آراء

روبيرت ملحم: اندماج الميليشيات في المنظومة العسكرية العراقية.. اختبار الدولة بين وحدة السلاح وتعدد الولاءات!

يعد ملف اندماج التشكيلات المسلحة خارج إطار الدولة في المنظومة العسكرية العراقية من أكثر الملفات حساسية وتعقيدا في مرحلة ما بعد النزاعات التي مر بها العراق خلال العقدين الأخيرين. فبين من يرى في هذا الاندماج خطوة ضرورية نحو ضبط السلاح وحصره بيد الدولة، ومن يحذر من تحوله إلى بوابة لإعادة إنتاج قوى موازية داخل المؤسسة العسكرية، يبقى السؤال الجوهري مفتوحا: هل يؤدي الدمج إلى تقوية الدولة فعلا، أم إلى إعادة تشكيل هشتها بأدوات جديدة؟
من الناحية النظرية، تبدو فكرة الإدماج حلاً براغماتيا لمشكلة تعدد القوى المسلحة، فوجود تشكيلات عسكرية خارج سلطة الدولة المركزية يمثل في أي نظام سياسي تهديدا مباشرا لمبدأ احتكار الدولة للعنف المشروع، وهو أحد أهم أسس بناء الدولة الحديثة، لذلك فإن تحويل هذه القوى إلى جزء من المؤسسة الرسمية قد يبدو خطوة نحو تقليل الفوضى الأمنية وتوحيد القرار العسكري لكن الإشكال الحقيقي لا يكمن في الدمج كفكرة، بل في كيفية تنفيذه وشروطه وحدوده.
فالتجارب المقارنة في دول شهدت نزاعات مسلحة داخلية تظهر أن إدماج الفصائل لا يؤدي تلقائيا إلى استقرار الدولة، بل قد ينتج عنه في بعض الحالات ما يمكن تسميته بـ(التعدد المقنع) داخل المؤسسة العسكرية، أي أن الدولة تبدو من الخارج موحدة، بينما تبقى في داخلها ولاءات متعددة، وقيادات غير مندمجة بالكامل، وبنى تنظيمية غير خاضعة بشكل كامل لسلسلة قيادة واحدة، وهذا بالضبط ما يشكل الخطر الأكبر على المدى الطويل.
في السياق العراقي، تزداد هذه الإشكالية تعقيدا بسبب الطبيعة السياسية والأيديولوجية لبعض التشكيلات المسلحة، والتي نشأت في ظروف مختلفة، بعضها مرتبط بمقاومة تنظيمات إرهابية، وبعضها الآخر تشكل ضمن أطر سياسية أو عقائدية أو حتى ضمن توازنات إقليمية، وعندما يتم إدخال هذه التشكيلات إلى مؤسسة عسكرية واحدة دون تفكيك جذورها التنظيمية وإعادة بناء عقيدتها على أساس وطني جامع، فإن احتمال استمرار الولاءات السابقة يبقى قائما، حتى وإن تغيرت الأطر الرسمية.
أحد أبرز المخاطر هنا يتمثل في ازدواجية الولاء، فالمؤسسة العسكرية الحديثة تقوم على مبدأ بسيط لكنه حاسم الولاء للدولة فقط، وللسلطة الدستورية التي تمثلها، غير أن إدماج تشكيلات مسلحة ذات تاريخ مستقل قد يخلق واقعا تتوزع فيه الولاءات بين الدولة من جهة، والقيادات أو الأحزاب أو حتى الجهات الداعمة من جهة أخرى. هذا التعدد في الولاء لا يبقى نظريا، بل ينعكس عمليا على طريقة تنفيذ الأوامر، وعلى وحدة القرار العسكري، وعلى قدرة الدولة على إدارة الأزمات الأمنية بكفاءة.
إلى جانب ذلك، يبرز خطر آخر لا يقل أهمية، وهو تسييس المؤسسة العسكرية، فحين تدخل قوى ذات خلفيات سياسية أو أيديولوجية إلى بنية الجيش أو الأجهزة الأمنية، يصبح من الصعب الحفاظ على الحياد المؤسسي الذي يفترض أن يميز القوات المسلحة في أي دولة ومع مرور الوقت، قد تتحول بعض الوحدات إلى امتدادات غير مباشرة لقوى سياسية معينة، ما يؤدي إلى نقل الصراع السياسي من البرلمان والحكومة إلى داخل المؤسسة العسكرية نفسها، وهو تطور بالغ الخطورة على استقرار الدولة.
ولا يمكن إغفال تأثير ذلك على سلسلة القيادة والانضباط العسكري، فالجيوش الحديثة تقوم على هرم قيادي واضح ومركزي، حيث تصدر الأوامر من أعلى إلى أسفل بشكل صارم ومنضبط، لكن في حال وجود تشكيلات مندمجة شكليا فقط، تحتفظ بقياداتها الداخلية أو شبكاتها التنظيمية غير الرسمية، فإن هذا الهرم قد يتعرض للاهتزاز، لتظهر حالات من الازدواج في القرار أو التردد في التنفيذ أو حتى تضارب في الأوامر ومع الوقت، يتحول الانضباط العسكري إلى حالة تفاوضية بدل أن يكون نظاما صارما.
كما أن مسألة التأثيرات الخارجية تظل حاضرة بقوة في هذا النقاش فبعض التشكيلات المسلحة في العراق ارتبطت، بشكل مباشر أو غير مباشر، بتوازنات إقليمية معقدة، وبالتالي، فإن إدماجها دون معالجة هذا البعد قد يعني بقاء قنوات تأثير خارجية داخل المؤسسة العسكرية الرسمية، وهو ما يطرح تساؤلات جدية حول استقلال القرار الأمني والعسكري للدولة.
ومع ذلك، فإن تجاهل هذه التشكيلات أو تركها خارج إطار الدولة ليس خيارا واقعيا أيضا، لأن وجود قوة مسلحة خارج القانون يشكل في حد ذاته تهديدا مستمرا للاستقرار الداخلي، من هنا تأتي حساسية المعادلة الدولة العراقية أمام خيارين كلاهما صعب، إما دمج غير منضبط يعيد إنتاج المشكلة داخل المؤسسة الرسمية، أو إبقاء التعدد المسلح خارج الدولة بما يحمله من مخاطر موازية.
نجاح أي مشروع إدماج لا يتوقف على الإعلان السياسي أو الإداري، بل على قدرة الدولة على فرض شروط صارمة وواضحة، تبدأ بتفكيك الهياكل المستقلة، وتمر بتوحيد التدريب والعقيدة العسكرية، ولا تنتهي إلا بترسيخ مبدأ أساسي لا يمكن التنازل عنه، أن يكون السلاح كله تحت قيادة واحدة، وولاء واحد، وقانون واحد، دون أي استثناءات.

زر الذهاب إلى الأعلى