آراء

نزار العوصجي: مسيحيو العراق … ضحية وطن أم ضحية نظام ؟

هناك سؤال يتكرر كثيراً في العراق وخارجه : لماذا لا يعود مسيحيو العراق إلى وطنهم ؟
سؤال يبدو في ظاهره بسيطاً ، لكنه يخفي وراءه قضية أكبر بكثير من مجرد الهجرة والعودة .
فالمسيحي العراقي الذي غادر وطنه لم يحمل معه حقيبة سفر فقط ؛ لقد حمل منزلاً تركه خلفه ، وذكريات ، وأرضاً ، وممتلكات ، وعملاً ، وكنيسة ، ومدرسة ، ومقبرة أجداده ، وحياة كاملة كان يعتقد أنها ستستمر في وطنه ، ثم وجد نفسه في لحظة ما مضطراً إلى الرحيل .
ولهذا ، فإن السؤال الأكثر عدالة ليس : لماذا لا يعود المسيحيون ؟
بل : من الذي جعلهم يغادرون ؟
ومن الذي حوّل العراق ، بالنسبة إلى كثير منهم ، من وطن آمن إلى مكان يخشى فيه الإنسان على حياته وماله ومستقبل أبنائه ؟
ومن الذي يتحمل مسؤولية أن مواطناً عراقياً ، عاش في وطنه أجيالاً طويلة ، أصبح يشعر بأن مستقبله خارج العراق أكثر أمناً من مستقبله داخله ؟
هذه الأسئلة لا يمكن الهروب منها إذا كنا نريد أن نتحدث بصدق عن العودة .
المسيحيون لم يغادروا العراق ، العراق هو الذي دفعهم إلى المغادرة .
من الخطأ تحميل المسيحيين مسؤولية هجرتهم ، فالهجرة الجماعية لم تكن نتيجة قرار فردي منعزل ، وإنما كانت نتيجة تراكمات سياسية وأمنية واجتماعية واقتصادية عميقة .

بعد عام 2003 ، دخل العراق مرحلة جديدة لم تنجح فيها الدولة في استعادة دورها الطبيعي بسرعة ، وبدأت مظاهر الانفلات الأمني والسياسي ، وانتشر السلاح ، وتصاعد العنف الطائفي ، وظهرت الجماعات المسلحة ، وتراجع القانون أمام قوى الأمر الواقع .
في هذا المناخ ، وجد المسيحيون أنفسهم أمام واقع جديد لم يكن مألوفاً بالنسبة إلى أجيالهم .
تهديدات ، اغتيالات ، خطف ، ابتزاز ، تهجير ، اعتداءات ، استيلاء على ممتلكات ، تدمير للبيوت ودور العبادة .
ثم جاءت جريمة تنظيم داعش لتفتح جرحاً عميقاً في الذاكرة المسيحية العراقية ، عندما أُجبر الآلاف على ترك مناطقهم ومنازلهم ، وأصبح النزوح القسري واقعاً مفروضاً على عائلات بأكملها .
لقد خرجوا من وطنهم لأنهم خافوا على حياتهم ، والإنسان الذي يخرج خوفاً على حياته لا يعود بمجرد أن يُقال له : لقد انتهى الخطر .
فالثقة لا تعود ببيان ، والأمان لا يُبنى بخطاب ، والبيت الذي هُدم لا يُعاد بكلمة ، فالحقيقة هي ان نظام سياسي لم يستطع حماية مواطنيه .

منذ عام 2003 ، بُني النظام السياسي العراقي على أساس المحاصصة والتوازنات بين القوى السياسية والمكونات ، وكان من المفترض أن يكون الهدف النهائي هو بناء دولة ديمقراطية حديثة ، لكن الواقع كشف عن أزمة عميقة في مفهوم الدولة .
فبدلاً من أن تكون المواطنة هي الأساس ، أصبحت الانتماءات الفرعية تلعب دوراً كبيراً في الحياة السياسية .
وبدلاً من أن يكون القانون هو المرجع الأعلى ، ظهرت مراكز نفوذ متعددة .
وبدلاً من أن يكون السلاح حكراً على الدولة ، أصبح العراق أمام ظاهرة السلاح المنفلت وتعدد القوى المسلحة .

