تحقيقات

تحقيق لرويترز: 135 هجومًا إيرانيًا على 84 منشأة حيوية في الخليج

تحقيق بصري لرويترز يوثق 135 هجومًا إيرانيًا على 84 منشأة حيوية في الخليج منذ فبراير، ويكشف أضرارًا طالت الفجيرة ورأس لفان وخط أنابيب النفط السعودي.

كشف تحقيق استقصائي موسع لوكالة رويترز أن إيران والقوات المرتبطة بها نفذت ما لا يقل عن 135 هجومًا بالصواريخ والطائرات المسيّرة على 84 موقعًا للبنية التحتية في دول الخليج منذ اندلاع الحرب في 28 فبراير 2026، في حملة طالت منشآت النفط والغاز والمطارات وخطوط الأنابيب، وأحدثت أضرارًا متسلسلة تجاوزت في حالات عدة المواقع التي أصابتها الضربات مباشرة.

واستند التحقيق البصري الذي نشرته رويترز الخميس 15 أكتوبر إلى تحليل صور الأقمار الصناعية والفيديوهات والبيانات الرسمية ومقابلات مع 36 شخصًا مطلعًا على الهجمات، للكشف عن طبيعة الأهداف التي أصابتها الضربات وآثارها التشغيلية في السعودية والإمارات وقطر والعراق والكويت وعُمان والبحرين.

واللافت في النتائج أن عددًا من الضربات لم يستهدف مساحات صناعية واسعة بصورة عشوائية، بل أصاب معدات وأنظمة تشغيل حيوية، بعضها صغير الحجم أو موجود داخل مبانٍ لا تظهر تفاصيلها من الفضاء، ما أدى إلى تعطيل منشآت أكبر بكثير من مساحة الضرر المباشر.

الفجيرة.. ضرب طريق النفط البديل عن هرمز

في الإمارات، وثقت رويترز تعرض منطقة الفجيرة النفطية إلى 19 هجومًا على الأقل منذ بداية الحرب. وتضم المنطقة ميناءً ومرافق لتكرير النفط وتخزينه وشحنه، وتكتسب أهمية استراتيجية لأنها تقع خارج مضيق هرمز، الذي تسببت الحرب في اضطراب الملاحة عبره.

وأشار التحقيق إلى أن خزانات الوقود كانت من أول الأهداف المتضررة، وأن الضربات الأولى في مطلع مارس أدت إلى حرائق استمرت ثلاثة أيام. كما أصابت هجمات لاحقة أنظمة حيوية لتوجيه النفط وتحميله، ما أدى إلى تعطل عمليات في المنطقة لأسابيع.

وكشف تحليل الصور أن هجمات مارس أصابت مجموعتين من تجهيزات توزيع النفط عبر الأنابيب إلى أرصفة التحميل، وأن صادرات المنتجات المكررة توقفت عمليًا لنحو شهر بعد ضربة جديدة في مايو، قبل أن تبدأ التعافي لاحقًا.

وتكمن خطورة استهداف الفجيرة في أنها تمثل أحد المسارات الرئيسية التي تستخدمها الإمارات لتقليل اعتماد صادراتها النفطية على المرور عبر هرمز. ولذلك فإن تعطيلها لا يقتصر على منشأة محلية، بل يضغط أيضًا على البدائل الإقليمية المتاحة لتصدير الطاقة أثناء الحرب.

قطر.. إصابة قلب عملية تسييل الغاز

وفي قطر، كشف التحقيق أن الضربات أصابت معدات تبريد أساسية في مجمع رأس لفان للغاز الطبيعي المسال، بينها وحدتان تعرفان صناعيًا باسم «الصناديق الباردة»، وتحتويان على معدات ضرورية لخفض درجة حرارة الغاز وتحويله إلى سائل قابل للشحن.

وتوضح هذه الحالة كيف يمكن لإصابة مكونات متخصصة داخل سلسلة الإنتاج أن تؤدي إلى توقفات تتجاوز نطاق الضرر المرئي. ونقلت رويترز عن الرئيس التنفيذي لقطر للطاقة سعد الكعبي تقديرًا سابقًا بأن الإصلاح الكامل للمعدات الحيوية المتضررة قد يستغرق بين ثلاث وخمس سنوات.

ويعد رأس لفان من أهم مراكز إنتاج الغاز الطبيعي المسال في العالم، ولذلك فإن أي تعطيل طويل فيه ينعكس على الأسواق الدولية وإمدادات الدول المستوردة للغاز، وليس على قطر وحدها.

السعودية.. ضرب محطات على خط شرق–غرب

أما في السعودية، فتوصل التحقيق إلى أن الهجمات أحرقت محطة ضخ وألحقت أضرارًا بمحطتين أخريين على خط أنابيب النفط شرق–غرب، وهو أحد أهم البدائل التي تسمح بنقل النفط من شرق المملكة إلى ساحل البحر الأحمر بعيدًا عن مضيق هرمز.

