د. عبدالسلام سبع الطائي: جيل تشرين يقتحم التاريخ.. ما بعد الساحات … فجرٌ يتجاوز رحيل الحاكم

في ذكرى تشرين، يقرأ د. عبدالسلام سبع الطائي تجربة جيل الاحتجاج من منظور علم اجتماع الثورة والأجيال، ويسائل قدرته على الانتقال من تغيير الوجوه إلى تغيير قواعد الحكم في العراق.
مقدمة: من الاحتجاج إلى انتزاع السلطة
إلى أصحاب الجلالة والإقدام، شهداء شباب تشرين الخالدين؛
في ذكراهم تُرفع القبعات إجلالًا، وتنحني الهامات وفاءً، وإليكم،
انتم الأكرم منّا جميعًا، نهدي لكم هذه الورقة الأكاديمية؛ وفاءً لتضحياتكم، وإيمانًا بأنّ دماءكم أبقت سؤال الحرية والكرامة والعدالة حيًّا في ضمير العراق وأجياله القادمة.
يطلّ تشرين على العراق بسؤال يتجاوز استعادة ذكرى الاحتجاج إلى استشراف مصير السلطة: ماذا يحدث حين تتقاطع ذاكرة جيلٍ انتفض على واقعه مع احتمالات انسحاب القوات الأمريكية من العراق وتغيّر موازين القوة؟ إنّه سؤال الانتقال من تغيير الوجوه إلى تغيير قواعد الحكم؛ وحين يصنع الجيل قواعد المستقبل، يصبح الأمل مشروعًا لتأسيس سلطةٍ تستمدّ شرعيتها من المجتمع وتخضع لإرادته ومساءلته.
▪ هل ينفتح المشهد على سيناريو انسحاب الأمريكان من أفغانستان؟
▪ وهل تستدعي عودة الاحتجاجات قراءة العلاقة بين الحراك الطلابي لشباب العراق وأزمة الحكم التي سبقت سقوط حكومة عبدالكريم قاسم 1963؟
▪ وماذا تكشف المقارنة مع التحوّل السوري وصعود الرئيس الشاب أحمد الشرع ؟
في منظور علم اجتماع الثورة والأجيال، لا يصنع الشباب التحوّل بأعمارهم وحدها، بل بقدرتهم على تحويل تجربتهم المشتركة إلى وعي وتنظيم ومشروع للمستقبل. ومن هنا ينبثق السؤال الأكثر إثارة:
هل يستطيع جيل تشرين قلب العلاقة، فيغدو فاعلًا يعيد تشكيل السلطة، وتصبح السلطة مفعولًا بها تخضع لإرادة التغيير؟
تبحث هذه الورقة شروط هذا الاحتمال وحدوده، وتسائل مستقبل العملية السياسية بعد عودة الاحتجاج؛ فالتاريخ لا يكرّر نتائجه آليًّا، والمستقبل يتشكّل في الصراع بين إرادة التغيير وقدرة النظام على البقاء.
«تشرين في علم اجتماع الثورة»
قد نضطر أحيانًا، توثيقًا للذاكرة وصونًا لتسلسل التجربة، إلى التذكير بدراساتنا الست الموسومة بـ«الموت السريري للعراق وعدة الروح بجيل تشرين»، التي واكبت الاحتجاجات الثورية منذ 2019، وكانت تُوزَّع ورقيًّا على شباب تشرين في ساحات الاحتجاج منذ انطلاقها. وقد سبقت ذلك مساهمتنا، مع ,شخصيات وطنية التقيناهم بمقر الأمم المتحدة جنيف، ومن بينهم شباب الفلوجة الغيارى، في تأسيس «الهيئة المركزية لدعم انتفاضة شباب الاعتصامات في الفلوجة»، لتكون ذراعهم الخارجي في إيصال صوتهم ومساندة مطالبهم.
