نزار العوصجي: هل نحن أمام حل حقيقي أم إعادة إنتاج للأزمة؟

منذ عقود ، تواجه العديد من الدول معضلة الجماعات المسلحة التي نشأت خارج إطار المؤسسة العسكرية الرسمية ، سواء نتيجة الحروب الأهلية أو الاحتلالات أو الانقسامات السياسية أو ضعف الدولة المركزية ، ومع كل محاولة لاستعادة هيبة الدولة ، يبرز مقترح يبدو للوهلة الأولى منطقياً ومقبولاً ، وهو نزع سلاح الميليشيات ودمج عناصرها في الجيش والأجهزة الأمنية .
ويُقدَّم هذا الخيار باعتباره الطريق الأقصر لإنهاء ظاهرة السلاح المنفلت وتوحيد مراكز القوة تحت سلطة الدولة ، غير أن هذا الطرح ، رغم ما يحمله من جاذبية سياسية وإعلامية ، يثير أسئلة جوهرية حول طبيعة الدولة نفسها ، وحول ما إذا كان الدمج يؤدي فعلاً إلى إنهاء نفوذ الميليشيات ، أم إلى نقل هذا النفوذ من خارج الدولة إلى داخلها ..
الحديث عن نزع سلاح الميليشيات ودمجها في مؤسسات الدولة يضعنا أمام حقيقة ان جوهر المشكلة ليس السلاح بل السلطة ، فغالباً ما يجري اختزال أزمة الميليشيات في قضية السلاح فقط ، وكأن المشكلة تنتهي بمجرد تسليم البنادق والمدافع للدولة ، لكن التجربة أثبتت أن السلاح ليس سوى أداة ، أما جوهر الأزمة فيكمن في السلطة التي تقف خلفه .
فالميليشيات لا تكتسب خطورتها من امتلاكها السلاح فحسب ، بل من كونها تمتلك بنية تنظيمية مستقلة ، وقيادة خاصة ، ومصادر تمويل ، وشبكات نفوذ سياسي واقتصادي وأمني ، وهي غالباً ما تنشئ منظومة ولاء موازية لمنظومة الدولة ، بحيث يصبح الانتماء للجماعة أقوى من الانتماء للمؤسسة الوطنية .
ومن هنا فإن نقل أفراد هذه الجماعات إلى مؤسسات الدولة دون تفكيك تلك البنى الموازية لا يعني القضاء على المشكلة ، بل يعني منحها مساحة جديدة للحركة داخل أجهزة يفترض أنها تمثل الدولة بأكملها ..
يروج أنصار الدمج لفكرة أن الدولة ستستعيد احتكار القوة من خلال استيعاب الميليشيات ، لكن السؤال الذي نادراً ما يُطرح هو : هل يتم فعلاً سحب القوة من هذه الجماعات أم يتم إضفاء الشرعية عليها ؟
عندما يحتفظ قادة الميليشيات بنفوذهم السياسي والتنظيمي ، وعندما ينتقل مقاتلوهم إلى الأجهزة الأمنية ككتلة واحدة ، فإن ما يحدث عملياً ليس إنهاءً للقوة المسلحة ، بل تحويلها من وضع غير قانوني إلى وضع قانوني .
بمعنى آخر ، يصبح السلاح ذاته الذي كان يُوصف بأنه تهديد للدولة جزءاً من أدوات الدولة نفسها ، دون أن تكون هناك ضمانة حقيقية بأن العقلية التي استخدمته سابقاً قد تغيرت .
وهنا يكمن الخطر الأكبر : فبدلاً من أن تفرض الدولة سلطتها على الجماعات المسلحة ، قد تجد نفسها تمنح تلك الجماعات شرعية قانونية ومؤسساتية لم تكن تمتلكها من قبل ..
هناك خلط متعمد أو غير متعمد بين مفهومين مختلفين تماماً ، هما دمج الأفراد ودمج الميليشيات .
الأول هو استيعاب أفراد سابقين في جماعات مسلحة ضمن مؤسسات الدولة وفق شروط صارمة ، وبعد إخضاعهم للتدقيق الأمني والتأهيل المهني وإعادة بناء الولاءات على أسس وطنية .
أما الثاني فهو دمج الميليشيات ككيانات قائمة ، بما تحمله من قيادات وعلاقات ونفوذ وهياكل تنظيمية .
الأول قد يكون جزءاً من عملية بناء الدولة إذا تم ضمن إطار قانوني ومؤسساتي واضح .
