آراء

نزار العوصجي: الميليشيات الإيرانية

مع تغير الواقع الميداني والسياسي في المنطقة ، أدركت القيادة الإيرانية أن الدور الذي أوكلته للميليشيات التابعة لها قد وصل إلى نهايته ، فبدأ التراجع السريع لهذه المجموعات واختفائها من خطوط المواجهة دون ضجيج ، مما عكس تغيراً كبيراً في موازين القوى ، حيث لم تعد هذه التشكيلات قادرة على اداء المهمات التي اوكلت اليها كما فعلت في السنوات الماضية ، ولا على لعب دور سياسي مؤثر في دول المنطقة ..
ومع هذا الانكفاء اتضحت حقيقة أن الوجود الإيراني ، الذي كان يتصور يوماً ان ميليشياته قادرة على فرض ارادتها على حكومات الدول المتواجدة فيها ، لذا باتت أحد أسباب ضعفه وتفكك حلفائه وهروبه ..
فمنذ اندلاع الثورة السورية في آذار /مارس عام 2011 ، شكل تدخل الميليشيات المدعومة من إيران نقطة تحول حاسمة ، حين تدخلت لإنقاذ نظام الأسد ..
وبعد تراجع قوات النظام أمام توسّع فصائل الجيش الحر والمعارضة المسلحة منذ بداية عام 2013 ، فتحت طهران خطوط الإمداد والمقاتلين من العراق ولبنان وأفغانستان ، عبر تشكيلات متعددة مثل “حزب الله” اللبناني و”فاطميون” و”زينبيون” و”الحشد الشعبي” العراقي ، على أساس طائفي ..
حيث قدمت هذه القوى دعماً حاسماً للنظام السوري في أغلب معاركه الدموية ، في ريف دمشق وحلب ودير الزور ، وفي معارك القصير وحلب وغيرها ، وأسهمت بشكل مباشر في ارتكاب مجازر واسعة بحق المدنيين ، خصوصاً في المناطق ذات الأغلبية السنية ..
ولولا هذا التدخل الواسع الذي اقترن بتوجيهات ميدانية من ضباط “الحرس الثوري”، إذ أشرف قائد فيلق القدس قاسم سليماني بنفسه ، إلى جانب نخبة من ضباط الحرس الثوري على العمليات العسكرية ، لكان من المرجح أن تنهار منظومة الأسد أمام ضغط الثورة التي سيطرت على ثلاثة أرباع الجغرافيا السورية حينها ..
فمع بدايات 2013 ، وبعد توسع سيطرة الجيش الحر وفصائل المعارضة ، انتقلت إيران من الدعم السياسي والاقتصادي إلى تدخل عسكري مباشر ، إذ دفعت بضباط “الحرس الثوري” وفيلق القدس بقيادة قاسم سليماني ، ثم شرعت بإنشاء وتفعيل تشكيلات مسلحة عابرة للحدود من لبنان والعراق وأفغانستان وباكستان ..

