حرب أم تفاوض؟ تقرير يرصد انقساماً غير مسبوق داخل القيادة الإيرانية

التقرير يكشف انقساماً بين تيار سعيد جليلي وتيار بزشكيان–قاليباف، فيما يبقى موقف المرشد الجديد مجتبى خامنئي غير محسوم، وسط تنافس على رسم مستقبل إيران بعد الحرب.
وكالة AP / ترجمة يور تايمز
في ظل تصاعد الهجمات الإيرانية خلال الأسبوع الماضي على القواعد الأميركية ومواقع حلفاء الولايات المتحدة، أظهر قادة إيران قدراً كبيراً من الوحدة بشأن الاستراتيجية العسكرية التي يتبعونها في الحرب.
وتقوم هذه الاستراتيجية على الصمود والاستمرار في المواجهة، ومحاولة إظهار أن إيران قادرة على تحمّل حرب طويلة وخسائر أكبر مما تستطيع الولايات المتحدة وحلفاؤها تحمّله.
لكن خلف هذا الموقف العلني الموحّد، توجد خلافات حادة داخل قيادة النظام الايراني بشأن الهدف النهائي للحرب، وكيف ينبغي أن تنتهي.
معسكر يطالب بالنصر الكامل
يقف في أحد جانبي الصراع تيار شديد التشدد يعارض الدخول في أي مفاوضات مع الولايات المتحدة، ويضغط باتجاه مواصلة الحرب حتى تحقيق ما يصفه بـ«النصر الكامل».
ويُعرف هذا التيار باسم «جبهة پایداري» أو «جبهة الصمود»، وهو تيار أيديولوجي متشدد يريد تعزيز سيطرة الجمهورية الإسلامية على المجتمع الإيراني، ويرفض تقديم أي تنازلات داخلية أو خارجية.
ويُعد سعيد جليلي، المفاوض النووي السابق والمرشح الرئاسي السابق، أبرز شخصيات هذا التيار.
معسكر بزشكيان وقاليباف
في الجانب الآخر، يوجد المعسكر المؤيد للرئيس مسعود بزشكيان ورئيس مجلس الشورى محمد باقر قاليباف، الذي يتولى أيضاً دور كبير المفاوضين الإيرانيين.
ولا يرفض هذا المعسكر الضغط العسكري، لكنه ينظر إليه بوصفه وسيلة لتحسين موقع إيران في المفاوضات وانتزاع اتفاق أفضل من الولايات المتحدة، وليس غاية في حد ذاته.
ويشعر أنصار هذا الاتجاه بقلق متزايد من التداعيات الاقتصادية التي تسببت بها الحرب، ومن ضرورة تعامل النظام مع التحولات الاجتماعية التي يشهدها المجتمع الإيراني.
وكتب مهدي محمدي، مستشار قاليباف، في قناته على تطبيق تلغرام أن المفاوضات تمثل أداة سياسية مكمّلة للعمل العسكري، ويمكن استخدامها لدفع الخصم إلى وضع يضطر فيه إلى تقديم تنازلات حقيقية.
وتشير المنافسة العلنية وغير المعتادة بين التيارين داخل قيادة النظام إلى وجود صراع أوسع على شكل إيران ومستقبلها بعد انتهاء الحرب.
أين يقف مجتبى خامنئي؟
يبقى السؤال الأهم متعلقاً بموقف المرشد الأعلى الجديد مجتبى خامنئي.
وتفيد التقارير بأنه أصيب في الضربة التي أدت إلى مقتل والده علي خامنئي خلال الدقائق الأولى من الحرب، في 28 فبراير/شباط 2026.
ومنذ ذلك الوقت، لا يزال مجتبى خامنئي مختفياً عن الأنظار، في حين يدّعي كل من المعسكرين المتنافسين أنه يحظى بتأييده.
ولم يتضح حتى الآن ما إذا كان المرشد الجديد يميل إلى تيار جليلي الرافض للمفاوضات، أم إلى الاتجاه الذي يراه قاليباف وبزشكيان، والقائم على الجمع بين الضغط العسكري والتفاوض.
تأييد واسع لاتفاق وقف إطلاق النار
شكّل اتفاق وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه مع الولايات المتحدة في أبريل دفعة سياسية لمعسكر قاليباف وبزشكيان.
وحصل الاتفاق على دعم قوي داخل المجلس الأعلى للأمن القومي، وهو أعلى هيئة معنية باتخاذ القرارات الأمنية والاستراتيجية في إيران.
وبحسب التقرير، صوّت 12 عضواً من أصل 13 عضواً في المجلس لصالح الاتفاق، وكان بين المؤيدين مسؤولون كبار في الحرس الثوري والقوات المسلحة الإيرانية.
ويُعتقد على نطاق واسع أن سعيد جليلي كان العضو الوحيد الذي عارض الاتفاق.
