آراء

نزار العوصجي: الممرات البحرية الدولية ليست ملكًا لأحد، بل مسؤولية أمام العالم

هنالك من يرفع شعار الالتزام بالدين، لكنه حين تتعارض إرادة الله مع مصالحه أو أهوائه أو انتماءاته، يتنكر لها.
فالإيمان الحقيقي لا يُقاس بكثرة الشعارات، ولا بالمظاهر، بل بصدق الامتثال لقيم العدل والحق والرحمة التي يدعو إليها الدين.
أما أن ينتقي الإنسان من النصوص ما يخدم مصالحه، ويتجاهل ما يخالف رغباته، فذلك يوقعه في تناقض بين ما يعلنه من إيمان وما يمارسه من سلوك.
لقد حذرت الأديان من تحويل الدين إلى وسيلة لتبرير الهوى أو تحقيق المكاسب الشخصية، لأن جوهر التدين هو إخلاص النية والخضوع للحق، لا إخضاع الحق للأهواء.
ومن هنا، فإن المشكلة ليست في الدين، بل في من يوظف الدين لخدمة أهدافه، ثم يزعم أنه يتحدث باسم إرادة الله، بينما تكون أفعاله مناقضة للقيم التي أمر الله بها من عدل وأمانة ورحمة واحترام لحقوق الناس.

لقد خلق الله الأرض بما فيها من بحار وأنهار ومحيطات ومضائق لتكون سبيلًا للتواصل بين الأمم، لا وسيلةً لابتزازها أو تجويعها أو تهديد أمنها. ومنذ أن عرف الإنسان التجارة البحرية، أصبحت الممرات المائية شرايين للحياة، تنقل الغذاء والدواء والطاقة والمعرفة، وتربط بين الشعوب والحضارات.
واليوم، يمر جزء كبير من التجارة العالمية عبر ممرات بحرية استراتيجية، مثل مضيق هرمز ومضيق باب المندب وقناة السويس. وهذه الممرات ليست مجرد مواقع جغرافية، بل عناصر أساسية في استقرار الاقتصاد العالمي، وأي اضطراب فيها ينعكس على أسعار النفط والسلع، وتكاليف النقل، وسلاسل الإمداد، وحتى الأمن الغذائي لملايين البشر.
من هذا المنطلق، فإن تحويل هذه الممرات إلى أدوات للضغط السياسي أو العسكري يثير إشكالات أخلاقية وقانونية عميقة. فحين تُهدَّد السفن التجارية، أو تتعرض الملاحة المدنية للخطر، فإن المتضرر لا يكون دولةً واحدة أو طرفًا سياسيًا بعينه، بل يمتد الضرر إلى دول وشعوب لا علاقة لها بالنزاع.

لقد أقر القانون الدولي قواعد لتنظيم المرور في المضائق الدولية، انطلاقًا من مبدأ أن حرية الملاحة ليست امتيازًا تمنحه دولة، وإنما مصلحة مشتركة للمجتمع الدولي. وهذا لا ينفي حقوق الدول الساحلية وسيادتها، لكنه يضع تلك الحقوق ضمن إطار من المسؤولية، بحيث لا تتحول إلى وسيلة لشل التجارة العالمية أو تهديد الأمن الإقليمي.
ومن الناحية الأخلاقية، فإن استخدام الممرات البحرية كورقة مساومة يطرح سؤالًا جوهريًا: هل يجوز تحميل ملايين الأبرياء حول العالم تبعات نزاعات سياسية أو عسكرية لا يد لهم فيها؟ إن المبادئ الإنسانية والقيم الأخلاقية تميل إلى رفض هذا المنطق، لأن العقاب الجماعي لا ينسجم مع العدالة، ولا يسهم في تحقيق السلام.

لقد أثبت التاريخ أن أمن البحار ليس قضية تخص الدول المطلة عليها فقط، بل هو مسؤولية جماعية. فاستقرار التجارة الدولية لا يخدم الاقتصادات الكبرى وحدها، وإنما يحمي أيضًا الدول النامية التي تعتمد على الاستيراد، ويضمن استمرار تدفق الغذاء والدواء والطاقة إلى الأسواق العالمية.
ومن هنا، فإن أي جهة—سواء كانت دولة أو جماعة مسلحة—تختار تهديد الممرات البحرية الدولية، تعرض نفسها لانتقادات سياسية وقانونية وأخلاقية واسعة، لأن هذه الأفعال تتجاوز حدود النزاع المحلي لتؤثر في مصالح الإنسانية جمعاء.
إن احترام حرية الملاحة لا يعني الانحياز إلى طرف سياسي، بل يعني الانحياز إلى مبدأ يحمي الاستقرار العالمي. فالبحار، وإن كانت تقع ضمن خرائط وحدود وسيادات، تبقى في جوهرها جسورًا بين الشعوب، لا ينبغي أن تتحول إلى ساحات لفرض الإرادة أو معاقبة العالم.
وفي عالم تتشابك فيه المصالح الاقتصادية والإنسانية أكثر من أي وقت مضى، يصبح الحفاظ على أمن الممرات البحرية واجبًا أخلاقيًا قبل أن يكون التزامًا قانونيًا، لأن استقرار هذه الممرات هو استقرار للاقتصاد العالمي، ولحياة مليارات البشر الذين يعتمدون عليها بصورة مباشرة أو غير مباشرة.