أما الثاني فيمثل خطراً حقيقياً ، لأنه يحافظ على البنية الميليشياوية ويمنحها غطاءً رسمياً .
فالدولة لا تستوعب تنظيماً موازياً لها ؛ بل تشترط على كل من ينضم إليها أن يتخلى بالكامل عن أي ولاء أو ارتباط خارج إطارها ..
تاريخياً ، أظهرت العديد من التجارب أن دمج الجماعات المسلحة دون تفكيكها يؤدي إلى نتائج معاكسة لما كان مأمولاً ، حيث تتحول الدولة إلى رهينة .
فبدلاً من بناء مؤسسة وطنية موحدة ، تنشأ داخل أجهزة الدولة مراكز قوى متعددة تتنافس فيما بينها ، ويصبح القرار الأمني والعسكري خاضعاً لتوازنات الجماعات والنفوذ السياسي أكثر من خضوعه للقانون أو المصلحة الوطنية .
وفي هذه الحالة لا تعود الدولة صاحبة القرار ، بل تتحول إلى ساحة تتصارع داخلها القوى التي كان يفترض إخضاعها لسلطتها .
والأخطر أن أي محاولة لاحقة لإصلاح المؤسسة أو محاسبة المتورطين في الانتهاكات تصبح أكثر تعقيداً ، لأن هؤلاء لم يعودوا يعملون خارج الدولة ، بل أصبحوا جزءاً من بنيتها الرسمية .
فغياب العدالة وإعادة إنتاج الإفلات من العقاب يعد من أخطر الآثار المترتبة على الدمج غير المشروط ، لأنه قد يؤدي إلى طي صفحة الانتهاكات السابقة دون محاسبة .
فالجماعات المسلحة المتهمة بارتكاب جرائم أو تجاوزات ضد المواطنين قد تنتقل مباشرة إلى مواقع رسمية دون المرور بمسار عدالة حقيقي .
وهكذا يتحول الدمج إلى مكافأة سياسية بدلاً من أن يكون جزءاً من عملية إصلاح ..
عندما يرى المواطن أن من حمل السلاح خارج القانون يحصل على رتبة رسمية ونفوذ أكبر ، بينما لا تتم محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات ، فإن الثقة بالدولة ومؤسساتها تتعرض لضرر عميق ، فالعدالة ليست تفصيلاً ثانوياً في بناء الدول ، بل هي أحد شروط شرعيتها الأساسية ، والدولة لا تُبنى بالمساومات .
إن بناء الدولة الحديثة يقوم على مبدأ بسيط وواضح ، وجود سلطة واحدة تحتكر استخدام القوة وفق القانون ، وتخضع للمساءلة أمام المؤسسات الدستورية والشعب .
أما عندما تصبح مؤسسات الدولة نتاج مساومات بين مراكز القوى المسلحة ، فإنها تفقد تدريجياً قدرتها على تمثيل المصلحة العامة .
فالدولة ليست مجرد مبانٍ وموازنات ورواتب ، بل هي منظومة قانونية وأخلاقية تقوم على المساواة بين المواطنين وعلى احتكار شرعي ومنضبط للقوة .
وأي تسوية تسمح ببقاء الولاءات الموازية داخل المؤسسة الرسمية لا تؤسس لدولة قوية ، بل لدولة هشة تحمل بذور أزمتها المستقبلية في داخلها ..
ما الحل الحقيقي ؟
الحل لا يكمن في مجرد جمع السلاح أو تغيير الزي العسكري ، بل في مشروع متكامل لإعادة بناء الدولة .
ويشمل ذلك تفكيك البنى المسلحة الموازية ، وإخضاع جميع الأفراد لمعايير مهنية موحدة ، ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم والانتهاكات ، وضمان أن يكون الولاء للدستور والقانون وحدهما .
فالدولة لا تستعيد هيبتها عندما تستوعب الميليشيات كما هي ، بل عندما تحول المواطنين إلى أفراد متساوين أمام القانون ، وتمنع أي جهة من امتلاك سلطة أو سلاح أو نفوذ خارج مؤسساتها الشرعية .
ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس : كيف ندمج الميليشيات ؟
بل : كيف نبني دولة لا تستطيع أي ميليشيا أن تحل محلها أو تنازعها سلطتها ؟
وهذا هو الفرق بين مشروع يهدف إلى إدارة الأزمة ، ومشروع يسعى فعلاً إلى إنهائها ..