غير أن وقف إطلاق النار انهار لاحقاً، مع عودة الطرفين إلى تبادل الضربات، واستمرار إيران في محاولة فرض سيطرتها على حركة المرور عبر مضيق هرمز.
وكان المضيق، قبل الحرب، ممراً لنحو خُمس النفط والغاز المتداولين عالمياً.
كما شعرت القيادة الإيرانية بالإحباط بسبب عدم تنفيذ الوعود المالية التي تضمنها الاتفاق، ومنها الإفراج عن مليارات الدولارات من الأصول الإيرانية المجمدة.
ومع انهيار الاتفاق، أعادت الولايات المتحدة فرض حصارها على إيران.
اتفاق داخل القيادة على استخدام القوة
قال علي فايز، مدير مشروع إيران في مجموعة الأزمات الدولية، إنه بعد فشل الاتفاق وعدم حصول إيران على المكاسب التي كانت تنتظرها، لم يعد هناك انقسام جدي داخل القيادة بشأن ضرورة الرد بالقوة.
وأضاف أن القادة الإيرانيين يعتقدون أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب لا يفهم سوى لغة القوة، ولذلك يرون أن عليهم تحقيق التفوق أو تحسين موقعهم العسكري لإجباره على الوفاء بالتزاماته.
وبذلك، فإن الخلاف الداخلي لا يتعلق في المرحلة الحالية باستخدام القوة من عدمه، بل يتعلق بالهدف النهائي من استخدامها: هل تُستخدم لتحقيق نصر عسكري شامل، أم لتحسين شروط التوصل إلى اتفاق؟
المتشددون يضغطون على المجتمع
أظهرت مراسم تشييع المرشد السابق علي خامنئي، التي أُقيمت في يوليو، قوة حضور تيار «جبهة الصمود» والتيارات الأشد تشدداً.
ورددت الحشود شعارات تدعو إلى الانتقام من الولايات المتحدة وإسرائيل بسبب الحرب.
كما أظهرت مقاطع مصورة استقبال بعض المشاركين سعيد جليلي بحفاوة، في حين تعرّض بزشكيان في إحدى المناسبات لإهانات وهتافات من بينها «الموت للمساوم».
واستخدم المتشددون التجمعات الليلية ونفوذهم الواسع داخل هيئة الإذاعة والتلفزيون الرسمية للتحريض ضد المفاوضات.
وقدّم المتحدثون في تلك التجمعات والبرامج التلفزيونية إيران بوصفها في طريقها إلى تحقيق نصر كامل، وهاجموا كل من يدعو إلى التسوية مع الولايات المتحدة، التي تصفها ايران بأنها عدوها الرئيسي.
قطع بث قاليباف وبزشكيان
في 30 يونيو، قطع التلفزيون الرسمي بثاً مباشراً لقاليباف بينما كان يتحدث عن المفاوضات مع واشنطن.
وفي واقعة أخرى خلال يوليو، أوقف التلفزيون بث كلمة لبزشكيان أمام مجموعة من رجال الأعمال بعد ثوانٍ من قوله إن علي خامنئي أعطى، قبل مقتله، الإذن باستئناف المحادثات مع الولايات المتحدة.
وردّ بزشكيان ومعسكره باتهام هيئة الإذاعة والتلفزيون بتعميق الانقسامات داخل البلاد في وقت الحرب.
وقال الرئيس إن طريقة تعامل التلفزيون مع التطورات توحي بأن القوات العسكرية تقف في جانب، بينما تقف الحكومة في جانب آخر.
كما أدان المكتب الإعلامي للرئاسة، في يونيو/حزيران، ما وصفه بـ«رقابة» التلفزيون الرسمي على تصريحات الرئيس ورؤساء الهيئات الحكومية الأخرى، في مؤشر واضح على تحول الخلاف إلى مواجهة علنية بين مؤسسات النظام.
إغلاق مقاهٍ بسبب الحجاب
حاول المتشددون توسيع نفوذهم بوسائل أخرى أيضاً.
فخلال الأسابيع الأخيرة، أغلقت السلطات عدداً من المقاهي في وسط طهران كانت قد أصبحت وجهة شعبية للسكان خلال فترة وقف إطلاق النار.
وأظهرت مقاطع منشورة على وسائل التواصل الاجتماعي الإيرانية وجود نساء كثيرات داخل تلك المقاهي من دون الالتزام بقواعد الحجاب الإجباري، كما أظهرت اختلاط الحشود بصورة حرة.
ورغم أن الإغلاق كان مؤقتاً، فإنه عكس، وفق محمد علي أبطحي، رجل الدين الإصلاحي والمساعد السابق للرئيس محمد خاتمي، تصاعد نفوذ الأحزاب والتيارات الدينية المتطرفة.
ولا يزال خاتمي يُنظر إليه بوصفه الزعيم الأبرز للتيارات الإصلاحية الإيرانية.