تناولنا بدراساتنا ولقاؤنا انتفاضة تشرين، نجاحها وتراجعها واحتمالات عودتها، ؛ مستشرفين قدرتها على استعادة زمام المبادرة والتربّع على عرش العراق بإرادة أبنائه، في مستقبل قريب نراه، بأمل وارتياح، وهو أقرب من حبل الوريد. فحين يتحوّل مطلب التغيير إلى وعيٍ متجذّر في الأجيال، يصبح التراجع سؤالًا عن شروط العودة، لا حكمًا بانتهاء الفعل.
انسحاب الأمريكان وسيناريو سقوط النظام بأفغانستان
وتجدر الإشارة إلى أنّنا سبق وان توقّعنا، في تحليلنا المنشور على «الإيرو تايمز» والكاردينا، عودة طالبان بعد خروج القوات الأمريكية من أفغانستان، وهو ما حدث لاحقًا. ونستحضر ذلك تأكيدًا لأهمية استشراف ما قد يكشفه الانسحاب من العراق من تحوّلات في موازين القوى، مع إدراك اختلاف المجتمع العراقي ومساراته عن التجربة الأفغانية. وللمزيد، انظر تحليلنا (1) .
ولطالما ماضينا اكثر اشراقا من حاضرنا فالعراق ليس بحاجة الى قطع علاقة الماضي بالحاضر ! وفي أفق هذه المقاربة، يطلّ جيل تشرين على احتمالٍ تاريخيّ: أن يصبح ما بدا مستحيلًا بالأمس ممكنًا في الغد. ؛ فقد تزامن مسار الانسحاب الأمريكي من أفغانستان مع انهيار نظامها، بما يذكّر بأن موازين القوة التي تبدو راسخة قد تتغير. ومن منظورنا الاستشرافي، قد يفتح انسحاب القوات الأمريكية من العراق، نافذةً لإعادة تشكيل العلاقة بين الشعب والسلطة في المرحلة المرتقبة. وهنا تتجدد مسؤولية جيل تشرين ورجال الظل في الاستعداد بوعي وتنظيم وبرنامج وطني مستقل، لتحويل أي فرصة مقبلة إلى تغيير وطني في قواعد الحكم وبناء دولة المواطنة على غرار تجربة الرئيس السوري الشاب الشرع. فالأمل لا يقوم على انتظار تكرار المشهد الأفغاني، بل على قدرة العراقيين على صنع مسارهم، وحماية دولتهم من الانهيار، واستعادة زمام المبادرة؛ وما بدا متعذرًا بالأمس قد يصبح ممكنًا حين تتهيأ شروطه.
وقد اكدنا بالعديد من الدراسات والمقالات والمقابلات التلفازية بوصف جيل تشرين بانهم ظاهرةً اجتماعيةً وسياسيةً وقانونيةً مركبة، لا مجرد موجة احتجاجية عابرة ارتبطت بالبطالة أو ضعف الخدمات. فقد جاءت الانتفاضة نتيجة تراكم طويل من الأزمات البنيوية التي عاشها المجتمع العراقي بعد عام 2003، وفي مقدمتها هشاشة الدولة، والاقتصاد الريعي، والمحاصصة الطائفية، وأزمة التمثيل السياسي، واتساع الفجوة بين المجتمع والسلطة، وتراجع الثقة بالمؤسسات، وضعف سيادة القانون.
الفاعل والمفعول به: محاولة علمية للتكييف السوسيولوجي لثنائية نحوية
أقدّم في هذا الورقة الاكاديمية محاولةً علميةً لاستعارة ثنائية «الفاعل والمفعول به» من الحقل النحوي وتكييفها سوسيولوجيًا لتحليل تحوّل مواقع الفعل والتأثير بين السلطة والمجتمع، وتطبيقها على العلاقة بين حكومات العراق ذات الارتباط الولائي بإيران ، وجيل تشرين الوطني الحر وجيشهم الوطني الباسل . ويُقصد بالفاعلالطرف القادر على المبادرة وصياغة المطالب والتأثير في القرار، وبالمفعول به الطرف الواقع تحت أثر سياسات غيره وضغوطه.
