آراء

نزار العوصجي: من المظلومية إلى المحاصصة

حين تتراجع الكفاءة أمام الهوية..
من أغرب المفارقات التي أفرزتها التجربة العراقية بعد عام 2003، أن الإنسان العراقي الذي يبحث عن الأفضل في كل تفاصيل حياته، أصبح يُطلب منه أن يتخلى عن هذا المعيار عندما يتعلق الأمر بإدارة الدولة.
فحين يمرض، لا يسأل طبيبه: ما مذهبك؟
وحين يريد بناء منزله، لا يسأل المهندس: إلى أي قومية تنتمي؟
وحين يرسل أبناءه إلى المدرسة، لا يبحث عن معلم من طائفته.
وحين يشتري سلعة، لا يهتم عادةً بهوية صاحب المصنع، وإنما بجودة المنتج.
وحين يدخل مطعماً، يبحث عن النظافة وحسن الخدمة والمذاق الجيد، ولا يطلب شهادة طائفية من صاحب المطعم قبل أن يطلب وجبته.
فلماذا، إذن، عندما يصل الأمر إلى الدولة، تنقلب كل هذه المعايير رأساً على عقب؟
لماذا تصبح هوية المسؤول أهم من كفاءته؟
ولماذا يصبح انتماؤه الطائفي أو القومي أو الحزبي أحياناً مؤهلاً للحصول على المنصب، بينما تصبح خبرته وقدرته ونزاهته مجرد تفاصيل يمكن تجاوزها؟
هنا تبدأ المشكلة الحقيقية.

لا يمكن إنكار أن بعض العراقيين، مروا بمراحل قاسية كونهم اقلية، وأن معالجة آثار الماضي وتحقيق العدالة بين المواطنين أمر مشروع وضروري.
لكن هناك فارقاً كبيراً بين رفع المظلمة وتحويلها إلى عدالة، وبين تحويل المظلومية إلى مشروع سياسي دائم لإعادة توزيع السلطة.
فالعدالة تعني أن يحصل المواطن على حقه لأنه مواطن.
أما المحاصصة فتعني أن يحصل الشخص على موقعه لأنه يمثل جماعة، والفرق بين الاثنين ليس بسيطاً.
في العدالة، يكون الإنسان هو محور الدولة.
أما في المحاصصة، فتتحول الجماعة إلى محور الدولة، ويصبح الفرد مجرد رقم في معادلة سياسية أكبر منه.
وهنا تبدأ الدولة بالتآكل من الداخل.

الدولة ليست شركة مساهمة تملك كل طائفة فيها نسبة من الأسهم، وليست مؤسسة تُقسّم إداراتها وفق جدول حسابي بين الأحزاب والقوميات والمذاهب.
الدولة ملك لجميع مواطنيها.
والوزارة ليست «حصة» لهذا الحزب، والسفارة ليست «استحقاقاً» لتلك الكتلة، والهيئة المستقلة ليست جائزة انتخابية، والمنصب العسكري أو الأمني ليس ملكاً لجماعة بعينها.
المنصب العام مسؤولية، ومن ينجح فيه يجب أن يُكافأ على نجاحه، ومن يفشل يجب أن يُحاسب على فشله، بغض النظر عن اسمه أو مذهبه أو قوميته.
أما أن يصبح المسؤول محصناً خلف جماعته، بحيث يتحول نقد أدائه إلى اعتداء على طائفته، فهذه هي اللحظة التي يصبح فيها الانتماء وسيلة لتعطيل المساءلة.

ان المحاصصة لم تجعل العراقي أكثر مواطنة، بل دفعته في كثير من الأحيان إلى الاحتماء بهويته الفرعية.
فبدلاً من أن يقول المواطن: أنا عراقي، وهذه دولتي.
أصبح مضطراً أحياناً إلى السؤال: من يمثلني؟ ومن يحمي حصتي؟
وهذه كارثة سياسية واجتماعية.
لأن المواطن الذي يشعر أن حقوقه لا تُضمن إلا من خلال طائفته أو قوميته أو حزبه، لن يرى الدولة دولةً له، وإنما سيرى فيها ساحة صراع بين جماعات.
وعندما يفقد المواطن ثقته بالدولة، يبدأ بالبحث عن دولة بديلة داخل الدولة: حزب يحميه، جماعة تسنده، أو جهة نافذة تفتح له الأبواب.
وهكذا تتحول المؤسسات من أدوات لخدمة المواطن إلى أبواب لا تُفتح إلا بالمفاتيح الحزبية.

