د. محمد طاقة: قرارات اقتصادية عبثية غير مدروسة.. تخفيض سعر صرف الدينار العراقي : معالجة العجز أم تحميل المواطن كلفته؟

مقال للدكتور محمد طاقة يناقش أثر تخفيض سعر صرف الدينار العراقي على الموازنة العامة والقوة الشرائية، ويدعو إلى إصلاح هيكلي للاقتصاد
يعاني الاقتصاد العراقي من اختلالات هيكلية عميقة ، تفاقمت بعد الاحتلال الامريكي عام ( ٢٠٠٣) ، وما رافقه من تراجع في مؤسسات الدولة والقاعدة الانتاجية ، وتعطل قطاعات صناعية وزراعية وخدمية ، الأمر الذي أدى إلى ترسيخ اقتصاد ريعي يعتمد بصورة شبه كاملة على الإيرادات النفطية.
وتكمن المشكلة الأساسية في ان العراق ، رغم امتلاكه موارد نفطية كبيرة ، لم يتمكن من توظيفها في بناء اقتصاد متنوع ومنتج ، بل استمر في الاعتماد على النفط لتمويل الموازنة العامة ، في ظل تضخم النفقات الجارية وضعف الاستثمار الانتاجي والاعتماد الكبير على الاستيراد .
ولكن اين تذهب الايرادات النفطية ؟
خلال المدة (٢٠٢٣- ٢٠٢٥) بلغت الايرادات النفطية العراقية ، وفق التقديرات الواردة نحو (٢٨٠) مليار دولار ومع ذلك استمرت مشكلة العجز المالي وتزايدت الحاجة إلى الاقتراض .
وهنا يبرز السؤال الجوهري : لماذا لم تتحول هذه الإيرادات الضخمة إلى قاعدة إنتاجية قوية ، وفرص عمل ، وتحسين الخدمات ، والبنية التحتية ؟
ان المشكلة لا تكمن في حجم الإيرادات وحده ، بل كيفية ادارتها وإنفاقها ، وفي ضعف الرقابة على المال العام ، وما قد يترتب على الفساد المالي والإداري وسوء الادارة من هدر للموارد .
ولذلك فان معالجة العجز تتطلب مراجعة النفقات العامة ، وتعزيز الإيرادات غير النفطية ، ومكافحة الفساد ، وتوجيه الموارد نحو الاستثمار المنتج . بدلاً من استمرار الاعتماد على النفط والاقتراض .
تخفيض سعر الصرف قد يوفّر متنفساً مالياً مؤقتاً، لكنه لا يعالج الاختلالات الهيكلية للاقتصاد.
في السابع من تشرين الاول عام ٢٠٢٦ أعلن تخفيض سعر صرف الدينار العراقي إلى (١٥٢٠) دينار للدولار ، في خطوة يتوقع ان تزيد القيمة بالدينار للإيرادات النفطية المحصلة بالدولار.
ومن الناحية الحسابية ، قد يساعد هذا الإجراء الحكومة على توفير مزيد من الدنانير لتمويل نفقاتها ، لكنه لا يعني زيادة حقيقية في ثروة البلاد او في مواردها الانتاجية . فالحكومة تحصل على ايرادات دولارية ، ثم تتحول هذه الايرادات إلى عدد اكبر من الدنانير ، بينما قد يتحمل المواطن والقطاع الخاص جزءاً من كلفة هذا التغيير .
وتكمن الخطورة في ان العراق يعتمد بدرجة كبيرة على استيراد احتياجاته الأساسية ، مما يجعل انخفاض قيمة الدينار عاملاً محتملاً لرفع اسعار السلع والمواد الاولية والأدوية والمعدات ، وزيادة الضغوط التضخمية ، وتراجع القوة الشرائية للمواطنين ، ولاسيما اصحاب الدخول المحدودة كالمتقاعدين . وعليه ، فان تخفيض سعر الصرف قد يوفر متنفساً مالياً مؤقتاً ، لكنه لا يعالج الاسباب الحقيقية للعجز ، المتمثلة في الاختلالات الهيكلية للاقتصاد وضعف الانتاج المحلي وارتفاع النفقات الجارية .
ارتفاع أسعار السلع المستوردة قد ينقل جزءاً من كلفة الإجراء إلى المواطنين، خصوصاً محدودي الدخل.
كما يتطلب الإصلاح دعم الصناعة والزراعة والإنتاج المحلي ، وتقليل الاعتماد على الاستيراد ، وربط الاقتراض بمشروعات ذات جدوى اقتصادية ، مع اتخاذ اجراءات تحمي الفئات الأكثر تأثراً بارتفاع الاسعار .
ان السياسة الاقتصادية الرشيدة لاتقاس بقدرة الحكومة على توفير الدنانير اللازمة للإنفاق فحسب ، بل بقدرتها على تحقيق الاستقرار المالي وتحسين مستوى المعيشة وبناء اقتصاد منتج .
الإصلاح الحقيقي يبدأ من مراجعة الإنفاق ومكافحة الفساد ودعم الإنتاج المحلي.
فالإصلاح الحقيقي يبدأ من معالجة اسباب المشكلة ، لا من اتخاذ اجراءات مالية قد تخفض الضغوط على الموازنة مؤقتاً ، بينما تنقل جانباً من اعبائها إلى المواطنين .