اعتمدت استراتيجية إيران على تنويع مصادر القوة البشرية ، فشكلت فسيفساء تمثلت بحزب الله ، فاطميون ، زينبيون ، والحشد ..
حيث شكل حزب الله اللبناني رأس الحربة على الجبهات الحساسة في ريف دمشق ، القصير ، القلمون ، ريف حلب الجنوبي ، ريف درعا والقنيطرة ، باعتباره القوة الأكثر تدريباً وانسجاماً مع العقيدة الإيرانية ..
يليه “لواء فاطميون” الأفغاني و”لواء زينبيون” الباكستاني ، حيث جرى تجنيد آلاف المقاتلين من اللاجئين الأفغان والباكستانيين في إيران ، عبر مزيج من الحوافز المادية ، من رواتب وتسوية أوضاع الإقامة ، بالأضافة إلى والخطاب المذهبي المتمثل بحماية المزارات الشيعية ، وغالباً ما استخدموا كقوات صدمة و”لحم مدافع” في المعارك الأكثر كلفة ..
يليه الميليشيات العراقية من النجباء ، بدر ، العصائب ، وفصائل من الحشد ، حيث تولت تثبيت خطوط الإمداد البري من العراق إلى دير الزور والبو كمال ، والمشاركة في معارك الشرق والبادية ..
حيث تشير التقديرات إلى أن عدد عناصر الميليشيات المدعومة من إيران في سوريا بلغ عشرات الآلاف في ذروته ، مع أكثر من 10 آلاف مقاتل من حزب الله وحده ، إضافة إلى آلاف من العراقيين والأفغان والباكستانيين ..
ومع تراجع فاعلية جيش الأسد ، أصبحت هذه التشكيلات جيشا موازياً يتحكم عملياً بقرارات القتال ، وأصبح قاسم سليماني القائد الفعلي للقوات على الأرض ، كما بنت شبكات اقتصادية مع عملاء محليين للتحكم بالاقتصاد المحلي في بعض المناطق ..
وبعد انتهاء معظم المعارك الداخلية ، تحولت سوريا إلى ساحة صراع بين القوى الإقليمية ، حيث بدأت “إسرائيل” حملة جوية موسعة منذ عام 2017 استهدفت قواعد ومستودعات الحرس الثوري و”حزب الله” ومراكز تدريب الميليشيات الشيعية ، خلال السنوات الأخيرة رداً على التمدد الإيراني في سوريا ..
وقد تصاعدت تلك الهجمات مع توسع الحرب غير المعلنة بين طهران وتل أبيب ، وأدت إلى مقتل عدد من كبار القادة الميدانيين ، بينهم ضباط إيرانيون بارزون ، ومع اندلاع الحرب الإسرائيلية على غزة أواخر 2023 ، دخلت المواجهة مرحلة أكثر سخونة شملت استهدافاً مركزاً لأذرع إيران في لبنان وسوريا والعراق ..
و تحت وطأة الضربات الإسرائيلية المتكررة ، والتفاهم الأميركي الروسي غير المعلن حول ضرورة تقليص النفوذ الإيراني في سوريا ، بدأت هذه الميليشيات بالانسحاب تحت التهديد ، بإخلاء الكثير من مواقعها الحساسة ..
حيث انسحبت مجموعات كاملة نحو الأراضي العراقية ، فيما خفض “حزب الله” قواته على طول الحدود الجنوبية بعد مقتل العشرات من عناصره في ضربات نوعية ، ولم يتم التوصل إلى أي اتفاق رسمي يضمن خروجها من سوريا مع أي طرف سوري ، بل جاء الانسحاب في سياق ضغط عسكري وسياسي متزامن مع تصاعد الحديث عن ضرورة “قطع أذرع إيران” في الإقليم ، ما جعل بقائها في سوريا عبئاً استراتيجياً على النظام نفسه ..
وبعد تحرير حلب أدرك الإيرانيين أن روسيا لن تتدخل ، لذا عملت على إعادة ترتيب الأولويات في عملية ردع العدوان ، بما يمكنها من إخفاء وسحب بعض الأسلحة ، كما حاولت الميليشيات الإيرانية و “حزب الله” الحفاظ على القصير ، لكنها تلقت ضربة كبيرة من الطيران الإسرائيلي ، كما جرى استهداف مواقع لميليشيا “الرضوان” في بادية حمص وتدمير رتل قادم من الداخل اللبناني ، ما أدى إلى تحييد “حزب الله” عملياً في سوريا ، وبالتالي تسريع السيطرة وتقليص عمر المعركة عبر فصل الجبهات ..
أما بما يخص العناصر المحلية ، فقد بقيت في أماكنها بعد مغادرة الميليشيات ، وظلوا في مناطقهم بعدما تخلت عنهم القيادات ، إذ قامت القيادة الإيرانية بإجلاء المستشارين والضباط الكبار فقط ، عبر قاعدة حميميم ومطار دمشق الدولي ، دون ملاحقة العناصر المحليين حتى اللحظة ، كما انسحب رجال الدين من المنطقة مع القادة العسكريين إلى العراق ومناطق أخرى ، وتم نقل بعض الميليشيات إلى دول أخرى ..
بعد التقارب السوري الأمريكي ، عملت إيران على إعادة تفعيل بعض عناصر ميليشياتها في مناطق مناوئة للحكومة السورية ، خاصة في مناطق قسد والحدود اللبنانية السورية ، لكن الخوف الأكبر كان من ترك الأسلحة الإيرانية بتسهيل واضح من القيادة الإيرانية بيد عناصر تنظيم الدولة ، الذي بدأ ينشط مجدداً ، خصوصاً في البادية السورية ..
فهناك تخوف من بقاء العناصر التي كانت ضمن هذه الميليشيات في مناطقهم بعد تجميدهم ، إذ قد يعاد تفعيلهم في حال حدوث أي طارئ ، ويعود ذلك إلى ولائهم لتلك الميليشيات من جهة ، وإلى خشيتهم من المحاسبة القادمة من جهة ثانية ، وقد ظهر بعض هؤلاء العناصر في أحداث السويداء إلى جانب بعض قادتهم السابقين ..

ان الحقيقة التي نخلص اليها ، هي إن الميليشيات الإيرانية (( بعد هروب قادتها )) قد تم تفكيكها بشكل عاجل ، ونقلت قياداتها إلى العراق وإيران ولبنان ، بينما نقل جزء من العناصر الدنيا إلى مناطق قسد ، في حين بقي بعض من عناصرها المحليين في أماكنهم بعد أن ألقوا السلاح ..
ومع قرب زوال نظام الملالي ، تشير كافة الدلائل إلى قرب نهاية وجود الميليشيات المرتبطة بإيران اينما كانت ، بدأ من حزب الله في لبنان والحوثيين في اليمن والحشد الشعبي في العراق ، كونهم سيواجهون ذات المصير الذي واجههم في سوريا بإذن الله ..

زر الذهاب إلى الأعلى