في ظل هذا الواقع ، لم يعد المواطن يشعر دائماً بأن الدولة هي الجهة الوحيدة القادرة على حمايته .
وهنا تكمن المشكلة ، فالمواطن الذي لا يشعر بأن الدولة تحميه ، يبحث عن حماية أخرى ، والمواطن الذي لا يثق بالقانون ، يبحث عن وسيلة أخرى لحماية نفسه ، وهذه ليست مشكلة مسيحية فقط ، إنها مشكلة دولة ، لكن المسيحيين كانوا من أكثر المكونات التي دفعت ثمن هذا الخلل .

ما تقدم يأخذنا إلى سؤال أعمق ، هو : هل المسيحي العراقي ، مواطن أم ورقة سياسية ؟
ان من المؤلم أن يتحول وجود المسيحيين في العراق أحياناً إلى مادة للمزايدات السياسية ، فعندما تقع أزمة ، ترتفع الأصوات للحديث عن التعايش ، وعندما تقترب الانتخابات ، تظهر الشعارات التي تتحدث عن حماية المكونات .
وعندما تعقد المؤتمرات ، يصبح المسيحيون عنواناً جميلاً للحديث عن التنوع ، لكن بعد انتهاء المؤتمر ، يعود الواقع كما كان .
وهنا يجب أن نقولها بصراحة : المسيحي العراقي لا يحتاج إلى خطابات عن التعايش بقدر ما يحتاج إلى دولة تطبق القانون ، ولا يحتاج إلى صور جماعية مع السياسيين ، بل يحتاج إلى أن تكون ممتلكاته محمية .
لا يحتاج إلى وعود انتخابية ، بل يحتاج إلى مستقبل آمن لأبنائه ، ولا يحتاج إلى أن يتحدث الآخرون باسمه ، بل يحتاج إلى أن يكون له صوت سياسي حقيقي ومستقل .

إن التعامل مع المسيحيين باعتبارهم “مكوناً” فقط ، يُبقيهم داخل إطار طائفي ضيق ، بينما الحقيقة أنهم مواطنون عراقيون أصليون ، لهم حقوق المواطنة الكاملة ، تماماً كما لأي مواطن آخر .

هناك من يقول : “لقد انتهى الإرهاب، والمناطق أصبحت أكثر أمناً ، فلماذا لا يعود المسيحيون؟”
لكن الأمن وحده لا يكفي ، فالإنسان لا يريد فقط ألا يُقتل ، إنه يريد أن يعيش ، يريد أن يعمل ، يريد أن يملك ، يريد أن يخطط لمستقبل أبنائه ، يريد أن يثق بأن القانون سيحميه ، ويريد أن يعرف أن الدولة لن تتخلى عنه إذا تعرض للظلم .
وهنا نصل إلى مفهوم أعمق : الأمن يحمي الجسد ، لكن الأمان يحمي المستقبل ، وكثير من الذين هاجروا لا يبحثون فقط عن الأمن ، وإنما عن الأمان ، وهذا هو الفارق الذي لم تدركه كثير من الخطابات السياسية .

مازالت الممتلكات مسلوبة ، فالعودة مستحيلة ، كيف يمكن أن نطلب من شخص أن يعود إلى وطنه ، بينما منزله ليس بيده ؟
كيف يمكن أن نطلب من عائلة العودة ، بينما أرضها موضع نزاع ؟
كيف يمكن أن نطلب من رجل أعمال العودة ، بينما يخشى أن تضيع استثماراته ؟
كيف يمكن أن نطلب من مواطن أن يثق بالدولة ، بينما لا يستطيع استعادة حقه ؟
إن ملف الممتلكات يجب أن يكون في مقدمة أي مشروع لعودة المهجرين ، فالممتلكات ليست مجرد أموال ، إنها جزء من العدالة ، والعدالة هي الأساس الذي تُبنى عليه الثقة .