ومن هذا المنظور، تُقرأ تجربة تشرين بوصفها انتقالًا من غلبة تلقّي السياسات والخضوع لآثارها إلى ممارسة الفعل الوطني ووضع مؤسسات السلطة تحت ضغط المطالبة والاستجابة والمساءلة. ولا يعني ذلك انقلابًا كاملًا أو دائمًا في موازين القوة، بل تحوّلًا في العلاقة بين الحاكم والمحكوم، أي بين الفاعل والمفعول به، تتداخل فيه مواقع الفعل والتأثر وتتغير.
ولست أدّعي أن هذا التكييف يشكّل نظريةً مكتملة، أو أنه يستوعب وحده تعقيدات العلاقة بين المجتمع والسلطة؛ والأجدر بي، تواضعًا علميًا، أن أسمّيه «محاولة علمية» مفتوحة للنقد والمراجعة والاختبار. وأرجو من زملائي الباحثين أن يعينوني على تقويمها، والكشف عن أوجه الخطأ والصواب فيها، وتحديد حدود صلاحيتها التفسيرية؛ فالمعرفة تتقدم بالحوار وتبادل النقد، وتكتسب المحاولة قيمتها مما تتيحه من فهم قابل للفحص والتصحيح.
جيل تشرين وانقلاب المعادلة السياسية: حين يصبح الجيل فاعلًا والسلطة مفعولًا بها
نجحت تشرين في تحويل جيلٍ كان مفعولًا ، خاضعًا للسياسات ومتلقّيًا لآثارها، إلى فاعل اجتماعي وسياسي وقانوني يسعى إلى صياغتها والتأثير في مساراتها؛ وهو تحوّلٌ ينطوي على انقلابٍ في العلاقة بين الفاعل والمفعول به: فبعد أن كانت السياسات تفعل فعلها في الجيل، أصبح الجيل يفعل فعله فيها، وبعد أن كان موضوعًا للفعل، أصبح ذاتًا فاعلةً تُخضع السياسات نفسها للمساءلة والتغيير.
ولتفسير هذا التحوّل، قمنا بتحديد موقع الشباب والجيل والثورة داخل النظريات السوسيولوجية المعاصرة، مبيّنين أن الشباب ليسوا فئة عمرية فقط، بل قوة اجتماعية تتشكل خبرتها الجمعية من خلال الظروف التاريخية والسياسية المشتركة. ومن هنا ظهر الجيل التشريني بوصفه جيلًا نشأ بعد عام 2003، ولم يشارك في تأسيس النظام السياسي لا الحالي ولا السابق، لكنه تحمّل آثار أزماته وفساده وانقساماته.
وفي ضوء هذه الخبرة الجمعية، بيّن تحليل الجذور البنيوية للاحتجاج أن الدولة الريعية لم تتمكن من تحويل الثروة النفطية إلى عقد اجتماعي منتج يقوم على العمل والخدمات والعدالة والمشاركة. وبدلًا من ذلك، ارتبط توزيع الموارد في جوانب عديدة بشبكات الأحزاب والمحاصصة والزبائنية، أي النفعية، والموالية لإيران، مما أدى إلى اتساع الشعور بالحرمان النسبي؛ فالمشكلة لم تكن الفقر المطلق وحده، بل التناقض بين ثروة الدولة النفطية وتدهور حياة المواطنين.
ومن الجهل بجيل تشرين ما قتل .!!
وفي هذا السياق، أشرنا إلى أن لحظة تشرين لم تكن وليدة شرارة منفردة، بل جاءت عندما التقت المظالم المتراكمة بفرصة التعبئة الجماعية. وقد أدى القمع في الأيام الأولى إلى نتيجة عكسية؛ إذ لم يُنهِ الاحتجاج، بل وسّع دائرة الغضب والتضامن، وحوّل المطالب من الوظائف والخدمات إلى مساءلة النظام السياسي بأكمله.
«نريد وطنًا» و«إيران برّه برّه»: من مطلب الوطن إلى رفض النفوذ الإيراني
وعبّر شعار «نريد وطنًا» عن التحول الأعمق في الوعي التشريني؛ فقد انتقل الاحتجاج من المطالبة بحصة داخل النظام إلى المطالبة بإعادة بناء الوطن والدولة والعقد الاجتماعي علاوة على رفض الاحتلال الايراني. وأصبح الوطن يعني دولة المواطنة والكرامة والسيادة والمؤسسات، لا مجرد الأرض أو الانتماء المذهب والعاطفي.
