نزار العوصجي: إيران والمنطقة العربية

تمضي السنين وتتعاقب العقود ، عقود من الفوضى تحت شعار “تصدير الثورة”.
منذ أن استولى رجال الدين على السلطة في إيران عقب الثورة الإيرانية ، لم تعرف المنطقة العربية استقرارًا حقيقيًا .
فالنظام الذي رفع منذ أيامه الأولى شعار “تصدير الثورة” لم يقدّم مشروعًا للتعايش أو التنمية أو الشراكة الإقليمية ، بل أسّس لعقيدة سياسية تقوم على التمدد الأيديولوجي ، واختراق الدول العربية ، وإعادة تشكيل المجتمعات وفق منطق الولاءات الطائفية والمبليشياوية .
وعلى مدى أكثر من أربعة عقود ونصف ، تحولت المنطقة العربية إلى ساحة مفتوحة للفوضى والصراعات والحروب بالوكالة .
لم يكن ذلك نتيجة تطورات عفوية أو أزمات داخلية منفصلة ، بل جاء ضمن مشروع نفوذ طويل الأمد تقوده إيران عبر أدوات سياسية وعسكرية وأمنية تعمل على تقويض الدولة الوطنية العربية من الداخل .
في لبنان ، نشأ واقع سياسي مختل مع صعود حزب الله بوصفه قوة عسكرية تتجاوز سلطة الدولة ، ما أدخل البلاد في حالة مزمنة من الانقسام والشلل السياسي .
وفي العراق ، برزت الميليشيات الإجرامية المرتبطة بطهران بعد عام 2003 لتصبح لاعبًا رئيسيًا في القرار السياسي والأمني ، الأمر الذي عمّق الانقسام الطائفي وأضعف مؤسسات الدولة .
أما في سوريا ، فقد لعب التدخل الإيراني دورًا محوريًا في إطالة أمد الحرب وتحويلها إلى واحدة من أكثر الكوارث الإنسانية دموية في العصر الحديث .
وفي اليمن ، أدى دعم جماعة الحوثي إلى إدخال البلاد في حرب مدمرة دفعت الملايين نحو الفقر والجوع والانهيار الإنساني .
إن أخطر ما خلّفه المشروع الإيراني في المنطقة لم يكن فقط الدمار العسكري ، بل تفكيك الهوية الوطنية العربية ، وتحويل المجتمعات إلى ساحات استقطاب مذهبي حاد .
فحين تُستبدل فكرة الدولة بمنطق الجماعات المسلحة ، يتراجع الانتماء الوطني أمام الولاءات العابرة للحدود ، وتصبح الفوضى نتيجة حتمية ، ويصبح الاستقرار مجرد هدنة مؤقتة قابلة للانفجار في أي لحظة .
لقد دفعت الشعوب العربية أثمانًا باهظة نتيجة هذا المسار ، والمحصلة مدن مدمرة ، واقتصادات منهكة ، وملايين اللاجئين ، وانهيار متواصل لمؤسسات الدولة .
وبينما كانت دول العالم تتجه نحو التنمية والتكنولوجيا وبناء الاقتصادات الحديثة ، غرقت أجزاء واسعة من الشرق الأوسط في دوامة السلاح والطائفية والصراعات التي لا تنتهي .
ورغم محاولات النظام الإيراني تقديم نفسه بوصفه “حاملًا لقضية المقاومة”، فإن حصيلة العقود الماضية تكشف واقعًا مختلفًا : نفوذ يتوسع فوق أنقاض الدول ، ومليشيات تتقدّم على حساب الجيوش الوطنية ، وخطاب تعبوي يغذي الانقسام بدلًا من بناء الاستقرار .
إن المنطقة العربية اليوم لا تواجه مجرد خلاف سياسي عابر مع إيران ، بل تواجه مشروعًا يرى في هشاشة الدول العربية فرصة للتمدد ، وفي الانقسام الطائفي وسيلة لإدامة النفوذ .
ولذلك ، فإن استعادة الاستقرار العربي لا يمكن أن تتحقق دون إعادة الاعتبار للدولة الوطنية ، وتجفيف منابع الميليشيات ، وبناء مشروع عربي مستقل قادر على حماية الأمن القومي العربي من التدخلات الخارجية ، أيًّا كان مصدرها ..
