د. عبدالرزاق محمد الدليمي: ماذا إذا سقط النظام الإيراني؟

يرتبط العراق مع جيرانه ومنهم إيران بروابط جغرافية وسياسية واقتصادية تجعل من أي هزة عنيفة تحدث في طهران زلزالاً سيرتد صداه فوراً في العراق ربما اكثر من بقية أنظمة المنطقة ؟! ونحن نتحدث هنا عن العراق في مرحلة مابعد الاحتلال …..التقرير الأخير لمركز “War on the Rocks” الاستراتيجي يضعنا أمام سيناريو اليوم التالي لسقوط النظام الإيراني مركّزاً على اسماه بالساعات الـ72 الأولى بعد زوال النظام او ربما اعادة إنتاجه ؟! بوصفها النافذة الزمنية الحرجة التي ستحدد مصير العملية السياسية الفاشلة وسيئة الصيت والمحتوى بالعراق المحتل لسنوات مقبلة.
اولا:الفراغ بالسلطة وتحدي الفصائل الولائية
يعد ملف الفصائل المسلحة الموالية لإيران العصب الحساس في هذا التحليل. سقوط “المركز” في طهران يعني انقطاع الشريان والتوجيه الأيديولوجي مما يضع هذه القوى أمام خيارين:
١-إما الانخراط في “تمرد يائس” للدفاع عن وجودها
٢-أو التفاوض مع الدولة العراقية. وهنا تبرز رؤية المركز الاستراتيجي بضرورة تبني الحكومة العراقية لسياسة العصا والجزرة عبر تقديم حوافز تشمل الحصانة والتعويض المالي مقابل الاندماج الكامل في مؤسسات الدولة، مع بقاء الخيار العسكري مطروحاً للتعامل مع الأطراف الرافضة.
ثانيا:صراع الإرادات والمصالح الإقليمية
يرى المحللون العسكريون الأميركيون أن سقوط النظام الإيراني سيحول العراق إلى (ساحة جذب مغناطيسية )تجذب التدخلات الإقليمية. ففي غياب النفوذ الإيراني قد تسعى تركيا وربما دول الخليج العربي وإسرائيل إلى ملء الفراغ لتأمين مصالحها أو تصفية حسابات قديمة. وهنا يبرز الدور المحوري لواشنطن ليس فقط في دعم بغداد تقنياً بل في ممارسة ضغط دبلوماسي لردع الجيران عن تحويل العراق إلى ساحة لتصفية الحسابات مع ضرورة تأمين الحدود العراقية-السورية لمنع تسلل بعض الجماعات المتطرفة عبر الثغرات الأمنية ونحن نرى في ان المليشيات الولائية اكثر خطورة من أية جهة يمكن ان تعبر من الحدود السورية (ان عبرت)؟!
يبدو ان تسارع الإيقاع في المنطقة قاتم لمستقبل المنطقة التي تقف على أعتاب تحول جذري يتجاوز مجرد الصراعات التقليدية إلى مرحلة إعادة صياغة الوجود الجيوسياسي بالكامل.
وملامح التحليل السياسي تؤكد نهاية حقبة تاريخية (سبق ان كتبنا وتحدثنا عنها مرارا ) وأن مخلفات اتفاقية سايكس بيكو والهندسة القسرية للمنطقة اصبحا بحكم المنتهيان مما يعني أن الحدود والخرائط التي استقرت لاكثر من مائة عام بعضها تغير والآخرى مهددة بالتغيير الفعلي.
ثالثا:احتمالية تغيير الأنظمة: تشير الاوضاع بوضوح إلى أن جوهر الاحداث القادمة يتخطى عمليات ترميم السلوك السياسي لملالي طهران وغيرها ؟! ليصل إلى احتمالية إسقاط أنظمة بعينها (كالنظام الإيراني) مما يعكس تصعيداً في سقف التوقعات الدولية والإقليمية.
رابعا: سرعة المتغيرات : ونؤكد هنا من اهمية عامل الزمن وأن موازين القوى ( قد )تتبدل خلال أيام لا سنوات وهو ما يستدعي حالة قصوى من الاستعداد والضبط الإجرائي.فالموضوع لم يعد مجرد استشراف سياسي تقليدي بل هو ((صرخة تحذير)) تدعو من يعنيهم الأمر للجهوزية التامة وأن المنطقة دخلت ((مرحلة اللاعودة)) حيث لا مكان فيها للحلول التكتيكية أو الإصلاحات الجزئية بل التهيؤ لمواجهة سونامي جبار سيغير وجه الشرق الأوسط الذي كنا نعرفه.
خامسا: معضلة القيادة والسيادة:
نؤكد هنا أن النجاة من تداعيات سقوط نظام الملالي في طهران تتطلب رئيساً للوزراء بمواصفات استثنائية بالعراق ففي تلك المرحلة لن تنفع سياسة التوازنات الطائفية أو إعادة تدوير الوجوه الكالحة والمحاصصة البغيضة ؟؟!! التي ارتبطت بملفات الفساد والفشل. فالحاجة ملحة لرئيس وزراء عراقي القلب والضمير والقرار حاسم يمتلك الشجاعة لاتخاذ قرارات غير شعبوية الهوى ويضع المصلحة الوطنية للعراق وشعبه فوق الولاءات الحزبية الفاسدة لضمان عدم انزلاق البلاد نحو حرب أهلية أو تبعية جديدة لقوى بديلة.
سادسا :المسؤولية الأميركية:
يوجه تقرير المركز الرسالة واضحة لترامب وللإدارة الأميركية بأن نجاح استراتيجيتكم تجاه إيران مرهون بسلامة العراق. فإهمال تأمين استقراره في اللحظات الأولى للتغيير في طهران قد يؤدي إلى فوضى عابرة للحدود تقوض أي من المكاسب الاستراتيجية ( الواهنة أصلا) لذا … يجب أن تكون حماية اكذوبة السيادة العراقية جزءاً أصيلاً من أي خطة طوارئ تتعلق بالملف الإيراني
إن احتمالية سقوط النظام في إيران تمثل للعراق (( سيفاً ذو حدين ))فهي للوطنيين فرصة لاستعادة السيادة الكاملة وفك الارتباط بملفات إقليمية شائكة لكنها في الوقت ذاته خطر وجودي للمليشيات الولائية والقوى المرتبطة لملالي طهران قد يعصف بالاوضاع الاستثنائية الكارثية التي خدمت ذيول الملالي!!
لذلك على ادارة ترامب ان تتهيأ بسيناريوهات استباقية. لإن الـ72 ساعة الأولى كما يؤكد المركز الأمريكي لن تكون مجرد زمن عابر بل ستكون اختباراً حقيقياً ان كان هناك وجود حقيقي لمايسمى بالدولة العراقية (او ماتبقى منها) وقدرة المجتمع الدولي على (حماية العراق باعتباره رئة المنطقة )من الاختناق بالدخان المتصاعد من طهران ان حدث فيها التغيير المزعوم ؟!