وتجسّد هذا التحول في ساحات الاحتجاج التي أظهرت قدرة المجتمع العراقي على إنتاج مجتمع مدني بديل داخل لحظة استثنائية. فقد نشأت شبكات للتكافل والإسعاف والطعام والتنظيف والنقل والإعلام والفن، وشاركت المرأة والطلبة والأطباء والعمال والفنانون وأصحاب التكتك في تنظيم الحياة اليومية. وأثبتت هذه التجربة أن ضعف الدولة لا يعني بالضرورة ضعف المجتمع، وأن العراقيين قادرون على بناء الثقة والتعاون خارج شبكات الطائفة والحزب.
وفي امتداد هذه الشبكات، أدت الثورة الشبكية دورًا أساسيًا في ربط الساحات ونقل الأخبار والتوثيق وصناعة الرأي العام. وقد منحت القيادة الأفقية الحركة مرونةً واستقلالًا، لكنها حدّت في الوقت نفسه من قدرتها على توحيد القرار وصياغة برنامج سياسي والانتقال المنظم إلى المؤسسات.
ومن منظور علم الاجتماع القانوني، كشفت تشرين عن التناشز بين القانون المكتوب والقانون المعاش؛ فالدستور كفل حرية التعبير والتظاهر، لكن المحتجين واجهوا العنف والقتل والاختطاف والتهديد. وأدى غياب المساءلة الفعالة إلى إضعاف الثقة بالقانون وإنتاج ثقافة قانونية سلبية ترى أن النفوذ قد يتفوق على النص، وأن بعض القضايا يمكن أن تُعطّل عندما تقترب من مراكز القوة.
وفي مواجهة هذا التناشز، تحولت صور شهداء تشرين وأسماؤهم إلى ذاكرة جمعية وقانونية، لا تحفظ الألم فقط، بل تحمل مطالبة مستمرة بالحقيقة والمحاسبة وجبر الضرر. ولذلك لا يكفي الاعتراف بالضحايا شهداء أو تقديم التعويضات لعائلاتهم؛ إذ لا تتحقق العدالة من دون تحديد المسؤولين والتحقيق معهم وإصلاح المؤسسات وضمان عدم تكرار الانتهاكات.
حماية المدنيين بين القانون الدولي وانتقائية التطبيق
تقتضي حماية المدنيين التمييز بين مسؤولية المجتمع الدولي ومشروعية استخدام القوة؛ فـ«مسؤولية الحماية» لا تمنح ترخيصًا مطلقًا للتدخل العسكري خارج ميثاق الأمم المتحدة. وقد أجاز مجلس الأمن، بقراره 1973 الصادر في 17 مارس 2011، اتخاذ التدابير اللازمة لحماية المدنيين في ليبيا، مع استبعاد الاحتلال الأجنبي. ومن ثم، لا تمثل هذه الحالة تدخلًا دون تفويض دولي.
وتثير المقارنة بين الاستجابات الدولية للأزمات تساؤلات بشأن انتقائية تطبيق آليات الحماية، لا بشأن تناقض القواعد القانونية بذاتها. ومن منظورنا، فإن حماية العراقيين والمتظاهرين التشرينيين تستدعي تحركًا دوليًا جادً مثلما حصل بليبيا. وتتمثل البدائل في حماية الناشطين وتزويدهم بأدوات التوثيق والعمل المدني والميداني عن الضرورة، وتعزيز الرقابة الدولية الفعلية.
مرحلة ما بعد الساحات
أما في مرحلة ما بعد الساحات، فقد حققت تشرين بعض النتائج السياسية، مثل استقالة الحكومة والضغط نحو انتخابات مبكرة وتعديل القانون الانتخابي وظهور قوى ناشئة ومستقلين. لكنها لم تتمكن من إنهاء المحاصصة أو بناء بديل سياسي موحد. وكان تحولها الاجتماعي والثقافي أعمق من تحولها المؤسسي؛ فقد غيّرت اللغة السياسية، وعززت الهوية الوطنية، ووسعت مشاركة الشباب والمرأة، وكسرت جانبًا من الخوف من السلطة الرسمية وغير الرسمية، المرجعيات العصبية الإيرانية.
