نزار العوصجي: شهداء الغربة.. حين يصبح المنفى مقبرة للأحلام قبل الأجساد

لم يعد الموت في الغربة حادثة عابرة بالنسبة للعراقيين ، بل تحول إلى فصلٍ متكرر من فصول المأساة العراقية المستمرة منذ سنوات طويلة ، فخلف كل نعش يدفن في المنفى ، أو خلف كل خبر وفاة لمغترب عراقي بعيدًا عن أهله ، تختبئ حكاية وطنٍ فشل في احتضان أبنائه ، وتركهم يواجهون العالم وحدهم تحت ضغط الحاجة والخوف والضياع .
العراقي الذي يغادر وطنه لا يرحل لأنه لا يحب العراق ، بل لأنه يصل إلى مرحلة يشعر فيها أن الحياة داخله أصبحت مستحيلة نتيجة الاستهداف الممنهج .
فسنوات الحروب والفساد والانقسامات والولاءات الخارجية والتهديد صنعت واقعًا خانقًا دفع الملايين إلى الهجرة مرغمين ، حتى أصبح المنفى بالنسبة لكثيرين الخيار الوحيد للنجاة ، وهكذا تحولت المطارات إلى محطات وداع حزينة ، وغدت الغربة قدرًا ثقيلًا لجيلٍ كامل وُلد على الأزمات وكبر وسط خيبات الأمل بغدًا مشرق ..
الغربة العراقية ليست كأي غربة ، فالعراقي يحمل وطنه معه أينما ذهب ، يحمله في لهجته ، وفي ذاكرته ، وفي تفاصيله اليومية الصغيرة ، يراقب أخبار العراق حتى وهو على بعد آلاف الكيلومترات ، ويشعر أن قلبه ما زال هناك ، في الأزقة القديمة ، وعلى ضفاف دجلة والفرات ، وبين الوجوه التي تركها خلفه مرغَمًا .
ورغم قسوة الغربة ، تحمل العراقيون سنوات التعب بصمت ، عملوا في المهن المرهقة للذهن قبل الجسد ، وتحملوا الضغوط النفسية والوحدة وضغط الحياة ، فقط ليؤمنوا مستقبلًا أفضل لعائلاتهم ، أو ليعيشوا بكرامة حُرموا منها في وطنهم ، لكن كثيرين منهم دفعوا الثمن من صحتهم وأعمارهم وحتى أرواحهم .
ماتوا غرباء ، بعضهم أنهكه التعب ، وبعضهم سحقه الضغط النفسي ، وآخرون رحلوا بحوادث أو أمراض بينما كانت قلوبهم معلقة بحلم العودة ..
المؤلم في الأمر أن أغلب هؤلاء لم يكونوا يحلمون بالثراء أو النفوذ ، بل كانوا يبحثون عن أبسط حقوق الإنسان : الأمان ، والاستقرار ، وفرصة حياة طبيعية ، لكن العراق الذي كان يومًا أرض الحضارة ، تحول بفعل الفساد والعمالة والصراعات السياسية إلى وطنٍ طارد لأبنائه .
لقد دفعت العمالة السياسية والانقسامات الداخلية بالعراق نحو الانهيار التدريجي ، فبدل أن تُبنى دولة تحمي أبناءها وتوفر لهم مستقبلاً كريمًا ، وجد العراقي نفسه محاصرًا بالأزمات والبطالة والخوف والفساد ، وأمام هذا الواقع ، لم يكن الهروب إلى الخارج رفاهية ، بل محاولة يائسة للنجاة من وطنٍ يتآكل من الداخل ..
ومع مرور الوقت ، بدأت المأساة تأخذ شكلًا أكثر قسوة ، فالمغترب العراقي لم يعد فقط يعيش ألم البعد ، بل أصبح يعيش خوف النهاية بعيدًا عن أهله .
كثيرون ماتوا دون أن يتمكنوا من رؤية أمهاتهم مرة أخيرة ، ودون أن يحققوا حلم العودة الذي عاشوا سنوات ينتظرونه ، بعضهم عاد إلى العراق داخل توابيت ، وبعضهم دُفن في أرضٍ غريبة لا تشبهه ، بينما بقيت أمهاتهم تبكي عند أبواب البيوت التي كانت تنتظر رجوعهم .
إن شهداء الغربة العراقيين ليسوا مجرد ضحايا ظروف شخصية ، بل هم ضحايا وطنٍ أُنهك بالخيانة وسوء الإدارة والفساد ، ضحايا مرحلة كاملة دفعت الإنسان العراقي إلى أن يشعر بالغربة داخل بلده وخارجه في آنٍ واحد .
والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم : كم عراقياً كان يمكن أن يبقى حيًا بين أهله لو أن الوطن احتضنه بدل أن يدفعه إلى المنافي ؟
وكم شابًا كان يمكن أن يبني مستقبله داخل العراق لو توفرت له أبسط مقومات الحياة ؟
إن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي بلد ليس الحرب وحدها ، بل أن يفقد أبناؤه الأمل فيه ، وحين يصبح الموت في الغربة أكثر حضورًا من الحياة داخل الوطن ، فهذه ليست أزمة أفراد ، بل أزمة وطن بأكمله .
ورغم كل ذلك ، ما زال العراقيون يحملون العراق في قلوبهم ، فحب الوطن بالنسبة لهم لم يكن يومًا مرتبطًا بالسياسيين أو الحكومات ، بل بالأرض والذكريات والناس البسطاء الذين يشبهونهم ، ولهذا بقي العراق حيًا في أرواحهم حتى وهم يموتون بعيدًا عنه .
من غادرنا في ديار الغربة “نحسبه شهيدًا عند الله ولا نزكّي على الله أحدًا” دعاءٌ حسنٌ فيه رجاء ورحمة .
رحم الله شهداء العراق رحمةً واسعة ، وغفر لهم وأسكنهم فسيح جناته ، وتقبّلهم مع الشهداء والصالحين .
سلامٌ على شهداء الغربة العراقيين ، على الذين أكلت المنافي أعمارهم ، وعلى الذين رحلوا وهم يحلمون فقط بوطنٍ لا يخذل أبناءه .
وسلامٌ على العراق الذي يستحق أن يعود وطنًا للحياة ، لا محطةً لإنتاج الغربة والفقد والحنين ..
يا طارق البابِ رفقاً حين تطرقهُ ..
فإنَّه لم يعد في الدار أصحابُ ..
تفرقوا في دروبِ الأرض و انتثروا ..
كأنَّه لم يكن فيها إنسٌ وأحبابُ ..
و لترحم الدار ، لا توقظ مواجعها ..
للدور روحٌ ، كما للناس أرواحُ ..
