د. بهاء احمد الياسين: دولة تعالج عجزها من جيوب مواطنيها … والفساد يستنزف ثروات العراق ..

د. بهاء احمد الياسين يكتب عن تحميل المواطن العراقي أعباء العجز المالي، ويدعو إلى مكافحة الفساد وإصلاح مؤسسات الدولة وحماية أصحاب الدخل المحدود.
متى تبدأ الحكومة بإصلاح مؤسساتها قبل تحميل المواطن ثمن إخفاقاتها ؟
ليس من العدالة أن يتحمل المواطن العراقي نتائج سنوات من سوء الإدارة والهدر والفساد ، وأن تصبح قدرته الشرائية أول ضحايا الأزمات المالية ، بينما تبقى أبواب الإنفاق غير الضروري والامتيازات الحكومية بحاجة إلى إصلاح حقيقي .
إن تخفيض قيمة الدينار أمام الدولار ، بما يرافقه من ارتفاع في أسعار السلع المستوردة ، يطرح سؤالاً مشروعاً: لماذا تبدأ الحكومة بمعالجة عجزها من جيوب المواطنين ، بدلاً من البدء بمكافحة الفساد واسترداد الأموال المهدورة ؟
وإذا كان تخفيض قيمة العملة يوفر إيرادات إضافية للخزينة بالدينار ، فمن حق الشعب أن يعرف حجم تلك الإيرادات ، وأوجه إنفاقها ، والإجراءات التي ستتخذها الحكومة لحماية أصحاب الرواتب المحدودة والمتقاعدين والفئات الفقيرة من ارتفاع الأسعار .
«لماذا تبدأ الحكومة بمعالجة عجزها من جيوب المواطنين ، بدلاً من البدء بمكافحة الفساد واسترداد الأموال المهدورة ؟»
– العراق غني بثرواته … فأين تذهب موارده ؟
يمتلك العراق ثروات نفطية وزراعية وبشرية هائلة ، لكنه ما زال يعاني من ضعف الخدمات ، وتعثر المشاريع ، والاعتماد المفرط على الاستيراد والنفط .
والمشكلة لا تكمن في قلة الموارد وحدها ، بل في سوء إدارتها ، وضعف الرقابة ، وتأثير المحاصصة السياسية في بعض التعيينات والقرارات الحكومية ، حتى أصبح الولاء الحزبي ، منافساً للكفاءة والنزاهة .
فكيف يطلب من المواطن التقشف ، بينما لم تحسم ملفات الهدر والامتيازات والعقود المتعثرة ؟
– رواتب وامتيازات تستنزف الموازنة …
من الملفات التي تستوجب المراجعة الجادة ازدواج الرواتب غير القانوني ، والموظفون الوهميون المعروفون بـ«الفضائيين»، والبطالة المقنعة ، فضلاً عن المخصصات والامتيازات التي يحصل عليها بعض كبار المسؤولين .
ولا يعقل أن تستمر امتيازات استثنائية دون مراجعة ، بينما يطالب المواطن بتحمل أعباء اقتصادية إضافية .
والحل يبدأ بإجراءات واضحة :
- تدقيق الرواتب والتقاعد إلكترونياً ، وإلغاء الازدواج غير القانوني والأسماء الوهمية .
- مراجعة رواتب ومخصصات وتقاعد أعضاء البرلمان والرئاسات وكبار المسؤولين ، وإلغاء الامتيازات غير المستحقة قانوناً .
- تقليص أعداد المستشارين والمناصب غير الضرورية ، واعتماد الكفاءة والخبرة معياراً للتعيين .
- معالجة البطالة المقنعة بإعادة تأهيل العاملين وتوجيههم إلى قطاعات إنتاجية وخدمية ، ومنها البلديات وتحسين نظافة المدن ، مع ضمان حقوقهم القانونية.
- استرداد الأموال المصروفة بغير وجه حق ومحاسبة المسؤولين عنها .
