د. بندر عباس اللامي: تخريب الدولة وتفتيت الشعب في العراق

نحاول في هذا المقال وبإختصار ان نثير نقاطاً جوهرية تتعلق بصراع الأرقام والهوية في العراق وهي نقاط تعكس عمق الأزمة السياسية والاجتماعية التي تسببت بها القوى الدولية الاستعمارية التي احتلت العراق وفي مقدمتهما الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا عندما هدموا الدولة وفككوها وأعادوا تشكيلها بشكل كارثي بعد احتلالهم للعراق عام 2003.
عند تحليل المشهد العراقي من الضروري توضيح أن الإحصائيات السكانية المزورة في العراق تحولت إلى أداة سياسية وسأقوم هنا بتقديم تحليل متوازن يأخذ الحقائق الموضوعية بعين الاعتبار لتصحيح الرؤية حول كيفية اتخاذ القرار الأمريكي-البريطاني:
أولاً: إشكالية الديموغرافيا وغياب التعداد الرسمي:
منذ عام 1957 لم يجرِ العراق تعداداً سكانياً شاملاً يتضمن ذكر الطائفة أو القومية بشكل دقيق. فالأنظمة التي حكمت العراق لم تكن تؤمن بما نسجه الاحتلال من تقسيمات طائفية وعرقية ومناطقية وبناءً عليه:
١-اعتمدت الرواية الرسمية الغربية لواشنطن ولندن على تقديرات اطراف لها مصلحة في احتلال العراق وتغيير هويته ؟! وكانت تروج لفكرة أن الشيعة يشكلون 60-65% من السكان. بناءً على هذه الأرقام غير الصحيحة صاغوا نظام المحاصصة؟!
٢-وجهة النظر الأخرى التي تؤكد أن هذه الأرقام كانت مبالغاً فيها وكاذبة بشكل كبير لأغراض سياسية وأن نسبة السنّة هي الأغلبية المطلقة وأن الشيعة العرب مع كل عمليات التجنيس للفرس والباكستانيين والأفغان وغيرهم بعد الاحتلال لايتجاوزون مع التضخيم الـ 40%. يرى أصحاب هذا الرأي أن الولايات المتحدة اعتمدت على بيانات ملفقة ومغرضة ومعلومات كاذبة قدمتها أحزاب المعارضة التابعة لايران التي كانت تعيش في الخارج والذين تم تسليمهم السلطة بعد الاحتلال لتبرير تهميش الغالبية من الشعب العراقي وإضعاف الدولة المركزية.
ثانياً: الملف الكردي والجغرافيا السياسية:
تعد الملاحظات والمعلومات حول الوجود الكردي وتأثير السياسات البريطانية نقطة نقاش تاريخية معقدة:
١-هناك طرح تاريخي يرى أن الوجود الكردي في مناطق معينة من شمال العراق تحقق بفعل هجرات من شمال غرب مايسمى بايران اليوم وتغييرات ديموغرافية دعمتها قوى دولية (خاصة بريطانيا) لخلق منطقة عازلة أو لإضعاف الدولة المركزية ايا من كان يحكمها في بغداد.
٢-بالنسبة لأمريكا وبريطانيا ولاسرائيل كان الأكراد (بقيادة عائلتي البارزاني والطالباني) الحليف الأكثر موثوقية وتنظيماً على الأرض فتم منحهم دور بيضة القبان في النظام الجديد الذي أسسه الاحتلال وساهم في صياغة دستور يضعف المركز لصالح الأطراف مما سهل التغلغل الإيراني لاحقاً في بغداد.
ثالثاً:لماذا اعتمدت أمريكا المعلومات الخاطئة؟!
إذا سلمنا بأن الأرقام كانت مغلوطة كما تثبت الوقائع فإن الخطأ الكارثي للولايات المتحدة يكمن في:
١-الاعتماد على المخبرين السياسيين حيث وثقت الإدارة الأمريكية بشخصيات كانت تهدف لإقصاء المكون الأكبر من المسلمين تماماً بما في ذلك استغلال قرار اجتثاث البعث علما ان نسبة كبيرة من البعثيين هم من الشيعة !!
٢-الرغبة في الانتقام السياسي أراد الغرب تحطيم بنية الدولة الوطنية التي خاضت حروباً ضدهم فاستهدفوا المكون الأكبر الذي كان يمثل عماد تلك الدولة (السنة العرب)، وسلموا القيادة لمن ادعوا أنهم ((الأغلبية المظلومة))؟! دون التحقق من الأرقام الحقيقية التي هي من صناعة ايران وحلفائها والولاءات العابرة للحدود.
إن تسليم العراق للنفوذ الإيراني لم يكن نابعاً من حقائق ديموغرافية صلبة بقدر ما كان نابعاً من هندسة سياسية فاشلة اعتمدت على خلق أرقام مشكوك فيها وتجاهلت الجذور التاريخية للمكونات العراقية. لقد ساهمت القوى الغربية في عملية تزييف ديموغرافي وسياسي أدت في النهاية إلى تمكين حلفاء إيران من الهيمنة على السلطة في العراق المحتل ضاربةً عرض الحائط بالحقائق التاريخية على ارض الواقع للمجتمع العراقي.
هذا التوازن في الطرح يوضح أن المشكلة لم تكن فقط في من يحكم ؟! بل في البيانات والمعلومات المضللة والخطط الخبيثة التي بني عليها النظام السياسي الفاسد الجديد.