وجمعت الساحات الشباب والمرأة والطلبة والعمال والنقابات والكفاءات، وأثبتت قدرة المجتمع على بناء الثقة والتعاون والتنظيم الذاتي، فيما أسهم الفن والإعلام الرقمي في كسر الخوف وحفظ الذاكرة وتوسيع المشاركة.وكشفت الانتهاكات والإفلات من العقاب أن حماية الحقوق والمحاسبة شرط لبناء الثقة بالدولة، وأن التعويض لا يغني عن الحقيقة والعدالة.
جيل تشرين وأطروحة الفاعل والمفعول به
ولتفسير العلاقة بين اتساع التحول الاجتماعي ومحدودية التحول المؤسسي، يضيف الإطار النظري الفرنسي المركّب لعلم اجتماع الثورة أن الحرمان والإقصاء السياسي قد يتحولان بفعل التسيس إلى تعبئة شبكية، يظهر من خلالها الشباب فاعلًا تاريخيًا، وقد تتوسع التعبئة إلى أزمة متعددة القطاعات، فيما تمنح مشاعر الغضب والكرامة الحركة طاقتها السيكولوجية، وتكشف أزمة التمثيل والشرعية السياسية. ومن ثم تُقرأ تشرين بوصفها عودةً للفاعل الاجتماعي بعد أن كان مفعولًا به، ومحاولةً لإنتاج المجتمع والدولة من داخل المجال العام.
وتستكمل المقاربة البريطانية هذه القراءة بإبراز أن الوعي التشريني لم يكن معطًى سابقًا على الاحتجاج، بل تكوّن من الخبرة التاريخية المشتركة للشباب، وأن الفاعلين استخدموا موارد البنية الاجتماعية والرقمية لمقاومة قواعدها، وأن جمهور الساحات كان قوةً اجتماعيةً متنوعةً وواعيةً بمطالبها. وتكشف المقارنة مع الثورة الفرنسية للشباب والطلبة عام 1968 وثورة الطلبة وإضراب البنزين في العراق عام 62-1963 التي أسقطت نظام عبدالكريم قاسم، أن انتقال الاحتجاج إلى ثورة مكتملة يحتاج، إلى جانب اتساع التعبئة وتحول الوعي، إلى بناء شرعية بديلة.
ويفضي هذا البناء النظري، من منظورنا، إلى نتيجة جامعة: لقد صنع علم اجتماع الأجيال هوية «جيل تشرين»، وفسّر علم اجتماع الثورة انتقاله من التذمر إلى الفعل، وكشف علم الاجتماع السياسي أزمة الشرعية والتمثيل، وأظهر علم الاجتماع القانوني الفجوة بين الحق وتطبيقه. وفي قلب ذلك كله تبرز أطروحتنا في الفاعل والمفعول به؛ إذ أصبح الجيل التشريني فاعلًا يحدد المطالب ويعيد صياغة المجال العام، بينما تحولت الحكومة والبرلمان والقضاء إلى مفعول به، ومؤسسات موضوعة تحت ضغط الاستجابة والمساءلة.
وبذلك يمكن النظر إلى تشرين، وفق رؤيتنا السوسيولوجية الأكاديمية، بوصفها انتقالًا للمجتمع العراقي من الموت السريري إلى عودة الروح والانتعاش من جديد. غير أن اكتمال هذا الانتعاش يظل مشروطًا بتحويل الطاقة الاجتماعية والوطنية التي ظهرت في الساحات إلى مؤسسات مدنية وسياسية وقانونية تحمي المواطنة وتعيد بناء الدولة.