نفوذ جليلي أكبر من حجمه الشعبي
قال ولي نصر، أستاذ العلاقات الدولية ودراسات الشرق الأوسط في جامعة جونز هوبكنز، إن مؤيدي سعيد جليلي يمثلون أقلية داخل المجتمع الإيراني، لكنهم يتمتعون بنفوذ كبير.
وأوضح أن لديهم موارد مالية واسعة، وقوة سياسية ومؤسسية، وأنهم نجحوا في تعيين عدد كبير من أنصارهم داخل الجهاز البيروقراطي، كما طوروا علاقات داخل الحرس الثوري.
ولهذا يستطيع هذا التيار، رغم محدودية قاعدته الشعبية، التأثير في الإعلام والمؤسسات والقرارات السياسية والأمنية.
البراغماتيون يطالبون بالاستماع إلى الناس
يرى المعسكر الأكثر براغماتية أن الحفاظ على وحدة المجتمع خلال الحرب يتطلب معالجة استياء المواطنين من الوضع الاقتصادي، إضافة إلى التراجع عن القمع السياسي والاجتماعي.
ويأتي ذلك في وقت تستمر فيه قيمة العملة الإيرانية بالانخفاض، ويرتفع التضخم وتتزايد البطالة.
ويرى هذا المعسكر أن إبرام اتفاق نهائي مع الولايات المتحدة يمكن أن يوفر لإيران مكاسب اقتصادية ضخمة، من خلال رفع العقوبات وإعادة مليارات الدولارات من الأصول الإيرانية المجمدة في الخارج.
مؤشرات إلى تململ شعبي من الحرب
ظهرت خلال الأسابيع الأخيرة إشارات محدودة، لكنها واضحة، إلى نفاد صبر بعض الإيرانيين من استمرار الحرب.
ففي يوليو، وقّع أكثر من 250 نائباً سابقاً ورجل دين وأستاذاً جامعياً وشخصية عامة عريضة مناهضة للحرب، حذرت من تكاليف استمرار الصراع.
وجاء في البيان أن الموقّعين يعتقدون أن الغالبية الساحقة من الشعب الإيراني تريد السلام والحق في حياة كريمة.
كما عبّرت شخصيات أخرى عن اعتراضها على تصاعد عمليات إعدام المحتجين بعد الاحتجاجات الواسعة المناهضة للحكومة التي شهدتها البلاد في يناير/كانون الثاني.
تحذيرات من تآكل التماسك الداخلي
حذّر حزب إصلاحي بارز، كان قد ساعد في الحملة الانتخابية لبزشكيان، من أن التداعيات الداخلية للحرب تقوض التماسك الاجتماعي في البلاد.
وردت وكالة تسنيم، القريبة من الحرس الثوري، على هذا الموقف، معتبرة أن بيان الحزب الإصلاحي يحمّل إيران مسؤولية حرب تقول الوكالة إن الولايات المتحدة هي التي بدأتها.
وفي منتصف يوليو، نشر يوسف بزشكيان، نجل الرئيس ومستشاره المؤثر، سلسلة من الرسائل تحدث فيها عن ضرورة تحقيق توازن بين الأهداف العسكرية الواقعية والوضع الاقتصادي الضعيف.
وفي إشارة إلى عقود من العقوبات والمواجهة مع الغرب، قال إن إيران حُرمت من النمو وعانت كثيراً حتى «أصبحت مريضة».
صراع على مرحلة ما بعد الحرب
في نهاية المطاف، يستعد كلا المعسكرين للصراع على النفوذ والسلطة بعد انتهاء الحرب، خصوصاً في ظل حالة عدم اليقين غير المعتادة التي نتجت عن تغيير المرشد الأعلى.
وقال محمد علي أبطحي إن المواقف الحقيقية لمجتبى خامنئي لا تزال غير معروفة.
ويعتقد البعض أن مجتبى يمكن أن يكون أكثر تشدداً من والده، بينما يرى آخرون أن لديه فرصة لإجراء تغييرات محدودة وأكثر اعتدالاً.
ونظراً إلى السلطات الواسعة التي يتمتع بها المرشد الأعلى، يمكن لمجتبى خامنئي أن يؤدي دور «المكابح» التي تمنع التيارات الأشد تطرفاً من الذهاب بعيداً.
لكن أبطحي حذّر من أن المواجهة مع التيارات الأكثر راديكالية قد تصبح مع مرور الوقت أكثر خطورة إذا لم يستخدم المرشد الأعلى تلك الصلاحيات لكبحها.
وبذلك، فإن التنافس داخل النظام لا يتعلق فقط بكيفية إنهاء الحرب، بل يتعلق أيضاً بمن سيحدد طبيعة الدولة الإيرانية واتجاهها السياسي والاجتماعي والاقتصادي في مرحلة ما بعد الحرب.
المصدر : AP
