د. رياض عبدالستار الدليمي: العراق الذي تركناه لإيران.. رسالة عتب إلى العرب والخليج ومصر من 1990 إلى 2003… ثم إلى اليوم

ثمة أسئلة لا يجوز أن تموت بمرور الزمن، وأخطاء سياسية قد تُنسى ظاهرياً، لكن نتائجها الكارثية تحوم حول حاضرنا وتصنع مستقبل أجيالنا.
ومن بين تلك الأسئلة، سؤال عراقي حان وقت طرحه بكل صراحة وجرأة؛ لا بدافع الخصومة، ولا رغبة في جلد الذات أو الآخرين، وإنما انطلاقاً من المسؤولية العربية والأخلاقية القومية:
لماذا أعطيت إيران فرصاً عديدة ومتكررة للحلول الدبلوماسية والتفاوض وتجنب الدمار، بينما أُغلق باب الحلول أمام العراق، والدُفع به نحو الحرب والاحتلال وتفكيك الدولة؟
كيف سُمح بأن تُباع البوابة الشرقية للأمة وتُترك للدمار مقابل ترتيبات وحوافز مرحلية ضيقة، ليدفع الجميع لاحقاً أضعاف ما توهموا أنهم كسبوه؟
وبعد أن سقط العراق عام 2003، لماذا تركه الأشقاء ليتحول قرار سيادته وجغرافيته إلى ساحة نفوذ مفتوحة لطهران؟
إنها ليست محاكمة لإدانة أحد، بل هي رسالة عتب صريحة إلى أشقاء.
- خطيئة القيادة.. وجريمة إسقاط الدولة:
لا ينكر أحد في العراق خطيئة غزو الكويت عام 1990؛ فقد كان قراراً كارثياً اتخذته القيادة منفردة، واستحق الموقف القومي الصارم لإعادة الحق إلى أهله. لكن الحكمة الاستراتيجية تتطلب دائماً التمييز بين:
معاقبة النظام.. وبين إسقاط المقومات العميقة للدولة.
إدانة الخطيئة.. وبين إخراج العراق كلياً من معادلة التوازن العربي.
خرج العراق من حرب السنين الثماني محاطاً بديون سياسية واقتصادية طائلة ناهزت 37 مليار دولار لدائنيه الخليجيين، بعد أن شكل السد المنيع أمام تمدد الثورة الإيرانية. وبدلاً من إيجاد صيغة احتواء عربية تحمي الدولة والمنطقة، انسدت أبواب الحوار وتصاعدت الأزمة وصولاً إلى الانفجار. - الحوافز الدولية وثمن المقايضة:
حين اندلعت أزمة 1990، سارعت واشنطن لبناء تحالف دولي وإقليمي. وهنا تكشف الوثائق الأمريكية الرسمية حقيقة التوازنات التي أدارت المشهد:
في أغسطس 1990، قررت إدارة الرئيس جورج بوش الأب إلغاء نحو 7.1 مليار دولار من الديون العسكرية المصرية للولايات المتحدة.
صدر قرار رئاسي أمريكي وقانون اعتمادات صريح يربط هذا الإلغاء بدعم الانتشار العسكري الأمريكي ونجاح عملية “درع الصحراء”.
هذه الحقائق التوثيقية لا تُساق للطعن في دور مصر أو إنكار موقفها السياسي الرافض للحرب لاحقاً، بل لتكشف واقعية السياسة الدولية التي قامت على “الحوافز والمكافآت الاستراتيجية”. والسؤال القومي الممتد هو: إذا كان العالم يقدم الحوافز والصفقات لإدارة التحالفات، فلماذا عجز العرب عن تقديم مبادرة قومية شجاعة تحفظ العراق وتجنب المنطقة الويلات؟ لقد بيع جدار الأمة الشرقي بحسابات مرحلية قصيرة النظر، لتدفع المنطقة لاحقاً في أمنها واستقرارها أضعاف تلك الأرقام والحسابات. - المفارقة المأساوية:
فرص لإيران.. ودمار للعراق..!
تتجلى المفارقة التاريخية والأخلاقية في طريقة التعامل مع الخصوم؛ فإيران، رغم كل تهديداتها الصريحة واستراتيجيتها القائمة على تصدير الثورة والميليشيات، ودورها في خراب لبنان واليمن وسوريا والعراق، حظيت بمسارات تفاوضية ماراثونية متعددة (منذ 2003 وصولاً إلى الاتفاق النووي عام 2015) والى يومنا هذا 2026، للوصول إلى تسويات وجنبها الخيار العسكري الشامل.