«فالمنصب الحكومي تكليف لخدمة الشعب ، وليس امتيازاً دائماً على حساب المال العام .»
فالمنصب الحكومي تكليف لخدمة الشعب ، وليس امتيازاً دائماً على حساب المال العام .
– إيرادات ضائعة وقطاعات إنتاجية معطلة..
لا يمكن الحديث عن إصلاح اقتصادي جاد دون إحكام السيطرة على المنافذ الحدودية والضرائب والرسوم والجبايات ، وربط إيراداتها إلكترونياً بالخزينة العامة لمنع التلاعب والتسرب المالي .
وفي الوقت نفسه ، يحتاج العراق إلى استثمار الغاز المصاحب للنفط بدلاً من حرقه ، وإصلاح قطاع الكهرباء ، وإحياء المصانع القابلة للتشغيل ، ودعم الزراعة والمشاريع الصغيرة ، لتوفير فرص العمل وتقليل الاعتماد على الاستيراد .
فالدولة التي تمتلك هذه الإمكانات مطالبة بتحويل ثرواتها إلى إنتاج وخدمات ، لا أن تبقى أسيرة اقتصاد يعتمد على النفط والإنفاق الحكومي .
– أين تبدأ الحلول الحقيقية ؟
بدلاً من تحميل المواطن المزيد من الأعباء ، يمكن للحكومة اعتماد برنامج إصلاح واضح يقوم على :
1. مكافحة الفساد: استرداد الأموال المنهوبة ، وتفعيل الرقابة والقضاء ، ونشر نتائج التحقيقات وفق القانون .
2. ترشيد الإنفاق : إلغاء الامتيازات غير المبررة ، وتقليص النفقات الحكومية غير الضرورية.
3. ضبط الإيرادات : أتمتة الجمارك والضرائب والجبايات ومنع تسربها خارج الخزينة .
4. إصلاح التوظيف: كشف الوظائف الوهمية ومعالجة البطالة المقنعة وتحويل الطاقات المعطلة إلى عمل منتج .
5. تنويع الاقتصاد: دعم الصناعة والزراعة والطاقة والاستثمار المنتج .
6. حماية المواطن: الحد من آثار التضخم، وحماية أصحاب الدخل المحدود والمتقاعدين ، وعدم فرض أعباء جديدة قبل دراسة آثارها الاجتماعية.
ويجب أن ترفق هذه الإصلاحات بجداول زمنية وأرقام معلنة ، توضح مقدار الأموال المستردة والوفورات المحققة ، ومدى مساهمتها الفعلية في تقليص العجز .
– كلمة أخيرة إلى الحكومة العراقية ..
ليس المواطن العراقي مسؤولاً عن الفساد أو سوء التخطيط أو تضخم النفقات الحكومية ، ولا يجوز أن يكون الطرف الأول الذي يدفع ثمن هذه الاختلالات .
ومن حقه أن يسأل :
لماذا يطالب المواطن بالتضحية قبل أن تبدأ الدولة بمراجعة امتيازات مسؤوليها ؟ ولماذا تتخذ القرارات التي تؤثر في معيشته بسرعة ، بينما تتأخر إجراءات مكافحة الفساد والهدر ؟
إن الإصلاح الحقيقي لا يقاس بحجم الأموال التي تستطيع الحكومة تحصيلها من المواطنين ، بل بقدرتها على حماية المال العام ، وتحسين الخدمات ، وتحقيق العدالة في توزيع الأعباء والموارد .
فليبدأ الإصلاح من مؤسسات الدولة ، لا من جيوب الفقراء .
ولتحاسب الجهات المسؤولة عن الهدر ، قبل أن يطالب المواطن بتحمل كلفته .
فالعراق لا تنقصه الثروات ، وإنما يحتاج إلى إدارة رشيدة ، ورقابة فاعلة ، وإرادة سياسية تجعل مصلحة الوطن والمواطن فوق المصالح الحزبية والشخصية .. .
«فليبدأ الإصلاح من مؤسسات الدولة ، لا من جيوب الفقراء .»
