مقالات رئيس التحريرموضوعات رئيسية

د. علي الجابري: حصار بلا مخرج.. إيران تواجه أخطر سيناريو اقتصادي

يبدو أن قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بفرض حصار بحري على إيران، لن يكون مجرد أداة ضغط تقليدية، بل خطوة تحمل في طياتها إمكانية إحداث صدمة اقتصادية شاملة وبأثر شبه فوري.

تعتمد إيران بشكل كبير على هذا الممر الحيوي، حيث بلغ حجم تجارتها الخارجية نحو 109.7 مليار دولار في عام 2025، منها 58 مليار دولار واردات و51.6 مليار دولار صادرات غير نفطية. وهذا يعني أن نحو 159 مليون دولار من الواردات و141 مليون دولار من الصادرات غير النفطية تتحرك يومياً عبر هذه المسارات البحرية.

من حيث البنية اللوجستية، تعاملت الموانئ الإيرانية مع نحو 234.8 مليون طن من البضائع في السنة الإيرانية المنتهية في مارس 2025، ما يعكس الثقل الكبير للموانئ في تشغيل الاقتصاد الإيراني. كما أن ميناء الخميني وحده استقبل خلال أول تسعة أشهر أكثر من 14 مليون طن من الواردات بقيمة تفوق 6 مليارات دولار، بينها سلع أساسية بأكثر من 5.3 مليارات دولار، ما يعني أن أي تعطيل بحري واسع سيضغط فوراً على الأمن الغذائي وسلاسل الإمداد.

لكن جوهر الأزمة يكمن في النفط!

تشير التقديرات إلى أن إيران صدّرت ما بين 1.1 و1.5 مليون برميل يومياً خلال الفترة الأخيرة، مع اعتماد يقارب 90% من هذه الصادرات على جزيرة خارك، التي تمثل نقطة الاختناق الرئيسية في منظومة الطاقة الإيرانية. وفي حال الحصار الشامل، لا يعود الحديث عن تعطيل جزئي، بل عن توقف شبه كامل لهذه الصادرات، ما يضع إيرادات تتراوح بين 110 و170 مليون دولار يوميا تحت التهديد المباشر.

وعند جمع هذه المعطيات، فإن الخسائر اليومية تتراوح بين 410 و470 مليون دولار يومياً، مع احتمال اقترابها من الحد الأعلى أو تجاوزه في حال انعدام أي منفذ بديل.

وفي الظروف الطبيعية، يُطرح ميناء جاسك الواقع على خليج عُمان كبديل محتمل لتجاوز مضيق هرمز، إلى جانب ميناء تشابهار الذي يمثل منفذاً بحرياً خارج الخليج.

إلا أن شمول الحصار لهذه الموانئ يُسقط هذه الفرضية بالكامل، حيث تتحول هذه المواقع من بدائل جزئية إلى منشآت معطلة ضمن نطاق الحصار نفسه. وبذلك، لا تعود المشكلة في محدودية البدائل، بل في غيابها الفعلي، ما يعني فقدان القدرة على الالتفاف البحري بشكل شبه كامل.

التداعيات لا تتوقف عند التجارة والطاقة. تعطيل الواردات يعني ضغطاً مباشراً على الغذاء والصناعة، في وقت يعاني فيه الريال الإيراني أصلاً من تدهور حاد، حيث وصل إلى نحو 1.5 مليون ريال مقابل الدولار. ومع تقلص تدفق العملات الأجنبية، يتصاعد التضخم وتتراجع القدرة الشرائية بشكل متسارع.

ثم يأتي عامل الزمن، وهو الأخطر.

مع توقف التصدير واستمرار الإنتاج، يبدأ الضغط على مرافق التخزين بالتصاعد. ومع غياب أي منفذ تصديري بديل، يتقلص الهامش الزمني المتاح قبل أن تضطر إيران إلى خفض إنتاجها النفطي أو إغلاق بعض الآبار، وهو ما قد يحمل آثاراً طويلة الأمد على قدرتها الإنتاجية.

في هذه المرحلة، يتحول الحصار من أزمة تجارية إلى أزمة هيكلية تمس قلب الاقتصاد.

الخلاصة إن إيران لا تواجه مجرد خسائر مالية، بل تدخل في حالة عزل اقتصادي شبه كامل عن النظام التجاري العالمي.

وفي هذه الحالة لا يعود السؤال: كم ستخسر إيران؟ بل كم من الوقت تستطيع الصمود؟

رئيس تحرير صحيفة يورو تايمز السويدية الناطقة بالعربية

زر الذهاب إلى الأعلى