مقالات رئيس التحرير

د. علي الجابري: للجادرية وباريس وجهٌ واحد.. إنهم لا يسرقون الكتب!

من بغداد يوم التاسع من نيسان 2003 إلى مشاهد نهب المتاجر في باريس.. شهادة شخصية للدكتور علي الجابري عن الكتب التي تركها اللصوص تحت الأقدام، وقيمة الذاكرة التي لا تُقاس بثمن.

أجلس أمام الشاشة وأتابع المتاجر وهي تُنهب في باريس، فيعود إليّ فجأة صوت الزجاج المهشم في بغداد. ولم أنتبه إلى أن ذاكرتي احتفظت به كل هذه السنين.

كان ذلك في التاسع من نيسان 2003. يوم دخلت قوات الإحتلال الأمريكي بغداد، كنا في المركز الصحفي بفندقي فلسطين ميريديان وعشتار شيراتون، أكثر من ستمئة صحفي ومصوّر في مكان واحد، وكان الجميع يسأل سؤالاً واحداً: أين بيت الصحّاف؟ وزير الإعلام الذي استحوذ بتصريحاته وظهوره المتواصل على أهتمام وسائل الإعلام العالمية، وحين غاب بدا الوصول الى منزله امتداداً طبيعياً لملاحقة الرجل الذي ظل يتحدث حتى اقتربت الدبابات الأمريكية من آخر كلماته!

وقفتُ عند الباب مع عمّار، المصوّر الفرنسي اللبناني الذي رافقني في تلك الأيام. سألني بنبرته الهادئة: “أين نذهب؟ فقلت له: “تعال معي.. الجميع ذاهب إلى مكان واحد، سيبحثون عن بيت الصحاف وبيوت المسؤولين ثم يعودون بقصة واحدة ترويها كاميرات مختلفة، وسيخرج منه خبر واحد بعشرين صورة.. أما نحن فسنذهب إلى القصر الجمهوري لنرى ما جرى خلف أسواره”.

متحف بلا هدايا

أول ما وصلنا برج الساعة، وكان صدام حسين قد جعله متحفاً لهدايا الرؤساء والملوك. دخلنا فلم نجد غير الزجاج المكسور والخزائن الفارغة! لم يكن عراقي قد وصل إلى هناك بعد.. التفتُّ إلى الضابط الأمريكي الذي رافقنا وسألته: “من نهب هذه الهدايا؟ لم يدخلها أحد غيركم؟”.. نظر إليّ كمن لا يريد جواباً، وقال إن قوات أخرى سبقتهم، وإنهم جاؤوا فقط ليمسكوا بالأمن.. تذكرتُ هذه الجملة كثيراً بعد ذلك!

كان القصر مغلقاً حتى في وجه الصحفيين، لأن الأمريكيين اتخذوا من قصر “السجود” الذي كانت تسكنه زوجة الرئيس مقراً لهم، غير أن هواتف “الثريا” التي كنا نحملها للإتصال بقنواتنا فتحت لنا باباً لم تفتحه هوياتنا الصحفية؟! أراد الجنود استخدامها للاتصال بعائلاتهم.. عرضنا عليهم أن نتيح لهم المكالمات مقابل السماح لنا بالدخول والتصوير.. وافقوا، بشرط أن نبقى بعيداً عن قصر السجود. قبلنا، وصورنا ما بقي، ومنه قصر العابد الذي كان يسكنه عدي، وكانت آثار الدمار تغطي المكان الذي استُهدف بصاروخ أصابه في المنتصف.. ثم غادرنا الى الجادرية!

عشرة دولارات

في الجادرية، الحي البغدادي الراقي (الذي كان ولازال يسكنه كبار المسؤولين العراقيين في النظامين السابق والحالي)، وصلنا إلى بيت علي حسن المجيد وقد بلغ النهب آخره. كانت آخر الأحمال تُرفع إلى السيارات.. أخرج عمّار عشرة دولارات وقال لأحد اللصوص إنه يريد أن يصوّره وهو يحمل الأغراض. أنزل الرجل ما كان قد حمّله، وحمّله ثانية أمام العدسة، وعلى وجهه رضا من ربح صفقة جيدة.