تشرين أمام الاختبار: من رحيل الحاكم إلى تغيير قواعد الحكم
وتتضح إمكانات هذا التحول وحدوده من خلال المقارنة بتجارب الاحتجاج السلمي. ففي الفلبين، بلغت ثورة «قوة الشعب» ذروتها 25 فبراير 1986، حين تضافرت الحشود الشعبية مع انشقاقات داخل المؤسسة العسكرية، وانتهى حكم فرديناند ماركوس.
وفي جورجيا، دفعت «ثورة الورود» عام 2003 إدوارد شيفرنادزه إلى الاستقالة، وانتهت المواجهة بانتقال سلمي للسلطة. وفي تشيكوسلوفاكيا، أسهمت التعبئة الطلابية والشعبية الواسعة في إنهاء الحكم الشيوعي خلال «الثورة المخملية» عام 1989.
وعلى الصعيد العربي، تكشف المقارنة ضرورة التمييز بين رحيل الحاكم وتغيير قواعد الحكم. ففي الجزائر، استقال عبد العزيز بوتفليقة في أبريل 2019 تحت ضغط الحراك الشعبي والمؤسسة العسكرية. وفي السودان، أعقب الاحتجاجات الشعبية عزلُ الجيش عمرَ البشير في الشهر نفسه؛ فلم يكن خروجه استقالةً طوعية. وفي لبنان، دفعت احتجاجات أكتوبر 2019 سعدَ الحريري إلى تقديم استقالة حكومته.
أما سقوط حكم بشار الأسد وفراره 2024، فجاء مع تقدّم قوات المعارضة المسلحة تحت قيادة الرئيس المدني الشاب احمد الشرع بعد سنوات من الحرب أدى الى رحيل الحاكم وتغيير قواعد الحكم.
وفي العراق، أسهم ضغط جيل تشرين واحتجاجاته الشعبية في إجبار رئيس الوزراء عادل عبد المهدي على تقديم استقالته عام 2019، بما أظهر قدرة الفاعل التشريني على فرض تغيير في رأس الحكومة، كخطوة نحوتغيير قواعد الحكم القائمة في القريب العاجل.
لا ثورة بلا جيش… وللعراق خصوصيته
ومن منظورنا، تُظهر هذه التجارب أن قدرة المجتمع على دفع الحاكم إلى الرحيل لا تعني بالضرورة قدرته على تغيير قواعد الحكم؛ وهنا يتحدد التحدي الاستشرافي أمام القوى التشرينية: كيف تتحول عودة الفاعل التشرينيالمرتقبة إلى قدرة مستدامة على صناعة القرار ومراقبته؟ وكيف يصبح انكسار الخوف بدايةً لبناء دولة المواطنة، وتصبح مساءلة السلطة ممارسةً مؤسسية دائمة تتجاوز لحظة الساحات؟
وهكذا تؤكد تجربة تشرين أن الثورة الاحتجاجية لا تتحول تلقائيًا إلى تغيير مؤسسي. فهي تحتاج إلى الانتقال من العفوية إلى التنظيم، ومن الشعار إلى البرنامج، ومن القيادة الأفقية المتفرقة إلى القيادة الجماعية الديمقراطية، ومن نقد القانون إلى المشاركة في صناعته ومراقبة تطبيقه.
جيل تشرين: نحو عودة تصنع قواعد الحكم ولا تكتفي بتغيير الحاكم
ولكي تصبح العودة المرتقبة خطوةً نحو تغيير قواعد الحكم، نقترح على جيل تشرين بما يأتي:
1. بناء إطار تنسيقي ديمقراطي مستقل، بقيادة جماعية منتخبة وتداول للمسؤوليات، يمنع احتكار اسم تشرين.
2. صياغة برنامج وطني قابل للتطبيق، يترجم شعار «نريد وطنًا» و «إيران برّه برّه» إلى سياسات للعمل والخدمات والتعليم والصحة واستقلال القضاء ومساءلة السلطة، مع تدريب الشباب على التشريع والإدارة والتفاوض والرقابة.
3. توسيع التحالفات المجتمعية مع النقابات والجامعات والعمال والكفاءات، وضمان مشاركة المرأة الفعلية في القيادة وصنع القرار، وتعزيز التواصل بين ناشطي الداخل والجاليات العراقية ضمن إطار وطني مستقل.