لا يمكن أن نقول للمسيحي : انسَ ما حدث وعد ، فالنسيان ليس عدالة .
ولا يمكن أن نقول له : سامح الجميع ، فالمسامحة قرار شخصي ، أما العدالة فهي مسؤولية الدولة .
الهجرة ليست خسارة للمسيحيين فقط ، إن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن يتعامل العراق مع هجرة المسيحيين باعتبارها ظاهرة تخصهم وحدهم ، فالعراق ليس مجرد حدود جغرافية .
العراق هو أيضاً تاريخ وتنوع وحضارات متراكمة ، والمسيحيون جزء أصيل من هذا التاريخ ، وعندما يهاجرون ، يخسر العراق جزءاً من نسيجه الاجتماعي .
وعندما تخلو قرى كاملة من سكانها الأصليين ، فإن الخسارة لا تكون ديموغرافية فقط .
إنها خسارة للذاكرة ، وخسارة للثقافة ، وخسارة للهوية ، وخسارة لفكرة العراق نفسه .
فالعراق الذي لا يتسع لجميع أبنائه ليس عراقاً قوياً ، والدولة التي تفقد أبناءها لا يمكنها أن تتحدث عن النجاح .

ان السؤال الأكثر حساسية هو : من المسؤول عن كل هذا ؟
والإجابة يجب ألا تكون طائفية ، فالمسؤولية تقع على عاتق منظومة سياسية كاملة عجزت ، بدرجات متفاوتة ، عن بناء دولة قادرة على حماية مواطنيها .
تقع على عاتق من مارس الإرهاب ، وعلى من حمل السلاح خارج الدولة ، وعلى من استغل الطائفية ، وعلى من سرق المال العام ، وعلى من فشل في بناء المؤسسات ، وعلى من استخدم المكونات أدوات انتخابية ، وعلى من سكت عن التجاوزات ، وعلى من جعل القانون انتقائياً ، وعلى كل من ساهم في تحويل الدولة من مشروع وطني إلى ساحة للصراع على السلطة والنفوذ .

لكن المسؤولية الأكبر تبقى على الدولة ومؤسساتها ، لأن الدولة هي التي يفترض أن تكون الحامية الأولى للمواطن .
فإذا كانت هناك رغبة حقيقية في عودة مسيحيي العراق ، فإن الطريق واضح ، وإن كان صعباً .
ابدأوا بإعادة بناء الدولة ، أعيدوا للقانون هيبته ، احموا الملكية الخاصة ، افتحوا ملفات التهجير ، حققوا في جرائم الاستيلاء على الممتلكات ، أعيدوا الحقوق إلى أصحابها ، حاسبوا من يثبت تورطه ، احصروا السلاح بيد الدولة ، أعيدوا بناء المناطق المدمرة ، وفروا فرص العمل .
أعيدوا الثقة بالقضاء ، وأعطوا المواطن شعوراً بأن الدولة تقف إلى جانبه.
بعد ذلك فقط ، يمكن أن نتحدث عن العودة .
العودة ليست مشروعاً للمسيحيين ، بل مشروع لإنقاذ العراق .
إن عودة المسيحيين يجب ألا تكون مشروعاً طائفياً ، بل يجب أن تكون جزءاً من مشروع وطني شامل لإعادة بناء العراق .
فإذا عاد المسيحي ، وعاد الإيزيدي ، وعاد النازح ، وبقي المواطن في وطنه ، فهذا يعني أن الدولة بدأت تستعيد عافيتها .
أما إذا بقيت الهجرة مستمرة ، فإن المشكلة أعمق من قضية مكون واحد ، إنها أزمة وطن .