أتذكر هذه الواقعة بما فيها من حرج مهني لا يصح حذفه من الحكاية.. كانت السرقة قد حدثت، لكن الحركة التي التقطتها الكاميرا أُعيدت من أجل التصوير! وفي مدينة فقدت ضوابطها، أمكن لعشرة دولارات أن تشتري من السارق مشهداً إضافياً لسرقته.

بعد ذلك وصلنا الى بيت طارق عزيز، البيت الذي استولى عليه لاحقاً عمّار الحكيم ولا يزال في يده. . لم أجد أمامي القصر الذي قد يتخيله المرء لمسؤول أمضى عقوداً وزيراً للخارجية ونائباً لرئيس الوزراء وأحد أبرز وجوه النظام.. بدا لي بيتاً أقرب إلى منازل العراقيين التي نعرفها.. وكانت موجة النهب الكبرى قد اجتاحته قبل وصولنا، اختفى الأثاث، وأقام اللصوص أمامه سوقاً صغيرة لبيع ما أخرجوه منه؟! بين المعروضات “طاولة زهر” مميزة، وألبومات صور عائلية، وألبوم يضم صوراً تاريخية نادرة عن العراق.. اشترى أحد زملائنا المصورين اللبنانيين طاولة الزهر وألبوم الصور التاريخية بمبلغ لم يتجاوز عشرين دولاراً! كانت حياة عائلة وقطع من ذاكرة بلد معروضة للمساومة على الرصيف. لكن المشهد الذي بقي معي كل هذه السنوات كان في الداخل!

في صالة المنزل كانت هناك مكتبة فخمة، رفوفها من خشب. وكانت الكتب على الأرض، مكدّسة في فوضى، والرفوف خالية. فهمتُ ما جرى حين رأيت آثار الأقدام: رمى اللصوص الكتب ليحملوا الخشب، لأنهم ظنوه أغلى!

وقفتُ وسط ذلك الركام ورحتُ أُقلّب.. وجدتُ كتباً موقّعة بخط أصحابها: كتّاب وروائيون، وقادة كتبوا مذكراتهم ثم أهدوها إلى الرجل بإهداءات باسمه.. كانت تحت الأحذية أصواتٌ جاءت من بلاد بعيدة لتصافح عراقياً، فلم يعرف أحد أن يصغي!

رأيت الأقدام تدوس على الصفحات، وعلى الأغلفة والإهداءات، فيما تتجه الأيدي إلى ما ظنّ أصحابها أنه أجدى للبيع.. لم أستطع يومها أن أفصل بين قيمة تلك الكتب وما يحدث لها.. كانت النسخة الواحدة تحمل، إلى جانب نصها، أثر صاحبها ومن أهداها إليه، وتاريخاً لا يمكن تعويضه بشراء نسخة أخرى.. أما الذين بعثروا المكتبة، فقد وجدوا في رفوفها غنيمة أوضح؟! لا أعرف ماذا كان يدور في رؤوسهم، ولا ما الذي كانوا يعرفونه عن الكتب.. أعرف ما رأيته: الخشب يُحمل إلى الخارج، والورق يبقى تحت الأقدام.

يومها خرجتُ بفكرة مفادها أن اللص لا يعرف قيمة الأشياء الثمينة.. هو يعرف ما يسهل بيعه فقط؟!

«اللص لا يعرف قيمة الأشياء الثمينة.. هو يعرف ما يسهل بيعه فقط.»

حبر بغداد

وفي بغداد هذه حكاية قديمة تقف خلف المشهد. كلما حضرت تلك المدينة في الذاكرة، حضرت معها صورتها الجريحة عند دخول هولاكو سنة 1258. وتروي الحكاية الشائعة أن الكتب أُلقيت في دجلة حتى اسودّ ماؤه بحبرها، وأن كثرتها صنعت معبراً للفرسان فوق النهر.

ومن الصعب ألّا أقارن، على مستوى الذاكرة والمعنى، بين الكتب التي تروي الحكاية أنها صارت جسراً يعبر فوقه الغزاة، والكتب التي رأيتها بنفسي تصير أرضاً يعبر فوقها الناهبون.