وتحمل هذه النتيجة أهمية استراتيجية خاصة، لأن الخط يمثل جزءًا أساسيًا من قدرة المملكة على الاستمرار في تصدير النفط عندما تتعرض حركة الناقلات في الخليج للخطر. وتعطيل محطات الضخ يهدد قدرة الخط على العمل بكفاءته المخططة، حتى لو ظلت أجزاء أخرى منه سليمة.

ووثق التحقيق كذلك استهداف مطارات في أربع دول على الأقل، بينها مطار سعودي تعرض للهجوم في أربعة أيام خلال أسبوع واحد، في مؤشر إلى أن الحملة لم تقتصر على منشآت الطاقة، بل امتدت إلى مرافق النقل الجوي ذات الأهمية المدنية والاقتصادية.

منشأة نووية ومصهر ألومنيوم ضمن المواقع المتضررة

من بين الحالات التي رصدتها رويترز إصابة مبنى يضم تجهيزات كهربائية في محطة براكة النووية بالإمارات، ما اضطر أحد مفاعلاتها الأربعة إلى الاعتماد على مولدات الديزل الاحتياطية، وفق المعلومات التي أوردها التحقيق عن الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

كما تناول التحقيق الأضرار الكبيرة التي لحقت بمصهر الطويلة للألومنيوم في أبوظبي، ومواقع للغاز والتكرير، وهو ما يوضح اتساع نطاق التأثير إلى قطاعات صناعية لا تقتصر على النفط الخام.

سبع دول ضمن نطاق التحقيق

شملت خريطة الهجمات التي أعدتها رويترز السعودية والإمارات والعراق وقطر والكويت وعُمان والبحرين. وتنوعت المواقع المستهدفة بين منشآت الطاقة والمطارات ومرافق صناعية أخرى، مع اختلاف حجم الأضرار وطبيعة الأدلة المتاحة لكل حادثة.

وتتبع التحقيق العلاقة بين مواقع الإصابة والوظيفة التشغيلية للمعدات، بدل الاكتفاء بحصر عدد المقذوفات أو الحرائق. وأظهر أن بعض الضربات أفضى إلى آثار متتابعة داخل المنظومات الصناعية، بما في ذلك توقف عمليات أو الحاجة إلى إصلاح أجزاء لا يمكن استبدالها بسرعة.

الأضرار المعلنة وما كشفته الصور

أشار التحقيق إلى أن بيانات رسمية في عدد من الدول نسبت أضرارًا في بعض الحوادث إلى سقوط حطام صواريخ أو مسيّرات جرى اعتراضها. وفي 34 بيانًا رسميًا على الأقل، شددت السلطات على تفسير الأضرار بالحطام، بينما رأى خبراء استعانت بهم رويترز أن نمط إصابة معدات أساسية في عشرات المواقع لا يرجح أن يكون ناجمًا كله عن سقوط حطام عشوائي.

ولا يعني ذلك أن كل حادثة ثبت فيها القصد الدقيق من الاستهداف؛ فقد أقرت رويترز بأنها لم تتمكن دائمًا من تحديد مدى نجاح الدفاعات الجوية أو الحجم الكامل للأضرار من دون زيارة المواقع. كما أن إيران لم ترد على طلب تفصيلي للتعليق، بحسب الوكالة، فيما قالت حكومات خليجية إن قيود نشر صور الأضرار مرتبطة بالسلامة والتحقيقات.

حرب استنزاف للبنية التحتية

توضح حصيلة 135 هجومًا على 84 موقعًا أن إحدى ساحات المواجهة الأساسية في الحرب انتقلت إلى البنية التحتية التي يعتمد عليها الاقتصاد الخليجي والتجارة العالمية، ولا سيما المنشآت التي تشكل بدائل لمضيق هرمز.

فالهجمات على الفجيرة وخط شرق–غرب ورأس لفان تضغط على ثلاث حلقات مختلفة من منظومة الطاقة: تصدير النفط من خارج هرمز، ونقل الخام داخل السعودية، وإنتاج الغاز الطبيعي المسال وشحنه. وعندما تتعطل هذه الحلقات في وقت متقارب، تصبح آثار الحرب أوسع من الخسائر المادية المباشرة في كل موقع.

ويقدم التحقيق صورة عن الكلفة الاقتصادية والاستراتيجية للهجمات الإيرانية وحلفائها منذ فبراير، ويكشف أن تقييم الحرب لا يقتصر على عدد الصواريخ التي أطلقت أو اعترضت، بل يشمل قدرة المنشآت الحيوية على الاستمرار والعمل والتعافي بعد إصابة مكوناتها الأساسية.

اقرأ أيضًا

الصورة: خزانات نفط صناعية في صورة أرشيفية توضيحية، Jimmy Desplanques / Unsplash؛ ليست صورة لإحدى المنشآت المستهدفة في التحقيق.

زر الذهاب إلى الأعلى