نزار العوصجي: أسطورة الحياد المقدّس

بعيدًا عن المجاملات ..
العُمانيون اليوم لا يواجهون أزمة غضب بقدر ما يواجهون أزمة سقوط صورة كاملة جرى تسويقها لعقود تحت عنوان “الحكمة العُمانية” و”دبلوماسية الحياد”، فالمشكلة الحقيقية لم تكن في تهديد ترامب بحد ذاته ، بل في الانكشاف السياسي المدوي أمام العالم ، بعدما تبيّن أن كل هذا الإرث الدعائي لم يمنح السلطنة حصانة حقيقية لا من الضغوط الأمريكية ولا من الابتزاز الإيراني .
لسنوات طويلة ، قُدّمت عُمان باعتبارها “صوت العقل” في الخليج ، وروّجت لنفسها كدولة فوق الاستقطابات ، تمارس سياسة متوازنة وتحافظ على مسافة واحدة من الجميع ، لكن الواقع الذي تكشف اليوم يقول إن هذه السردية لم تكن سوى غطاء سياسي ناعم للتعايش مع التمدد الإيراني ، والصمت عن سياساته العدائية التي أحرقت المنطقة وأغرقتها بالفوضى ، بل وامتدت آثارها إلى الداخل الخليجي نفسه .
وهنا جاء ترامب ليهدم هذه الصورة بجملة واحدة ، نسف بها أسطورة “الحياد المقدّس”، وأسقط البرج العاجي الذي احتمت به الدبلوماسية العُمانية طويلًا ، فحين تُسوَّق الحكمة باعتبارها ضمانة للأمن والسيادة ، ثم تجد الدولة نفسها تحت التهديد الأمريكي المباشر ، فهذا ليس نجاحًا دبلوماسيًا ، بل فشل استراتيجي مكشوف .
الأخطر أن الأزمة لم تعد مرتبطة فقط بعلاقة عُمان بإيران ، بل بطبيعة التموضع السياسي الذي اختارته السلطنة خلال السنوات الأخيرة ، فالمؤشرات لا تقول إن مسقط أصبحت ضمن المحور الروسي –الصيني بشكل كامل ، لكنها بالتأكيد بدت أقرب إلى التحالف النيوليبرالي المرتبط بالحزب الديمقراطي الأمريكي ، والمتقاطع سياسيًا مع مشروع احتواء إيران لا مواجهتها ، وهذا ما يفسر حالة الإحباط والغضب المتصاعدة داخل الشارع الخليجي تجاه المواقف العُمانية ، خاصة مع الاصطفاف الإعلامي الواضح من منصات غربية مثل CNN للدفاع عن هذا الخط السياسي ..
أما جوهر التهديد الأمريكي ، فيتعلق بمضيق هرمز ، شريان الطاقة الأخطر في العالم ، فواشنطن تنظر بقلق بالغ إلى تنامي استخدام اليوان الصيني والمنظومات المالية البديلة المرتبطة ببكين وطهران ، مثل Kunlun Bank ونظام CIPS والعملات المشفرة ، في المعاملات البحرية المرتبطة بالمضيق ، فبالنسبة للأمريكيين ، المسألة لم تعد اقتصادية فقط ، بل تحوّلت إلى معركة سيادة ونفوذ على أهم ممر استراتيجي عالمي .
التقديرات داخل واشنطن تشير إلى أن عُمان وإيران كانتا تدرسان بجدية سيناريو فرض رسوم أو ترتيبات مالية جديدة على الملاحة في المضيق ، وهو ما تعتبره الولايات المتحدة تجاوزًا خطيرًا لقواعد حرية الملاحة الدولية ، وإذا صحّ ذلك ، فإن العالم كان على وشك الانتقال من نظام “العبور الحر” إلى نموذج تتحكم فيه قوى إقليمية مدعومة صينيًا بواحد من أهم شرايين الاقتصاد العالمي ..
الخطورة هنا لا تتعلق بإيران وحدها ، بل بإعادة تشكيل النظام البحري العالمي نفسه ، فإذا نجحت طهران ، عبر الغطاء العُماني أو التفاهم معه ، في تحويل مضيق هرمز إلى ورقة جباية سياسية واقتصادية ، فإن ذلك سيخلق سابقة خطيرة تهدد مفهوم حرية البحار الذي قامت عليه التجارة الدولية لعقود .
وتزداد حساسية الملف بسبب الحقيقة الجغرافية التي كثيرًا ما يتم تجاهلها : أعمق الممرات الصالحة لعبور ناقلات النفط العملاقة تقع فعليًا داخل الجانب العُماني من المضيق ، وتحديدًا قرب مسندم ، كما أن اتفاقية 1974 منحت السلطنة دورًا حاسمًا في إدارة ممرات الدخول والخروج البحرية ، وهو ما جعلها تاريخيًا عنصر توازن يحمي الملاحة الدولية من النزعات الإيرانية ، لكن السؤال الذي يُطرح اليوم بقوة :
هل بقيت عُمان فعلًا في موقع “الحارس المحايد”، أم أنها بدأت تتحول تدريجيًا إلى شريك صامت في مشروع إعادة تشكيل موازين النفوذ داخل مضيق هرمز ؟؟
هل انتهت صلاحية الحياد العُماني ؟؟