في المشهد الأول، نفجع بما يصيب مدينة عُرفت بالعلم.. وفي الثاني، نفجع بما آل إليه بعض أبنائها حين صار الرف الخشبي، في حساب الغنيمة، أولى بالحمل من الكتب التي استندت إليه.

ظللتُ زمناً أقارن بين البغدادين، ثم فهمت أن بينهما فرقاً مرّاً.. الغازي القديم كان يعرف ما يفعل. عرف أن الكتب روح المدينة، فأغرقها ليكسر هذه الروح. أما اللص الذي رأيته في الجادرية فلم يكن يريد كسر شيء. كان يمشي على الذاكرة ولا يشعر بها تحت قدميه.

«كان يمشي على الذاكرة ولا يشعر بها تحت قدميه.»

ما رأيته في باريس

تذكرت تلك الصالة وأنا أشاهد صور النهب في باريس ومدن فرنسية أخرى. واجهات تُحطم، ومتاجر تُقتحم، وأيدٍ تخرج بالملابس والأحذية والأجهزة الإلكترونية والمواد الغذائية.. كانت العلامة التجارية على حقيبة، أو اسم الشركة على هاتف، كافيين للدلالة على ما يستحق الحمل والركض.

عادت إليّ مكتبة طارق عزيز بتفاصيلها، كأن السنوات التي فصلت المشهدين لم تمر.

وما أعادت تلك المشاهد إيقاظه في داخلي ظل متعلقاً بما يبحث عنه الناهب، وبالطريقة التي يتعرف بها إلى الغنيمة. ففي المتجر يعرف سريعاً ما يمكن بيعه، وما يقتنيه لنفسه، وما تمنحه إياه علامة مشهورة من شعور بالامتلاك.. أما الكتاب، فقد يقف أمامه دون أن يرى شيئاً يستحق التوقف.

قد تكون بين يديه طبعة نادرة، أو نسخة تحمل إهداءً لا يتكرر، أو وثيقة تساوي أضعاف ما يحمله تحت ذراعه. غير أن هذه القيمة تحتاج إلى معرفة تسبق لحظة الاقتحام. تحتاج إلى عين اعتادت أن تقرأ، وإلى صلة بالكتاب لا تنشأ حين تسقط أبواب متجر!

عندها رأيتُ في الجادرية وفي باريس وجهاً واحداً.. الأرض مختلفة واللغة مختلفة، والجهل لا يتغير. ومن الصعب ألّا أقارن، على مستوى الذاكرة والمعنى، بين الكتب التي تروي الحكاية أنها صارت جسراً يعبر فوقه الغزاة، والكتب التي رأيتها بنفسي تصير أرضاً يعبر فوقها الناهبون!

أقول لنفسي أحياناً: لو قرأ هؤلاء كتاباً واحداً، لما سرقوا.. فالكتاب لا يُعلِّم الحقوق والتاريخ فقط، بل يُعلِّم أن لما في يد غيرك حرمة، وأن للأشياء قيمة لا يقرؤها السعر. ومن لا يفهم هذا يمرّ بالكنز ولا يلتفت.

ما زلتُ أذكر الصالة في بيت طارق عزيز، وتلك الكتب على الأرض، وعشرة الدولارات في يد اللص. وأعرف أن السارق الذي ترك الكتب لم يكن رحيماً بها. هو فقط لم يعرف ما هي!

في باريس كما في الجادرية.. إنهم لا يسرقون الكتب!

«في باريس كما في الجادرية.. إنهم لا يسرقون الكتب!»

في ذلك البيت البغدادي تركوها لنا كي نرى مقدار ما خسرناه؟!

رئيس تحرير صحيفة يورو تايمز السويدية

مقالات سابقة للكاتب

شاهد أيضًا

يويوان ليلاً: سوق وحديقة شنغهاي القديمة بالأضواء | Yuyuan Garden at Night 4Kللمشاهدة عبر تطبيق يوتيوب انقر هنا

رابط الفيديو على يوتيوب: انقر هنا (https://www.youtube.com/watch?v=g7Nc74WT0fE)

زر الذهاب إلى الأعلى