كشف المستورموضوعات رئيسية

إيران تحقق في اختفاء 1.6 مليار دولار من عائدات النفط عبر شبكة سرية لتجاوز العقوبات

يورو تايمز – فتحت السلطات الإيرانية تحقيقات في اتهامات تتعلق بعدم إعادة ما لا يقل عن 1.6 مليار دولار من عائدات النفط إلى خزينة الدولة، بعدما مرت الأموال عبر شبكة سرية من الوسطاء تستخدمها طهران لتحصيل إيرادات صادراتها بعيدًا عن النظام المالي الدولي الخاضع للعقوبات.

وبحسب تقرير نشره موقع Newsmax، أعادت القضية تسليط الضوء على الآليات المالية المعقدة التي بنتها إيران خلال سنوات العقوبات، ولا سيما اعتمادها على شركات وأفراد يعملون كوسطاء ماليين لاستلام عائدات مبيعات النفط الإيراني وتحويلها إلى طهران خارج القنوات المصرفية التقليدية.

ويُعرف هؤلاء الوسطاء في التقارير المتعلقة بالشبكة الإيرانية باسم Trustees أو Trusties، ويمكن وصفهم بـ«الأمناء» أو «الوسطاء الموثوقين». وتقوم مهمتهم على استلام الأموال الناتجة عن بيع النفط والمنتجات الإيرانية في الخارج ثم تحويلها أو استخدامها لمصلحة الدولة الإيرانية، في ظل القيود المفروضة على تعامل البنوك الإيرانية مع النظام المالي العالمي.

لكن هذه الآلية، التي صُممت أساسًا لمساعدة طهران على الالتفاف على العقوبات، تحولت وفق الاتهامات الأخيرة إلى مصدر لخسائر مالية ضخمة، بعدما اتُّهم عدد من هؤلاء الوسطاء بعدم إعادة الأموال التي كانت في حوزتهم.

59 قضية جنائية و15 فارًا

وأشار التقرير إلى معلومات كانت قد نشرتها إيران إنترناشونال في يوليو، تفيد بأن مسؤولين إيرانيين كبارًا أقروا بأن وسطاء في هذه الشبكة استولوا، وفق الاتهامات، على ما لا يقل عن 1.6 مليار دولار، فيما غادر بعض المتهمين إيران.

ومن أبرز ما كشف عنه التحقيق تصريح ذبيح الله خدائيان، رئيس منظمة التفتيش العامة الإيرانية، الذي قال للتلفزيون الرسمي إن وسيطًا واحدًا لم يُعد نحو 200 مليون دولار قبل أن يغادر البلاد.

وتشير المعلومات الواردة في التقرير إلى أن السلطات الإيرانية فتحت 59 قضية جنائية مرتبطة بمديري شركات تعمل ضمن نظام الوسطاء، فيما طلب الادعاء الإيراني إصدار نشرات حمراء من الإنتربول بحق 15 شخصًا فارًا.

وأثارت القضية تساؤلات داخل الأوساط الاقتصادية الإيرانية حول الطريقة التي جرى بها اختيار الأشخاص والشركات المكلفة بإدارة مبالغ مالية بهذا الحجم، وحول الجهات التي ضمنت هؤلاء الوسطاء وآليات الرقابة المفروضة عليهم.

ونقل التقرير عن مجيد رضا حريري، رئيس غرفة التجارة الإيرانية الصينية، تساؤله عن الجهة التي قدمت هؤلاء الوسطاء ومن ضمنهم، ولماذا لا تتم محاسبة الجهات أو الأشخاص الذين وقفوا وراءهم.

وذهب حريري إلى أبعد من رقم 1.6 مليار دولار، متحدثًا عن فرار وسطاء بما وصفه بأنه «مليارات الدولارات» من الثروة الوطنية الإيرانية، وهو تقدير أوسع من المبلغ المحدد في التحقيقات المعلنة.

لماذا تستخدم إيران شبكة الوسطاء؟

تعود جذور المشكلة إلى العقوبات التي حدّت من قدرة البنوك الإيرانية على استخدام النظام المالي الدولي بصورة طبيعية. ولمواجهة هذه القيود، وسعت طهران اعتمادها على شبكة من الوسطاء والشركات الواجهة والقنوات المالية الخارجية، بحيث يمكن بيع النفط الإيراني في الخارج وتحصيل قيمته من دون المرور مباشرة بالمؤسسات المالية الإيرانية الخاضعة للعقوبات.

