نزار العوصجي: هكذا يُراد للعراقي أن يكون

يرى نزار العوصجي أن أخطر ما يواجه المجتمع العراقي هو اعتياد الخطأ والفساد والظلم، وتحول الصمت من استثناء إلى وسيلة للبقاء.
في ظل مايجري على أرض الواقع من قمع وترهيب، يبدو أن المطلوب من العراقي اليوم ليس أن يكون مواطناً فاعلاً في وطنه، ولا أن يسأل عن حقه، ولا أن يطالب بدولة تحترم القانون، بل أن يكون مواطناً صامتاً، لا يرى إلا ما يُسمح له برؤيته، ولا يسمع إلا ما يُراد له أن يسمعه، ولا يقول إلا ما لا يزعج أحداً.
يُراد له أن يجانب الحقيقة، وأن يصم أذنيه عن سماع صوت الحق، وأن يغمض عينيه عن رؤية الواقع مهما بلغ من سوء، وأن يتغاضى عن الأخطاء والتجاوزات والجرائم التي تقع أمام أنظاره، وكأن الاعتراض عليها شأن لا يعنيه.
يُراد له أن يسكت عندما يُقال الباطل، وأن يتردد عندما يحين وقت قول الحقيقة، وأن يخشى من رفع صوته بالمطالبة بحقه، وأن يتوقف عن التذمر مهما بلغت الإساءة، وكأن الصمت أصبح شرطاً من شروط السلامة.
يُراد له أن يفسح الطريق أمام المسيء كي يواصل إساءته، وأمام الفاسد كي يستمر في فساده، وأمام المتجاوز كي يتمادى في تجاوزه، وألا يكون حجر عثرة أمام أي مشروع يعبث بمقدرات الدولة والمجتمع.
والأخطر من ذلك كله أن يُراد له أن يعتاد المشهد.
فالفساد إذا تكرر أصبح مألوفاً، والظلم إذا طال أصبح جزءاً من الحياة اليومية، والتجاوز إذا لم يجد اعتراضاً تحول إلى ممارسة عادية، والخطأ إذا بقي بلا محاسبة تحول مع الزمن إلى قاعدة.
وهنا تكمن الخطورة الحقيقية.
فالمشكلة ليست في وجود الخطأ وحده، وإنما في أن يفقد المجتمع حساسيته تجاه الخطأ؛ وليست المشكلة في أن يرتكب شخص أو جهة تجاوزاً، بل في أن يصبح التجاوز أمراً لا يستحق الاعتراض.
«الأخطر من ذلك كله أن يُراد له أن يعتاد المشهد.. فالفساد إذا تكرر أصبح مألوفاً، والظلم إذا طال أصبح جزءاً من الحياة اليومية.»
لكي تحفظ كرامتك في العراق، عليك أن تتعلم كيف تكون كالنعامة؛ أن تدفن رأسك في الرمل، وتغضّ الطرف عن الحقيقة، وتصمّ أذنيك عن سماع صوتها، وتلتزم الصمت أمام الخطأ، وتتظاهر بأنك لا ترى ما يجري من حولك، عندها فقط قد تتمكن من تجنّب الأذى.
هكذا يصبح الصمت وسيلةً للبقاء، وغضّ الطرف ثمنًا للسلامة، والتغاضي عن الظلم شرطًا للعيش.
لكن الوطن الذي يُطلب من أبنائه أن يدفنوا رؤوسهم في الرمل كي يحفظوا كرامتهم، هو وطنٌ يحتاج إلى أن يستعيد فيه الإنسان حقه في أن يرى، ويسمع، ويتكلم، ويقول الحقيقة دون أن يخشى ثمنها.
فليس العيب أن يرى الإنسان الحقيقة، وإنما العيب أن يُجبر على إنكارها كي يعيش.
«هكذا يصبح الصمت وسيلةً للبقاء، وغضّ الطرف ثمنًا للسلامة، والتغاضي عن الظلم شرطًا للعيش.»
عندما يصل الإنسان إلى مرحلة يرى فيها الخطأ ولا يتحدث، ويسمع الباطل ولا يعترض، ويشهد الظلم ولا يتحرك، فإنه لا يكون قد خسر حقه في الكلام فقط، بل يكون قد بدأ يفقد إحساسه بالمواطنة.
الوطن لا يحتاج إلى مواطن صامت خوفاً، ولا إلى مواطن يتغاضى عن الخطأ حفاظاً على مصالحه، ولا إلى مواطن يقبل بالإساءة لأنه أقنع نفسه بأن الاعتراض لن يغير شيئاً.
الوطن يحتاج إلى مواطن يعرف حقوقه، ويدرك مسؤولياته، ويميز بين الحق والباطل، ويقول كلمته عندما يكون الصمت خذلاناً للحقيقة.
ليس المطلوب أن يتحول العراقي إلى خصم دائم لأحد، ولا أن يعيش في حالة صدام مستمر مع المجتمع والدولة؛ المطلوب فقط ألا يفقد حقه الطبيعي في السؤال والاعتراض والمطالبة والمحاسبة ضمن القانون.
فالدولة التي تريد لمواطنيها الصمت الدائم لا تبني مواطنة، والمجتمع الذي يتعايش مع الخطأ حتى يصبح عادياً يفتح الباب أمام أخطاء أكبر.
والأوطان لا تنهار فجأة.
إنها تبدأ بالتراجع عندما يعتاد الناس على ما كان مرفوضاً، ثم يقبلون بما كان غير مقبول، ثم يصمتون عما كانوا بالأمس يرفضونه، حتى يأتي اليوم الذي يصبح فيه الدفاع عن الحقيقة هو السلوك الغريب، بينما يصبح الصمت هو السلوك الطبيعي.
«الوطن يحتاج إلى مواطن يعرف حقوقه، ويدرك مسؤولياته، ويميز بين الحق والباطل، ويقول كلمته عندما يكون الصمت خذلاناً للحقيقة.»
وهنا يصبح السؤال الحقيقي:
هل يُراد للعراقي أن يكون مواطناً له صوت وحق وموقف، أم مجرد متفرج على وطنه؟
إن العراق لا يحتاج إلى مواطن بلا موقف، بل إلى مواطن واعٍ يعرف أن السكوت عن الخطأ لا يلغي وجوده، وأن التغاضي عن الظلم لا يجعله عدلاً، وأن تجاهل الحقيقة لا يغير الواقع.
فالحقيقة لا تختفي لأننا أغمضنا أعيننا عنها، والواقع لا يتغير لأننا صمتنا، والفساد لا يتوقف لأننا غضضنا الطرف عنه.
وإذا كان المطلوب من العراقي أن يصمت اليوم عن الخطأ الصغير، فسوف يُطلب منه غداً أن يصمت عن الخطأ الأكبر.
والحبل على الجرار، كما يقولون..
مقالات سابقة للكاتب
نزار العوصجي: روبيو و«بلقنة العراق».. هل دخل ملف الميليشيات مرحلة كسر المحظورات؟