في عالم اليوم، لم تعد الحروب تُخاض بالدبابات والصواريخ وحدها، بل أصبحت الممرات البحرية إحدى أخطر أدوات الصراع. فحين تُهدَّد حرية الملاحة في مضيق هرمز أو مضيق باب المندب، فإن الرسالة لا تصل إلى دولة بعينها، بل إلى العالم بأسره.
هذه المضائق ليست ملكًا لدولة، ولا لجماعة مسلحة، ولا لنظام سياسي. صحيح أن الجغرافيا منحت بعض الدول موقعًا استراتيجيًا على هذه الممرات، إلا أن القانون الدولي وضع هذا الامتياز ضمن إطار من المسؤولية، لا ضمن إطار الهيمنة أو الابتزاز.
إن ملايين براميل النفط، وآلاف السفن التجارية، وكميات هائلة من الغذاء والدواء والمواد الأولية تعبر هذه الممرات يوميًا. ولذلك، فإن أي تهديد لها لا يُعد مجرد ورقة ضغط سياسية، بل هو تهديد لاستقرار الاقتصاد العالمي بأسره.
ولعل أخطر ما في الأمر أن بعض الأنظمة أو الجماعات تتعامل مع هذه الممرات وكأنها أدوات تفاوض أو وسائل ردع. وعندما تُستهدف سفينة تجارية، أو تُطلق التهديدات بإغلاق مضيق دولي، فإن المتضرر الأول ليس الخصم السياسي فقط، بل ملايين البشر الذين سيدفعون ثمن ارتفاع أسعار الوقود، وتعطل سلاسل الإمداد، وزيادة تكاليف المعيشة.

قد تبرر بعض الأطراف هذه الأفعال بأنها رد على ضغوط أو عقوبات أو عمليات عسكرية. غير أن القانون الدولي، كما أن المبادئ الأخلاقية، يميزان بين مواجهة الخصوم العسكريين وبين تعريض الملاحة المدنية والمصالح الاقتصادية العالمية للخطر. فلا يمكن أن يصبح الاقتصاد العالمي رهينة لنزاع إقليمي، ولا أن تتحول طرق التجارة إلى ساحات للابتزاز السياسي.
لقد أثبت التاريخ أن استقرار البحار هو أحد أعمدة الاستقرار الدولي. وكلما تعرضت الممرات البحرية للتهديد، انعكس ذلك على الأسواق العالمية، وارتفعت تكاليف النقل والتأمين، واضطربت التجارة، وازدادت معاناة الشعوب، ولا سيما في الدول الفقيرة التي تعتمد على الاستيراد.
إن قوة الدول لا تُقاس بقدرتها على تعطيل حركة العالم، وإنما بقدرتها على حماية الأمن والاستقرار واحترام القانون الدولي. أما تحويل الموقع الجغرافي إلى وسيلة للضغط المستمر، فهو نهج يحمل في طياته مخاطر التصعيد، ويقوض الثقة بين الدول، ويضر بمصالح الجميع.
إن المجتمع الدولي مطالب بألا يسمح بتحويل الممرات البحرية إلى رهائن للصراعات السياسية. فحرية الملاحة ليست منحة من أحد، بل هي ركيزة للاستقرار العالمي، وحمايتها مسؤولية مشتركة تقع على عاتق جميع الدول.

لقد خلق الله البحار لتصل بين الأمم، لا لتفصل بينها. وجعلها طريقًا للتبادل والتعاون والازدهار، لا وسيلةً لإخضاع الشعوب أو فرض الإرادات السياسية. ومن هنا، فإن احترام حرية الملاحة ليس مجرد التزام قانوني، بل هو التزام أخلاقي وإنساني يعكس احترام مصالح البشرية جمعاء.
وإذا كان العالم يقبل بأن تكون للدول سيادة على حدودها، فإنه لا ينبغي أن يقبل بأن تتحول الممرات البحرية الدولية إلى أدوات تهدد أمن الاقتصاد العالمي أو تُستخدم لمعاقبة شعوب لا علاقة لها بالنزاعات. فحين تصبح البحار رهائن، يصبح العالم كله رهينة معها..

زر الذهاب إلى الأعلى