بينما العراق، الذي يمثل عمقاً عروبياً خالصاً، لم يُمكّن من أي مشروع عربي جاد للإنقاذ؛ حتى المبادرات التي طرحت قبيل حرب 2003 (كمبادرة قمة شرم الشيخ) قُتلت في مهدها دون أن تتحول إلى خريطة طريق تنفيذية تقي الدولة العرقية شر التفجير والتفكيك. - الفراغ الذي أكل الجميع
حين اجتاحت القوات الغازية بغداد عام 2003، جرى العمل فوراً على حل الجيش العراقي وتفكيك مؤسسات الدولة، مما خلق أعمق فراغ أمني في تاريخ الشرق الأوسط.
وفي الوقت الذي انسحب فيه العرب وتملكهم الشك والحذر من العراق الجديد، لم تتردد إيران؛ بل اندفعت فوراً لملء الفراغ عبر الأحزاب والنفوذ السياسي والأمني. وهكذا، تحول العراق من جدار صد للخليج والعرب إلى ساحة تنطلق منها التهديدات لخاصرة المنطقة بأسرها. - العتب والدرس الحاضر:
إلى السعودية والخليج:
هل أصبح أمن المنطقة أكثر حصانة بعد 2003؟ أم إن النفوذ الذي حاربتموه على الحدود أصبح اليوم يحيط بالجميع من كل جانب؟
إلى مصر والعواصم المركزية:
لماذا لم يُستثمر الثقل القومي لفرض خيار يحفظ الدولة العراقية بدلاً من تركها تتهاوى تحت وطأة السلاح الأجنبي؟
إن البحث اليوم عن تحالفات دفاعية ومظلات أمنية بعيدة لتأمين المنطقة يسلط الضوء مجدداً على الحقيقة الغائبة: لا أمن للشرق العربي بدون استعادة العراق لسيادته ودولته وسلاحه الموحد. زفرة العتب القومي
ولعل أبلغ ما يُختم به هذا العتب الأخوي، هو تلك الأبيات التي تختصر تحولات المشهد من بزوغ الأمل الإقليمي إلى حرقة الجرح العراقي المهدور:
بَزَغَ الهِلالُ
بَزَغَ الهِلالُ ووَجْهُ سُورِيَا أَبْشَرَا
وَتَهَدَّمَتْ تِلْكَ العُرُوشُ وَأُدْبِرَا
وَتَفَكَّكَتْ تِلْكَ المَطَامِعُ بَعْدَمَا
كَانَ الخَيَالُ بَنَى لَهَا أَنْ تُشْهَرَا
وَاليَوْمَ يُبْنَى للتَّوَازُنِ مَعْقِلٌ
حِلْفٌ يَرُدُّ المَغْتَرِينَ إلَى الوَرَا
بَيْنَ الرِّيَاضِ وَبَاكِسْتَانَ ومَعْ أَنْقَرَةْ
سُورٌ مَكِينٌ لا يُضَامُ وَلا يُرَى
حِصْنٌ بِمَكَّةَ شِيدَ يَحْمِي أُمَّةً
لَمَّا رَأَتْ كَيْدَ العُدَاةِ تَفَجَّرَا
لَكِنَّ فِي صَدْرِ القَصِيدَةِ زَفْرَةً
تَبْكِي العِرَاقَ وَمَا جَنَاهُ الإِنْشِرَا
عَتَبِي عَلَى العَرَبِ الأُلاَةِ إِذِِ انْثَنَوْا
وَتَرَكُوهُ لِلْبَاغِي يَصُولُ وَيَمْكُرَا
ضَاعَ العِرَاقُ يَوْمَ أُهْدِرَ رُكْنُهُ
فَغَدَا جِوَارُ القَوْمِ جُرْحاً أَبْتَرَا
لَوْلا العُرُوبَةُ أَنْ تُعَادَ لِعِزِّهَا
لَظَلَّ طَوْقُ الحادِثَاتِ مُكَبَّرَا
فَالتَّارِيخُ لا يَحْمِي الَّذِينَ تَفَرَّقُوا
بَلْ يَحْتَفِي بِالمَنِيعِ إِذَا زَأَرَا
واخيراً اسمحوا لي ان اقول:
ان العراق لا يطلب اعتذاراً عن الماضي، بل يطالب بقراءة التاريخ بوعي وجرأة. إن احتلال وسقوط بغداد لم يكن مجرد سقوط نظام، بل كان انهياراً لعماد التوازن العربي بأكمله. والدرس القومي اليوم يقضي:((بضرورة العمل على استعادة العراق إلى أحضان عروبته ودعمه لبناء دولة قوية مستقلة))؛ فالتاريخ لا يرحم من يفرط في جدرانه المنيعة.