إلى السياسيين : لا تطلبوا العودة قبل أن توفروا أسبابها ، فمن السهل جداً أن يقف مسؤول أمام الكاميرات ويقول : “ندعو أبناءنا المسيحيين إلى العودة .”
ان السؤال الذي يجب أن يوجه إليهم هو : ماذا فعلتم لكي يعودوا ؟
هل أعدتم لهم ممتلكاتهم ؟
هل وفرتم لهم الأمن ؟
هل حاسبتم من هجرهم ؟
هل بنيتم مناطقهم ؟
هل وفرتم فرص العمل ؟
هل أعدتم الثقة بالقانون ؟
هل ضمنتُم ألا تتكرر المأساة ؟
إذا كانت الإجابة بالنفي ، فكيف تطلبون منهم العودة ؟

إن المواطن الذي غادر وطنه خوفاً لا يعود بالشعارات ، بل يعود عندما يرى أن الأسباب التي دفعته إلى الرحيل قد انتهت فعلاً ، فالمسيحي العراقي لا يريد وطناً خاصاً .
وهنا يجب التأكيد على حقيقة مهمة : المسيحي العراقي لا يريد دولة داخل الدولة ، ولا يريد وطناً خاصاً ، ولا يريد امتيازات استثنائية ، إنه يريد شيئاً بسيطاً : أن يكون عراقياً .
أن يكون عراقياً دون أن يخاف .
أن يكون عراقياً دون أن يسأل عن طائفته .
أن يكون عراقياً دون أن يحتاج إلى وسيط لاستعادة حقه .
أن يكون عراقياً دون أن يخشى على منزله أو أرضه .
أن يكون عراقياً دون أن يكون مستقبله مرهوناً بتوازنات سياسية .
إنه يريد عراقاً تكون فيه المواطنة هي الهوية الأولى .

إن عودة مسيحيي العراق لن تكون بقرار سياسي ، ولن تتحقق ببيان حكومي ، ولن تنجح بمؤتمر دولي .
إنها تحتاج إلى عراق جديد في طريقة إدارة الدولة ، وفي احترام القانون ، وفي حماية الإنسان ، وفي محاربة الفساد ، وفي إنهاء المحاصصة ، وفي ضبط السلاح ، وفي تحقيق العدالة .
إنها تحتاج إلى دولة يشعر فيها المواطن أن حقوقه ليست رهينة لقوة حزبه أو طائفته أو عشيرته .
إنها تحتاج إلى وطن لا يكون فيه المسيحي ضيفاً ، ولا المسلم خائفاً ، ولا الإيزيدي مهدداً ، ولا أي مواطن مضطراً إلى البحث عن الأمان خارج بلده .
أما إذا بقيت الدولة ضعيفة ، والسلاح أقوى من القانون ، والفساد أقوى من العدالة ، والمحاصصة أقوى من المواطنة ، فإن دعوات العودة ستبقى مجرد كلمات جميلة تُقال أمام الكاميرات .
إن مسيحيي العراق لا يحتاجون إلى من يدعوهم إلى العودة بقدر ما يحتاجون إلى من يعيد بناء العراق الذي غادروه .
ربما يكون المسيحي قد غادر العراق ، لكنه لم يغادر العراق من قلبه .
وربما تكون المسافة بينه وبين وطنه آلاف الكيلومترات ، لكن المسافة الحقيقية ليست جغرافية ، إنها مسافة ثقة .
وعندما تستعيد الدولة ثقة مواطنيها ، فإن الطريق إلى الوطن يصبح أقصر .
مسيحيو العراق ليسوا ضيوفاً ننتظر عودتهم ، إنهم أبناء وطن نريد أن نستعيده معهم ، وإذا كان العراق يريد أن يستعيد أبناءه ، فعليه أولاً أن يستعيد نفسه ..

زر الذهاب إلى الأعلى