وتؤكد وزارة الخزانة الأميركية منذ سنوات أن تجارة النفط الإيرانية تعتمد على مجموعة واسعة من الشركات الواجهة والوسطاء وشبكات الشحن والتمويل التي تسمح لطهران بمواصلة تحقيق إيرادات من صادراتها رغم العقوبات.

وتشير بيانات أميركية منفصلة إلى أن الصين ظلت السوق الأهم للنفط الإيراني؛ وقد قُدرت قيمة صادرات الخام الإيراني غير المعلنة إلى الصين وحدها بنحو 31.2 مليار دولار خلال عام 2025، فيما تشير التقديرات إلى أن الصين اشترت في ذلك العام قرابة 1.4 مليون برميل يوميًا من النفط الإيراني.

واشنطن تستهدف الشبكات المالية

واستعاد تقرير Newsmax تصريحات لوزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت تعهد فيها بمواصلة زيادة الضغط على مبيعات النفط الإيراني بهدف تقليص الموارد المالية المتاحة للحكومة الإيرانية وقواتها المسلحة.

وقال بيسنت في تصريحات تعود إلى مايو إن وزارة الخزانة ستواصل الضغط على مبيعات النفط الإيرانية لمنع النظام الإيراني وجيشه من الحصول على الموارد المالية التي، بحسب الموقف الأميركي، يمكن استخدامها ضد حلفاء وشركاء الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، مضيفًا أن واشنطن لن تسمح للحكومة الإيرانية بزيادة عائداتها النفطية بهدف إعادة بناء قدراتها العسكرية.

1.6 مليار دولار ليست بالضرورة الرقم النهائي

ويلفت التقرير إلى أن مبلغ 1.6 مليار دولار يمثل قيمة الأموال موضوع الاتهامات والتحقيقات المعروفة حاليًا، وليس بالضرورة حسابًا نهائيًا لكل الأموال المفقودة داخل منظومة الوسطاء. وحتى الآن لم تنشر السلطات الإيرانية كشفًا ماليًا عامًا وكاملًا يحدد الحجم النهائي للأموال التي لم تعد إلى الدولة، أو جميع الأشخاص والشركات المسؤولين عنها.

وتبقى قضية الـ1.6 مليار دولار قيد التحقيق، بينما تتحدث شخصيات اقتصادية إيرانية عن مبالغ أكبر بكثير. وذكرت تقارير أخرى أن المشكلة قد تكون أوسع، وأن وسطاء يستخدمون في بيع النفط والصلب والبتروكيماويات وغيرها من المنتجات الإيرانية في الخارج لم يعيدوا عائدات تقدر إجمالًا بأكثر من 11 مليار دولار. وهذا الرقم أوسع من القضية المحددة التي تناولها Newsmax، ولذلك لا ينبغي الخلط بين الرقمين.

اعتقال وسيط متهم بأكثر من 300 مليون يورو

وتشير تطورات الملف إلى استمرار السلطات الإيرانية في ملاحقة المتهمين المرتبطين بنظام الوسطاء. ففي أغسطس أُلقي القبض على وسيط مزعوم متهم بديون مصرفية تزيد على 300 مليون يورو، أي ما يعادل نحو 350 مليون دولار.

ووصف خدائيان تصرفات بعض هؤلاء الوسطاء بأنها «خيانة» للبلاد، في إشارة إلى حساسية القضية داخل إيران، خصوصًا في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة والحاجة المتزايدة إلى العملة الأجنبية.

مفارقة شبكة الالتفاف على العقوبات

وتكشف القضية عن مفارقة تواجه طهران: فشبكة الوسطاء التي ساعدتها على الاستمرار في بيع النفط والسلع الأخرى رغم القيود المالية الغربية جعلت في الوقت نفسه مبالغ ضخمة من الأموال الإيرانية تعتمد على شركات وأفراد يعملون خارج القنوات المصرفية المعتادة، ما يصعّب إخضاع حركة الأموال للرقابة التقليدية نفسها التي يمكن تطبيقها عندما تمر الإيرادات مباشرة عبر المصارف والمؤسسات الحكومية.

ويكتسب الملف أهمية إضافية لأن الصين تمثل السوق الرئيسية للخام الإيراني، بينما استخدمت التجارة الإيرانية ترتيبات مالية وشركات وسيطة وقنوات باليوان لتقليل الاعتماد على النظام المالي القائم على الدولار.

اقرأ أيضًا:

واشنطن توسع حربها المالية على إيران.. مؤسسات عالمية تتلقى معلومات لتعقب شبكات تمويل طهران

وول ستريت جورنال: خطة إيران لتجاوز حصار هرمز برًا تصطدم بالحدود والكلفة والبنية التحتية

زر الذهاب إلى الأعلى