إيران تفقد جزءاً من قبضتها على هرمز.. السفن تغيّر مساراتها وتلجأ إلى العبور «المظلم»

يورو تايمز
تشهد خريطة الملاحة في مضيق هرمز تحولاً لافتاً، مع تراجع قدرة إيران على فرض المسار الذي تفضله على السفن العابرة، وازدياد اعتماد الناقلات على المسار القريب من المياه العُمانية أو إخفاء تحركاتها بإغلاق أجهزة التتبع، في وقت تستمر فيه المواجهة بين طهران وواشنطن حول من يملك السيطرة الفعلية على أحد أهم الممرات البحرية في العالم.
وتظهر بيانات شركة Kpler المتخصصة في تتبع حركة السفن عبر الأقمار الاصطناعية وأنظمة التعريف الآلي AIS أن أنماط العبور تغيرت بصورة واضحة خلال أغسطس/آب، مقارنة بالفترة التي كانت فيها السفن تعتمد بصورة أكبر على الممر الذي تفرض عليه إيران نفوذها.
ونقلت «الشرق» عن البيانات أن غالبية شحنات السوائل العابرة خلال فترة الرصد استخدمت المسار العُماني أو ظهرت ضمن عمليات عبور غير معروفة أو «مظلمة»، وسط المخاوف الأمنية والخلاف بشأن الشروط والرسوم التي تريد إيران فرضها على الملاحة.
وقال همايون فلكشاهي Homayoun Falakshahi، رئيس تحليل النفط الخام في Kpler، إن المؤشرات توحي بصورة متزايدة بأن إيران فقدت، «جزئياً على الأقل»، السيطرة التي كانت تمارسها على حركة السفن في المضيق.
ماذا تقول بيانات السفن فعلياً؟
وتكشف البيانات الأكثر تفصيلاً لـKpler أن الصورة أكثر تعقيداً من مجرد انتقال مباشر لجميع السفن إلى الممر العُماني.
فبين 1 و19 أغسطس/آب، عبرت مضيق هرمز 112 سفينة تحمل النفط الخام أو الغاز المسال أو غاز البترول المسال.
ومن بين هذه السفن، استخدمت 21 سفينة بشكل معلن المسار الإيراني، بينما سلكت سفينتان فقط بصورة معلنة المسار العُماني.
أما 89 سفينة أخرى، أي أكثر من 80% من حركة ناقلات الطاقة خلال الفترة، فقد عبرت ضمن مسارات «مظلمة» أو غير مصنفة.
ويحدث ذلك عندما توقف السفينة جهاز التعريف الآلي AIS أو عندما لا تسمح بيانات التتبع بتحديد الممر الذي استخدمته بصورة مؤكدة.
ولذلك لا يمكن تحديد عدد السفن التي استخدمت فعلياً الممر العُماني من بين تلك الرحلات، رغم اعتقاد محللين بأن جانباً منها ربما سلكه.
أما إذا شملت الحسابات جميع أنواع السفن وليس ناقلات الطاقة فقط، فقد سجلت Kpler عبور 236 سفينة بين 1 و19 أغسطس.
ومن بينها سلكت 83 سفينة المسار الإيراني بصورة معلنة، وثلاث سفن المسار العُماني، وسفينتان المسار القديم المستخدم قبل الحرب في وسط المضيق، بينما عبرت 148 سفينة ضمن مسارات مظلمة أو غير معروفة.
السفن تطفئ أجهزة التتبع
ويعكس الارتفاع الكبير في عمليات العبور غير المرئية مستوى المخاطر التي تواجه شركات الشحن.
فإطفاء جهاز AIS يجعل من الصعب على أنظمة التتبع التجارية تحديد موقع السفينة ومسارها بصورة مستمرة، قبل أن تظهر من جديد بعد خروجها من المنطقة.
وتلجأ بعض السفن إلى هذا الأسلوب لتقليل احتمالات استهدافها أو معرفة المسار الذي اختارته في بيئة أصبح فيها قرار استخدام ممر بعينه يحمل أبعاداً سياسية وأمنية.
وخلال الحرب، هددت إيران السفن التي تعبر المضيق من دون الحصول على موافقتها، بينما دفعت الولايات المتحدة باتجاه استخدام مسارات لا تخضع للترتيبات التي تريد طهران فرضها، وأعلنت توفير الحماية للملاحة الدولية.
وأدى ذلك إلى ظهور وضع غير معتاد تصبح فيه السفن نفسها أمام خيار بين المخاطرة بتحدي الشروط الإيرانية أو استخدام طرق يصعب تتبعها.
رسوم وشروط إيرانية
وكانت قضية رسوم عبور السفن إحدى أدوات الضغط التي حاولت إيران استخدامها في المضيق.
ففي يونيو/حزيران، قال مسؤول إيراني إن بعض السفن التي حصلت على موافقة للمرور دفعت رسوماً قدرت في المتوسط بنحو 1.5 إلى مليوني دولار للرحلة الواحدة.
