نزار العوصجي: خريجو العراق بين البطالة والقمع

لم يعد الحديث عن بطالة الخريجين في العراق مجرد نقاشٍ موسمي يتكرر مع كل دفعة تخرج جديدة ، بل أصبح أزمة وطنية متفاقمة تهدد حاضر البلاد ومستقبلها ، وما شهدته الساحة العراقية مؤخراً من اعتداءات على خريجي النفط المطالبين بحقوقهم الوظيفية كشف حجم الفجوة بين طموحات الشباب وبين واقع سياسي وإداري عاجز عن استيعاب طاقاتهم والاستفادة من مؤهلاتهم .
ففي مشهدٍ صادم ، تابع العراقيون عمليات ضرب وسحل لمتظاهرين سلميين لم يحملوا سوى شهاداتهم الجامعية ومطالبهم المشروعة في الحصول على فرصة عمل. هؤلاء الشباب لم يخرجوا طلباً لامتيازات خاصة أو مكاسب غير مستحقة ، بل خرجوا للمطالبة بحقوق كفلها الدستور ومبادئ العدالة الاجتماعية . سنوات طويلة قضوها في الدراسة والتدريب والتأهيل ، لينتهي بهم المطاف في طوابير البطالة بدلاً من مواقع الإنتاج والعمل ..
المفارقة المؤلمة أن هذه الأحداث وقعت مع خريجي تخصصات نفطية يفترض أن تكون من أكثر التخصصات أهمية في بلد يعتمد اقتصاده بصورة شبه كاملة على الثروة النفطية ، فكيف يمكن لدولة تنتج ملايين البراميل يومياً أن تعجز عن توفير فرص عمل لخريجي القطاع الذي يشكل العمود الفقري لاقتصادها ؟
إن الأزمة لا تكمن في قلة الموارد أو ضعف الإمكانيات ، بل في سوء الإدارة وتراكم الفساد والمحاصصة السياسية التي حولت مؤسسات الدولة إلى ساحات للصراع الحزبي بدلاً من أن تكون أدوات لخدمة المواطنين ، وبينما ينتظر آلاف الخريجين فرصة تعيين واحدة ، ما زالت الدولة تتحمل أعباء ظاهرة “الفضائيين” الذين يستنزفون المال العام دون أداء أي عمل حقيقي ..
لقد تحولت ظاهرة الفضائيين إلى واحدة من أخطر ملفات الفساد الإداري في العراق .
عشرات الآلاف من الأسماء الوهمية أو الموظفين غير الملتزمين بالدوام تستمر رواتبهم بالتدفق من خزينة الدولة ، في وقت تتذرع فيه الحكومات المتعاقبة بعدم وجود درجات وظيفية كافية لتعيين الشباب العاطلين عن العمل .
والأدهى من ذلك أن بعض هؤلاء المشمولين بهذه الظاهرة يحصلون على الترقيات والعلاوات وزيادات الرواتب والمخصصات بصورة منتظمة ، بينما يبقى الخريج الحقيقي خارج دائرة الاهتمام .
إن هذه المعادلة المختلة لا تعني هدراً للأموال العامة فحسب ، بل تمثل اعتداءً مباشراً على مبدأ تكافؤ الفرص . فكل راتب يُصرف لاسمٍ وهمي هو فرصة عمل ضائعة لشاب مؤهل ، وكل ترقية تُمنح لموظف غير ملتزم باداء مهام عمله ، هي ظلم إضافي بحق آلاف الباحثين عن العمل ، وكل ملف فساد يبقى دون محاسبة يعني مزيداً من الإحباط وانعدام الثقة لدى الجيل الجديد ..
لقد أثبتت السنوات الماضية أن الحلول الترقيعية والوعود المؤقتة لم تعد كافية ، فالعراق بحاجة إلى استراتيجية وطنية شاملة لمعالجة البطالة تبدأ من القضاء على الفساد الإداري والمالي ، ومراجعة ملفات التوظيف الحكومي ، وإنهاء ظاهرة الفضائيين بشكل نهائي ، وربط مخرجات التعليم باحتياجات سوق العمل ، وتشجيع الاستثمارات المحلية والأجنبية القادرة على خلق فرص عمل حقيقية ومستدامة .
كما أن التعامل الأمني مع مطالب الخريجين لا يمكن أن يكون بديلاً عن الحلول الاقتصادية والإدارية ، فالقوة لا تخلق وظائف ، والعنف لا يبني مستقبلاً ، وقمع الأصوات المحتجة لن يلغي المشكلة بل سيزيدها تعقيداً .
إن احترام حق التظاهر السلمي والاستماع إلى مطالب الشباب يمثلان الخطوة الأولى نحو بناء جسور الثقة بين الدولة والمجتمع ..
إن الأمم التي تحترم شبابها تجعل منهم قادة للتنمية ، بينما الأمم التي تهملهم تدفعهم نحو الهجرة أو الإحباط أو الانكفاء عن المشاركة في بناء أوطانهم ، والعراق اليوم يقف أمام اختبار حقيقي : إما أن يستثمر في طاقاته البشرية ويعيد الاعتبار للكفاءة والعلم والعمل ، وإما أن يستمر نزيف الفرص والطاقات في ظل منظومة أثبتت عجزها عن تحقيق العدالة والإنصاف .
ويبقى السؤال الذي ينتظر العراقيون الإجابة عنه : كيف يمكن لشاب يحمل شهادة جامعية وخبرة علمية أن يُقابل بالعصي والهراوات عندما يطالب بحقه في العمل ، بينما تستمر شبكات الفساد والترهل الإداري في استنزاف مقدرات الدولة دون رادع حقيقي ؟
من يسرق مستقبل الشباب ؟
إن الإجابة عن هذا السؤال هي مفتاح فهم جانب كبير من الأزمة التي يعيشها العراق اليوم ، وهي أيضاً مفتاح أي إصلاح حقيقي يمكن أن يعيد الأمل إلى جيلٍ يستحق مستقبلاً أفضل ..