4. التمسك بعدالة قضية الضحايا، والمطالبة بإعلان نتائج التحقيقات ومحاسبة المسؤولين وحماية الشهود وعلاج الجرحى وجبر الضرر.
5. إنشاء أرشيف وطني مستقل لذاكرة تشرين، يحفظ وثائقها وجدارياتها وشهاداتها وموادها الرقمية، ويوثّق أسماء الشهداء والجرحى والمختطفين والمفقودين مع احترام خصوصية الأسر، ودعم الفن والمسرح والأدب والسينما لحفظ الذاكرة وتعزيز الحوار.
6. دعم الدراسات الجامعية عن تشرين من منظور علم اجتماع الأجيال والثورة وعلمي الاجتماع السياسي والقانوني، واختبار أطروحة «الفاعل والمفعول به» ميدانيًا ومقارنًا.
7. بناء إعلام مستقل وموثوق، بإنشاء منصات للتحقق من الأخبار والصور، وتدريب الناشطين على التوثيق الرقمي وحفظ الأدلة وحماية البيانات والشهود، واعتماد مدونات أخلاقية تميّز الخبر من الرأي وتمنع التشهير وخطاب الكراهية.
إن عودة تشرين التي نراها قريبة، أفقٌ يُصنع بالاستعداد والعمل، وليست موعدًا يمكن الجزم به. وتبدأ منذ الآن باستعادة الثقة وتنظيم الصفوف وبناء البدائل؛ فالجيل الذي انتقل من موقع المتأثر بالسياسات إلى موقع الفاعل يمتلك تجربةً يبني عليها. وحين يقترن الأمل بالمعرفة والتنظيم والمثابرة، يصبح الهدف جيلا يشارك في صناعة القرار، وقواعد حكم تُخضع كل حاكم للمساءلة، ودولةً تكون للمواطنين، يعمر فيها الاخيار ما دمره الاشرار.
مقالات سابقة للدكتور عبدالسلام سبع الطائي
8 آب 1988… حين غيّر جيش العراق ميزان الشرق الأوسط
حين تُغلق البحار تُفتح جبهة العراق.. من هرمز والأنبار إلى بحر الصين الجنوبي
بعض المراجع والهوامش
1. عبدالسلام الطائي، «هلاك إيران بأذربيجان وأفغانستان!»، صحيفة يورو تايمز، 8 تشرين الثاني/نوفمبر 2021. صحيفة يورو تايمز
2. عبدالسلام سبع الطائي، «المجتمع العراقي بعد الاحتلال: من الموت السريري إلى عودة الروح»، قراءة في علم الاجتماع، الحلقة الأولى، صحيفة يورو تايمز، 17 حزيران/يونيو 2022. صحيفة يورو تايمز
3. عبدالسلام سبع الطائي، «المجتمع العراقي بعد الاحتلال: من الموت السريري إلى عودة الروح — قراءة في علم الاجتماع، الحلقة الأولى»، مركز الخليج للدراسات الإيرانية، [
4. »، مجلة الگاردينيا الثقافية، 21 تموز/يوليو 2022. algardenia.com
5. عبدالسلام سبع الطائي، «المجتمع العراقي من الموت السريري إلى عودة الروح: الجيش والرايات التشرينية المرتقبة»، صحيفة يورو تايمز، 15 أيلول/سبتمبر 2022. صحيفة يورو تايمز
6. عبدالسلام سبع الطائي، «بوحدة القيادة ورمزية المفكرين تعلو الرايات»، الميثاق الوطني العراقي، 6تشرين الثاني/نوفمبر 2022، بحسب فهرس المقالات في الموقع. مقالات
7. عبدالسلام الطائي، «تأكسد إيران بأفغانستان وأذربيجان!»، مركز الخليج للدراسات الإيرانية، 7 تشرين الثاني/نوفمبر 2021. مركز الخليج للدراسات اﻹيرانية
8. عبدالسلام سبع الطائي، «المجتمع العراقي بعد الاحتلال من الموت السريري إلى عودة الروح/ 1»، وجهات نظر، 17 يونيو,2022.