وبعد تفاهم مؤقت في يونيو، أعلنت طهران إعفاء السفن من الرسوم لمدة 60 يوماً، لكنها استمرت في مطالبتها بالحصول على إذن مسبق قبل المرور.
ومع انتهاء المرحلة المؤقتة، عادت مسألة الرسوم إلى الواجهة.
وفي 23 أغسطس/آب، أقرت لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان الإيراني بنداً يسمح بتحصيل أموال من السفن مقابل خدمات تشمل الملاحة والبيئة والوقود والتأمين والأمن والسلامة.
وتخشى شركات الشحن من أن دفع أموال إلى جهات إيرانية قد يخلق أيضاً مشكلات قانونية في ظل العقوبات الأميركية والأوروبية.
هل فقدت إيران السيطرة فعلاً؟
رغم التحول في أنماط الملاحة، فإن وصف الوضع بأنه «سيطرة أميركية كاملة» لا تدعمه الأرقام أيضاً.
فالجزء الأكبر من السفن لا يزال يخفي مساره، وبعض الناقلات ما زالت تستخدم الممر الذي تفضله إيران بصورة علنية.
كما أن حركة السفن نفسها لا تزال بعيدة جداً عن مستوياتها الطبيعية قبل الحرب.
وأظهرت بيانات Kpler في 27 أغسطس/آب عبور عشر سفن محملة بالسلع بصورة مرئية خلال يوم واحد، مقارنة بثماني سفن في اليوم السابق، لكنها بقيت دون متوسط الأيام العشرة السابق البالغ نحو 15 سفينة يومياً.
وتشير تقديرات خدمات تتبع الملاحة إلى أن النشاط الإجمالي في المضيق لا يزال في حدود 5 إلى 15% فقط من مستوياته الطبيعية قبل الحرب.
كما حذرت Kpler من أن هذه الأرقام قد تكون أقل من الواقع بسبب وجود سفن تمر وأجهزة التتبع الخاصة بها مطفأة.
إيران وعُمان تبحثان اتفاقاً جديداً
وفي موازاة الصراع على حركة الملاحة، دخلت سلطنة عُمان وإيران في مفاوضات لتنظيم المرور عبر المضيق.
وقالت إيران إنها اتفقت مع عُمان من حيث المبدأ على إنشاء ممر ملاحي تمر أجزاء منه في المياه العُمانية وأجزاء أخرى في المياه الإيرانية، إلا أن التفاصيل النهائية لا تزال قيد التفاوض.
كما تحدث الحرس الثوري الإيراني عن ترتيبات لإدارة حركة السفن وتقاسم إيرادات مرتبطة بالمضيق، لكن مسؤولاً إيرانياً أكد لاحقاً أن الاتفاق لم يُستكمل بعد.
وأعلن أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني محسن رضائي أن طهران تعد قائمة بالشروط التي تريد تحقيقها قبل العودة إلى حركة الملاحة الطبيعية.
ومن بين المطالب التي طرحتها إيران سابقاً إنهاء الحصار الأميركي على موانئها، ورفع العقوبات ودفع تعويضات مرتبطة بالحرب.
واشنطن: ساعدنا 1500 سفينة على العبور
في المقابل، تقول القيادة المركزية الأميركية إن قواتها أزالت ألغاماً بحرية إيرانية من المضيق، وإنها ساعدت خلال الأشهر الماضية نحو 1500 سفينة تجارية تحمل ما يقارب 750 مليون برميل من النفط الخام على العبور.
وأكد قائد القيادة المركزية الأميركية الأدميرال براد كوبر Brad Cooper أن الممرات الدولية مفتوحة وأن الزخم نحو استعادة حركة الملاحة يتزايد.
لكن بيانات شركات الشحن تظهر أن كثيراً من ملاك السفن لا يزالون يتجنبون المضيق بسبب خطر الهجمات وارتفاع تكاليف التأمين.
وقبل الحرب كان يمر عبر مضيق هرمز نحو 20% من إمدادات النفط العالمية، ما يجعل أي اضطراب طويل في الملاحة عبره ذا تأثير مباشر على أسعار الطاقة والتجارة الدولية.
وبحسب المنظمة البحرية الدولية التابعة للأمم المتحدة، سُجل منذ اندلاع الحرب نحو 70 حادثاً أمنياً في مضيق هرمز، أسفرت عن مقتل 19 بحاراً.
ويشير تغير خريطة الملاحة إلى أن قدرة إيران على إلزام السفن بمسار واحد باتت أضعف مما كانت عليه، لكن البيانات في الوقت نفسه لا تظهر أن الولايات المتحدة أصبحت صاحبة سيطرة مطلقة على المضيق، إذ أصبحت السمة الأبرز للملاحة الحالية هي العبور الخفي، وتعدد المسارات، واستمرار المخاطر الأمنية.