ان الكفاءة لا طائفة لها، فهناك طبيب شيعي بارع، وطبيب سني بارع، وطبيب مسيحي بارع، وطبيب كردي بارع.
وهناك أيضاً طبيب من كل هذه الانتماءات يمكن أن يكون ضعيفاً أو غير كفوء.
إذن، ما علاقة المذهب بالكفاءة؟
وهناك مهندس عراقي يمكن أن يبني جسراً عظيماً، وآخر قد يعجز عن إدارة مشروع صغير، فهل نسأل عن مذهبه قبل أن نسأل عن شهادته وخبرته؟
هذه البديهيات التي نطبقها في حياتنا اليومية، لماذا نعجز عن تطبيقها في الدولة؟
الكفاءة لا دين لها، والنزاهة لا قومية لها، والفساد لا مذهب له، والنجاح لا طائفة له، هذه هي القاعدة التي ينبغي أن تقوم عليها الدولة.
المشكلة ليست فقط في حصول غير الكفوء على منصب.
المشكلة الأكبر أن يتم الدفاع عنه باعتباره ممثلاً لطائفة أو قومية، بحيث يصبح نقده وكأنه استهداف للمكوّن الذي ينتمي إليه، وهنا تقع الخدعة الكبرى.
فالسياسي الفاشل لا ينبغي أن تختبئ وراءه طائفته، والسياسي الفاسد لا ينبغي أن يتحول فساده إلى قضية طائفية، والسياسي الناجح لا ينبغي أن يحتكر نجاحه باسم جماعته.
المسؤول يُحاسب بصفته مسؤولاً.
ويُكرّم بصفته ناجحاً، ويُعاقب بصفته مخالفاً للقانون، لا بصفته شيعياً أو سنياً أو كردياً أو مسيحياً أو عربياً.
هذه هي الدولة التي نريدها.

لا نريد إقصاء أحد، بل نريد إقصاء المحاصصة، والحديث عن دولة المواطنة لا يعني إقصاء مكوّن أو حرمان طائفة من حقوقها.
على العكس تماماً.
دولة المواطنة هي الضمان الحقيقي للجميع، فالشيعي لا يحتاج إلى وزير شيعي يحمي حقه؛ يحتاج إلى دولة قانون تحمي حقه.
والسني لا يحتاج إلى حزب سني يضمن مستقبله؛ يحتاج إلى مؤسسات عادلة.
والكردي لا يحتاج إلى موظف كردي في كل مؤسسة؛ يحتاج إلى دولة تحترم حقوقه.
والمسيحي لا يحتاج إلى أن يكون المسؤول من دينه حتى يشعر بالأمان؛ يحتاج إلى دولة تحمي حياته وكرامته وملكيته وحريته بالقانون.
عندما تصل الدولة إلى هذه المرحلة، يصبح المواطن مطمئناً حتى لو كان المسؤول الذي أمامه من مذهب أو قومية مختلفة.
لأنه يعرف أن حقوقه ليست بيد المسؤول، وإنما بيد القانون.
العراق لا يحتاج إلى ممثلين للطوائف، بل إلى رجال دولة.
العراق بحاجة إلى رجال دولة، لا إلى وكلاء طوائف.
بحاجة إلى مسؤول عندما يدخل مكتبه يشعر أن أمامه ملايين العراقيين، وليس أبناء جماعته فقط.
بحاجة إلى وزير يرى الوزارة أمانة، لا غنيمة.
بحاجة إلى نائب يرى البرلمان مؤسسة تشريعية ورقابية، لا منصة لحماية المصالح الحزبية.
بحاجة إلى موظف يعرف أن راتبه من المال العام، وأن المال العام ليس مال الحزب ولا مال الوزير ولا مال الطائفة.
وبحاجة قبل كل شيء إلى مواطن يثق بأن الدولة ستعامله بعدالة، حتى لو لم يكن له حزب أو واسطة أو جهة نافذة تقف خلفه.

لقد آن الأوان لأن نخرج من السؤال: من يمثل هذه الطائفة؟
إلى السؤال الأهم: من هو الأكفأ لخدمة العراق؟
وأن نخرج من منطق: هذه حصتنا.
إلى منطق: هذه مسؤولية، فمن هو الأقدر على حملها؟
فالعراق لن ينهض عندما تتساوى حصص الأحزاب، وإنما عندما تتساوى حقوق المواطنين.
ولن يصبح قوياً عندما تتفق الطوائف على تقاسم السلطة، وإنما عندما تتفق على أن الدولة فوق الجميع.
ولن تنتهي المظلومية عندما تنتقل السلطة من يد جماعة إلى يد جماعة أخرى، بل عندما يصبح القانون هو الحَكَم الوحيد بين العراقيين.
فالذي يبحث عن طبيب لا يبحث عن طائفته، وإنما عن كفاءته.
والذي يبحث عن مهندس لا يبحث عن قوميته، وإنما عن خبرته.
والذي يبحث عن معلم لا يبحث عن مذهبه، وإنما عن قدرته على التعليم.
فلماذا لا نفعل الشيء ذاته عندما نبحث عمن يدير العراق؟
إن كان الوطن واحداً، فالمعيار يجب أن يكون واحداً.
الكفاءة أولاً، والنزاهة أولاً، والوطن أولاً، أما الهوية، فتبقى حقاً مصاناً للإنسان، لا شرطاً لتولي الدولة..

زر الذهاب إلى الأعلى