراتها بنفسها .
أما أخطر الأدوات التي استخدمت في تكريس هذا الواقع ، فكانت المتاجرة بالهوية المذهبية .
لقد تم إقناع المواطن ، في مراحل مختلفة ، بأن الدفاع عن المذهب يقتضي الدفاع عن السياسي .
وأن انتقاد المسؤول يعني استهداف الطائفة .
وأن محاربة الفساد تعني استهداف المكوّن .
وأن المطالبة بحصر السلاح بيد الدولة تعني استهداف جماعة معينة .
وهكذا جرى خلط الأوراق عمداً ، حتى أصبح المواطن عاجزاً عن التمييز بين الدفاع عن الدين والدفاع عن السياسي ، وبين حماية الطائفة وحماية الفاسد .
لكن الحقيقة بسيطة :
الطائفة لا تُسرق ، الذي يُسرق هو المال العام .
المذهب لا يُحاسب ، الذي يُحاسب هو الفاسد .
الدين لا يُستهدف عندما يُطبق القانون ، وإنما الذي يتضرر هو من اعتاد الإفلات من القانون .
ولهذا فإن من يستخدم المذهب لحماية الفساد لا يحمي المذهب ، بل يسيء إليه .
ومن يستخدم الدين لحماية السلطة لا يخدم الدين ، بل يحوله إلى أداة سياسية .
ومن يستخدم الطائفة لتبرير الفشل لا يدافع عن أبناء الطائفة ، بل يستغلهم للبقاء في السلطة .

لقد آن الأوان لكي يتحرر العراقي من هذه المعادلة .
العراق ليس شيعياً ولا سنياً ولا كردياً ولا مسيحياً فقط .
العراق عراقي ، وكل هوياته الأخرى يجب أن تكون مصدر غنى وتنوع ، لا أدوات للصراع السياسي .
إن العراق الذي نريده لا يحتاج إلى زعماء طوائف ، بل إلى رجال دولة .
لا يحتاج إلى أحزاب تتقاسم مؤسسات الدولة ، بل إلى مؤسسات مستقلة .
لا يحتاج إلى سلاح متعدد الولاءات ، بل إلى جيش وقوى أمنية تحت إمرة الدولة .
لا يحتاج إلى سياسيين يحتمون بالهوية ، بل إلى مسؤولين يحتمون بالقانون .
ولا يحتاج إلى شعارات وطنية تُرفع في المناسبات ، بل إلى سيادة حقيقية تُمارس كل يوم .
إن أكبر معركة يخوضها العراق اليوم ليست مع طائفة أو مذهب أو قومية .
إنها مع منظومة سياسية كاملة جعلت من الانقسام وسيلة للبقاء ، ومن الخوف أداة للحكم ، ومن الدين غطاءً للسياسة ، ومن الدولة مصدراً للنفوذ ، ومن المال العام مجالاً للمصالح الخاصة .
وهذه المنظومة لن تسقط بمجرد تغيير الوجوه .
لأن المشكلة ليست في شخص واحد ، ولا في حزب واحد ، ولا في طائفة واحدة .
المشكلة في بنية سياسية قامت على المحاصصة ، وتغذت من الانقسام ، واستفادت من ضعف الدولة ، وتعايشت مع الفساد .

ولهذا فإن إصلاح العراق الحقيقي يحتاج إلى تغيير أعمق من تغيير الحكومات .
يحتاج إلى إعادة بناء مفهوم الدولة .
يحتاج إلى استقلال القضاء .
يحتاج إلى قانون انتخابي عادل .
يحتاج إلى مؤسسات رقابية قوية .
يحتاج إلى مكافحة حقيقية للفساد .
يحتاج إلى حصر السلاح بيد الدولة .
يحتاج إلى إنهاء المحاصصة السياسية .
ويحتاج قبل كل شيء إلى إعادة تعريف العلاقة بين المواطن والوطن .
فالمواطن ليس تابعاً لزعيم .
وليس موظفاً لدى حزب .
وليس جندياً في مشروع طائفي .
المواطن هو صاحب الحق ، والدولة هي خادمته ، والمسؤول هو موظف لديه ، والقانون هو المرجعية التي يخضع لها الجميع .
وإذا لم يدرك العراقيون هذه الحقيقة ، فستبقى البلاد تدور في الحلقة نفسها : انتخابات ، ثم محاصصة ، ثم حكومة ، ثم صراع ، ثم أزمة ، ثم شعارات طائفية ، ثم انتخابات جديدة .
وهكذا يستمر المشهد ، بينما يبقى العراق واقفاً في مكانه .

لقد حان الوقت لكي يُقال الكلام بوضوح :
من يريد حماية المذهب ، فليحمي أبناءه من الفقر والبطالة والجهل .
ومن يريد حماية الدين ، فليدافع عن العدالة والنزاهة والأمانة .
ومن يريد حماية الطائفة ، فليحمي حقوقها بالقانون لا بالسلاح .
ومن يريد حماية العراق ، فليضع العراق أولاً .
أما استخدام الدين والمذهب والطائفة لحماية السلطة والفساد ، فقد آن أوان سقوط هذه اللعبة .
فالعراق أكبر من الجميع .
والدولة أقوى من الأحزاب .
والقانون يجب أن يكون فوق الجميع .
والتاريخ ، مهما طال الزمن ، لا ينسى من بنى الأوطان ، كما لا ينسى من هدمها .
وفي النهاية ، لن يسأل التاريخ عن المذهب الذي رفعه السياسي ، بل سيسأل : ماذا فعل بالعراق ؟
هل بنى دولة ؟ أم بنى سلطة ؟
هل حفظ المال العام ؟ أم استنزفه ؟
هل وحّد العراقيين ؟ أم قسمهم ؟
هل جعل القانون فوق الجميع ؟ أم جعل نفسه فوق القانون ؟
تلك هي الأسئلة التي ستبقى مفتوحة أمام العراقيين ، وأمام التاريخ ..

زر الذهاب إلى الأعلى