آراء

نزار العوصجي: ما كُلُّ ما يَتَمَنّى المَرءُ يُدرِكُهُ

في زحام هذا العالم المضطرب ، حيث تتشابك المصالح وتتعالى الأصوات ، يبقى صوت الشعوب ، رغم عمقه ، مبحوحًا ، كأنّه صدى بعيد لا يجد من يُنصت إليه .
وهنا يتسلّل السؤال ، ثقيلًا كالغيم قبل العاصفة : إلى متى ستظل مصالح السياسيين تعلو فوق نبض الشعوب وآمالها ؟
كأنّ السياسة ، في كثير من وجوهها ، لم تعد مرآةً تعكس وجوه الناس ، بل ستارًا كثيفًا يحجب معاناتهم .
يتقدّم بعض الساسة بخطى حثيثة ومتسارعة نحو كراسي الحكم ، حاملين وعودًا برّاقة ، لكن ما إن تستقر بهم المقاعد ، حتى تتبدّل اللغة ، وتخفت العهود ، ويعلو صوت المصالح الضيقة على همس الجماهير .
إن العلاقة بين الحاكم والمحكوم ليست معادلة قوة ، بل عهدٌ أخلاقي يقوم على الثقة والمسؤولية .
فإذا اختلّ هذا التوازن ، تحوّلت السياسة من فنٍّ لخدمة الإنسان إلى عبءٍ يثقل كاهله .
أما السياسيون الذين ينسجون قراراتهم على مقاس مصالحهم ، فهم كمن يبني قصرًا على رمالٍ متحرّكة .
قد يبدو البناء شامخًا في لحظته ، لكنه مهدّدٌ بالانهيار عند أول مواجهة مع حقيقة الإرادة الشعبية ، تلك القوة التي لا تُرى ، لكنها قادرة على تغيير مجرى التاريخ ..

لطالما راودت ملايين الإيرانيين حول العالم آمالٌ عريضة بإنهاء حقبة الملالي وتغيير النظام الإيراني ، آمالٌ بُنيت على عقود من المعاناة والقيود السياسية والاقتصادية ، وعلى تطلعاتٍ نحو دولة أكثر انفتاحًا وعدالة .
هذه الرغبة ليست مجرد حلم عابر ، بل هي تعبير عن إرادة شعبٍ يتوق إلى حياةٍ أكثر كرامة واستقرارًا .
ولم تقتصر هذه الآمال على الإيرانيين فحسب ، بل امتدت لتشمل الكثير من شعوب دول المنطقة والخليج العربي ، التي رأت في تغيير هذا الواقع مدخلًا لتحقيق توازن إقليمي أكثر استقرارًا ، والحد من التوترات التي أثّرت على الأمن والتنمية في المنطقة بأسرها ، في الوقت الذي تتطلع فيه إلى تغيير الواقع المزري الذي يخيم عليها ..

وحين نتحدث عن العراق ، نجد أن الآمال باتت معلّقة ، حيث إن غالبية فئات الشعب تتطلع إلى واقعٍ سياسي مختلف ، ينهي حالة الفوضى وعدم الاستقرار التي أعقبت الغزو الغاشم عام 2003 ، ويضع حدًا لنفوذ الميليشيات المرتبطة بالنظام الإيراني ، تلك التي أثّرت بشكل مباشر على سيادة الدولة وأضعفت مؤسساتها .
كان الأمل معقودًا على بناء دولة قوية تحتكم إلى القانون ، وتلبّي تطلعات مواطنيها بعيدًا عن التدخلات الخارجية .
أما في لبنان ، فقد تعاظمت تطلعات المواطنين نحو استعادة سيادة الدولة ، وإنهاء مظاهر الانقسام والتأثيرات الخارجية ، وسطوة حزب الله التي أرهقت البلاد سياسيًا واقتصاديًا .
كان الحلم بدولةٍ موحّدة ، قادرة على اتخاذ قرارها الوطني المستقل ، حاضرًا بقوة في وجدان الكثيرين ، خاصة في ظل الأزمات المتلاحقة التي عصفت بالبلاد .
وفي اليمن ، لم يكن الوضع مختلفًا كثيرًا ، إذ عانى الشعب من ويلات الصراع ، وتمنّى الخلاص من حالة الانقسام والهيمنة المسلحة لميليشيا الحوثي ، التي زادت من معاناته الإنسانية .
كان الأمل منصبًّا على استعادة الأمن والاستقرار ، وبناء مستقبل يضمن الحد الأدنى من الحياة الكريمة ..

لكن ، وعلى الرغم من كل هذه التطلعات ، جاء الواقع مخيبًا للآمال .
فقد أثبتت الأحداث أن حسابات الدول الكبرى ، بل وحتى بعض القوى السياسية ، لا تُبنى دائمًا على معاناة الشعوب أو تطلعاتها ، بل تخضع لمصالح معقدة وتوازنات دقيقة .
وبين هذه الحسابات ، تراجعت قضايا الشعوب إلى الهامش ، وغابت الأولوية لمعاناتها اليومية .
وهكذا ، وجدت تلك الآمال نفسها تتلاشى تدريجيًا، وتبددت الكثير من الأمنيات التي طال انتظارها .
ومع ذلك ، يبقى السؤال قائمًا : هل يمكن لهذه الشعوب أن تفقد الأمل تمامًا ، أم أن التاريخ لا يزال يحمل في طياته فرصًا جديدة قد تعيد إحياء تلك التطلعات في وقتٍ ما ؟
إن ما يبدو اليوم انسدادًا في الأفق قد لا يكون نهاية الطريق ، بل محطةً ضمن مسارٍ أطول من الصراع والتغيير ، مسارٍ تثبت فيه الشعوب ، مرةً بعد أخرى، أن إرادتها قادرة على الصمود حتى في أحلك الظروف ..

فإلى متى ؟
إلى متى ستبقى مصالح السياسيين تعلو على رغبة الشعوب ؟
ربما لا يملك أحد إجابة قاطعة ، لكن ما هو مؤكد أن إرادة الشعوب ، مهما طال صمتها ، لا تموت ، بل تعود أقوى وأوضح وأشد حضورًا .
فمع كل صوتٍ يرتفع ، ومع كل قلمٍ يكتب ، يقترب العالم خطوة من استعادة التوازن المنشود ..

ورغم قتامة المشهد في بعض الأحيان ، إلا أن فجر الوعي آخذٌ في البزوغ .
فالشعوب لم تعد كما كانت ، بل صارت أكثر إدراكًا لحقوقها ، وأكثر جرأة في المطالبة بها ، وأكثر عزمًا على الوصول إليها .
إن الشعوب ، تلك التي تُشبه الأنهار في صبرها ، قد تبدو ساكنةً من بعيد ، لكنها في أعماقها تحمل تياراتٍ لا تهدأ ؛ فهي تتألم بصمت ، وتراقب بحذر ، وتختزن في ذاكرتها كل خيبة ، وكل وعدٍ لم يُنجز ، وفي مقدمتها وعود الإدارة الأمريكية : “سنجعل العراق عظيمًا ، سنجعل لبنان عظيمًا ، وسيعود اليمن سعيدًا”.
ومع ذلك ، لا تنطفئ جذوة الأمل في صدورها ، بل تظل متقدة ، تنتظر لحظة الانفراج ، وأن غدًا لناظره لقريب ..

زر الذهاب إلى الأعلى