نزار العوصجي: كفاكم تهميشاً

في هذه الدورة البرلمانية ، تم تعيين أربعة نواب لرئيس الوزراء المكلّف علي الزيدي : اثنان من المكوّن الشيعي ، ونائب سني ، وآخر كردي ، في حين يغيب التمثيل المسيحي تمامًا عن هذا التشكيل !!
هذا الغياب لا يمكن اعتباره تفصيلاً بسيطًا ، بل يعكس خللًا واضحًا في مبدأ الشراكة الوطنية ، وتراجعًا في تمثيل مكوّن أساسي من مكوّنات العراق التاريخية ..
فعندما نشير إلى أن مسيحيي العراق لم يتعرّضوا لتهميشٍ مماثل لما حصل بعد عام 2003 منذ تأسيس الدولة العراقية عام 1920، فإننا لا نبالغ ، بل نستند إلى قراءة واقعية للتاريخ ..
فقد كان للمسيحيين حضور بارز في مؤسسات الدولة ، وأسهموا في كافة المجالات ، مثل التعليم والطب والإدارة والثقافة والصناعة والتجارة ، وكانوا جزءًا أصيلًا من النسيج الوطني ، وجزءًا فاعلًا من عملية بناء العراق الحديث ..
ولا يمكن الحديث عن هذا المكوّن دون التأكيد على حقيقة تاريخية مهمة ، وهي أن المسيحيين في العراق يُعدّون السكان الأصليين لهذه الأرض ، بجذور تمتد إلى حضارات وادي الرافدين القديمة ، وحضور متواصل عبر القرون ..
فهم ليسوا طارئين على هذا البلد ، بل شركاء في صناعته وهويته ، وحماة لتراثه الثقافي والحضاري ..
غير أن ما جرى بعد عام 2003 شكّل نقطة تحوّل قاسية في واقعهم ، حيث تعرّضوا لسلسلة من الانتهاكات التي طالت أمنهم ووجودهم ، فضلًا عن الاستيلاء على ممتلكاتهم بطرق غير قانونية في ظل ضعف الدولة وتراجع سلطة القانون ..
فقد شهدت مناطقهم عمليات تهجير قسري ، واستهدافات مباشرة ، وأجواء من الخوف دفعت الكثيرين إلى مغادرة بيوتهم ومدنهم ، حيث اضطر الكثير منهم إلى الهجرة داخل العراق وخارجه ..
كما تعرّضت ممتلكاتهم إلى تجاوزات خطيرة ، تمثّلت في الاستيلاء على منازلهم وأراضيهم بطرق غير قانونية ، مستغلين غياب الدولة أو ضعفها في فرض سيادة القانون ..
ولم تقف المعاناة عند هذا الحد ، بل واجه العديد منهم صعوبات كبيرة في استعادة حقوقهم عبر المؤسسات الرسمية ، ما عمّق شعورهم بالغبن وفقدان العدالة ..
ونتيجة لذلك ، تراجع وجودهم الديموغرافي بشكل ملحوظ ، بعد أن كانوا يشكّلون جزءًا مهمًا من النسيج العراقي المتنوع ..
وفي هذا السياق ، لا بد من الإشارة إلى قضية تمثيل المسيحيين سياسيًا ، حيث يُفترض أن نظام “الكوتا” قد وُضع لضمان مشاركتهم في الحياة السياسي ..
إلا أن الواقع أثبت ، في نظر الكثيرين ، أن النواب الذين تعاقبوا على مقاعد الكوتا منذ أول انتخابات لم ينجحوا في تمثيل تطلعات المسيحيين تمثيلًا حقيقيًا ، بل جاءوا في إطار ترتيبات العملية السياسية القائمة ، التي يحمّلها البعض مسؤولية الإخفاقات الكبيرة التي مرّ بها العراق في العقود الأخيرة ..
إن هذا الطرح يعكس شعورًا متزايدًا لدى شريحة من أبناء هذا المكوّن بأن تمثيلهم كان شكليًا أكثر منه فعليًا ، وأن صوتهم الحقيقي لم يصل بالشكل الذي يعبّر عن معاناتهم وقضاياهم ، سواء فيما يتعلق بالأمن ، أو الحقوق ، أو استعادة الممتلكات ، أو الحفاظ على الوجود ..
إن معالجة هذا الواقع تتطلب مراجعة جدية لآليات التمثيل السياسي ، وضمان أن يكون للمسيحيين صوت مستقل وحقيقي يعكس إرادتهم ، بعيدًا عن الاصطفافات الضيقة ..
كما تستدعي العمل على إعادة الثقة بالمؤسسات ، وتعزيز مبدأ المواطنة المتساوية ، بما يضمن لكل مكوّن عراقي مكانته وحقوقه دون تهميش أو إقصاء ..
إن غياب التمثيل المسيحي اليوم ، كما يتجلى في عدم وجود نائب لهم في هذا التشكيل الحكومي ، لا يمكن فصله عن السياق العام من التراجع والتهميش ..
وهو ما يستدعي وقفة جادة لإعادة تقييم المسار ، وتصحيح الاختلالات التي طالت مفهوم المواطنة المتساوية ..
إن إنصاف المسيحيين في العراق لا يقتصر على إعادة تمثيلهم سياسيًا ، بل يتطلب ضمان حمايتهم ، واستعادة حقوقهم ، وتعويضهم عمّا لحق بهم من أضرار ، والاعتراف بدورهم التاريخي بوصفهم جزءًا أصيلًا من هذه الأرض ..
فالعراق ، بتاريخه وهويته ، لا يكتمل إلا بجميع مكوّناته ، لذا لا يمكن أن يستعيد عافيته واستقراره إلا من خلال احتضان جميع أبنائه ، والاعتراف بدورهم ، وضمان مشاركتهم الفاعلة في رسم مستقبله ، وأن أي خلل في هذا التوازن ينعكس سلبًا على استقراره ومستقبله ..