لم تكن السياسات التي انتهجها نظام إيران منذ قيام الثورة الإيرانية مجرد خلافات سياسية عابرة مع محيطه العربي ، بل تحولت مع الوقت إلى مشروع إقليمي ترك آثارًا عميقة على الأمن والاستقرار والاقتصاد والبنية الاجتماعية في عدد من الدول العربية .
وقد تجاوزت تبعات هذه السياسات حدود الصراع التقليدي ، لتطال مفهوم الدولة الوطنية ذاته ، وتعيد تشكيل المنطقة على وقع الأزمات والانقسامات المزمنة .
أن أحد أخطر نتائج التدخلات الإيرانية كان إضعاف مؤسسات الدولة العربية لصالح المليشيات والجماعات المسلحة المرتبطة بطهران .
ففي أكثر من دولة عربية ، بات السلاح خارج سلطة الدولة ، وأصبح القرار السياسي خاضعًا لتوازنات تفرضها قوى مسلحة تدين بالولاء العقائدي والسياسي لإيران أكثر من ولائها للأوطان التي تنشط فيها .
وقد أدى ذلك إلى تآكل هيبة الدولة ، وتعطيل المؤسسات الدستورية ، وتحويل بعض العواصم العربية إلى ساحات نفوذ وصراع إقليمي مفتوح .
لقد اعتمد المشروع الإيراني ، على استثمار الانقسامات المذهبية وتغذيتها سياسيًا وعسكريًا ، ما ساهم في تعميق الاحتقان الطائفي داخل المجتمعات العربية .
وبدل أن تكون الهوية الوطنية الجامعة هي أساس الاستقرار ، جرى دفع المجتمعات نحو الاستقطاب المذهبي الحاد ، الأمر الذي فتح الباب أمام العنف والكراهية والانقسام الاجتماعي طويل الأمد .
وقد كانت النتيجة مجتمعات ممزقة ، وثقة منهارة بين مكونات الشعب الواحد ، وصعوبة متزايدة في بناء دول مستقرة وقادرة على تجاوز جراح الحروب .
لقد أدت الصراعات المرتبطة بالنفوذ الإيراني إلى كوارث إنسانية واسعة في عدة دول عربية .
مدن مدمرة ، وملايين اللاجئين والنازحين ، وانهيار البنية التحتية والخدمات الأساسية ، فضلًا عن خسائر بشرية هائلة دفعت الشعوب العربية ثمنها من أمنها واستقرارها ومستقبل أجيالها .
وفي كثير من الحالات ، تحولت الدول التي شهدت تدخلات إيرانية إلى ساحات حرب مفتوحة تُدار فيها الصراعات عبر الوكلاء والمليشيات ، بينما يدفع المدنيون الثمن الأكبر .
لم تتوقف التداعيات عند الجانب الأمني والسياسي ، بل امتدت إلى الاقتصاد والتنمية ، فالحروب وعدم الاستقرار أدّيا إلى هروب الاستثمارات ، وتراجع فرص التنمية ، واستنزاف الموارد في الصراعات العسكرية بدل توجيهها إلى التعليم والبنية التحتية والصحة وفرص العمل .
كما ساهمت حالة عدم الاستقرار المستمرة في إضعاف ثقة المستثمرين ، وتعطيل مشاريع التنمية الإقليمية ، وإبقاء العديد من الدول العربية رهينة للأزمات الاقتصادية المتلاحقة .
أن فتح الباب أمام التدخلات الدولية يشكل خطرًا كبيرًا ، فحين تنهار الدول وتضعف المؤسسات ، تصبح المنطقة أكثر عرضة للتدخلات الخارجية .
وقد ساهمت الصراعات المرتبطة بالنفوذ الإيراني في استدعاء قوى دولية وإقليمية متعددة إلى الشرق الأوسط ، ما جعل المنطقة ساحة تنافس دولي معقدة ، تتشابك فيها المصالح العسكرية والسياسية والاقتصادية على حساب الشعوب العربية .
إن حصيلة العقود الماضية ، بالنسبة لكثير من العرب ، تكشف أن سياسة التوسع الأيديولوجي والميليشياوي التي انتهجها نظام إيران لم تجلب للمنطقة سوى مزيد من الانقسام والدمار وعدم الاستقرار .
ولذلك ، فإن أي مشروع حقيقي لإنقاذ المنطقة العربية يبدأ بإعادة الاعتبار للدولة الوطنية ، وترسيخ مفهوم السيادة ، ورفض تحويل الدول العربية إلى ساحات نفوذ لصراعات إقليمية لا تنتهي ..
