آراء

نزار العوصجي: الجهل بالسياسة.. كارثة

يبدو أن الجهل بالسياسة أصبح شائعًا بعد غزو واحتلال العراق عام 2003 ، وهذا ليس ادعاءً أو قذفًا بالباطل ، بل هو حقيقة لما يطغي على سلوك الشخوص ، الذين تعاقبوا بالحكم على مدى ثلاثة وعشرون عامًا .
فعندما يتولى شخصٌ جاهل موقعًا في الدولة ، تظهر مجموعة من التحديات والمخاطر التي قد تؤثر في استقرار النظام وجودة القرارات .
فالإدارة السياسية ليست مجرد منصب ، بل هي مسؤولية تتطلب فهمًا عميقًا في مجالات عدة مثل الاقتصاد ، والقانون ، والعلاقات الدولية ، وإدارة الأزمات ، وهذا ما يفتقر إليه معظم “سياسيّي الصدفة” الذين تولّوا مواقع السلطة .
من أبرز النتائج المحتملة لجهل السياسة تبنّي قرارات غير مدروسة ؛ فقد تُتخذ قرارات بناءً على الانطباعات أو المصالح الضيقة بدلًا من التحليل والخبرة .
إلى جانب ذلك ، يظهر ضعف في إدارة شؤون الدولة في أوقات الأزمات ، حيث يكون نقص الخبرة واضحًا ، مما قد يؤدي إلى تفاقم المشكلات بدلًا من حلّها .
وبذلك تتأثر المؤسسات ؛ إذ قد يضعف أداء المؤسسات الحكومية بسبب سوء الإدارة أو التعيينات غير الكفؤة ، وينتج عن ذلك فقدان الثقة ، حيث قد يفقد المواطنون ثقتهم في القيادة إذا لاحظوا غياب الكفاءة .
في المقابل ، ليس كل من يفتقر إلى الخبرة السياسية محكومًا عليه بالفشل ؛ فأحيانًا يمكن للشخص أن ينجح إذا أحاط نفسه بمستشارين أكفاء ، وكان مستعدًا للتعلّم والاستماع ، وامتلك حسًا أخلاقيًا عاليًا .
في النهاية ، تبقى الكفاءة والمعرفة الأساس في العمل السياسي ، لأنها تؤثر بشكل مباشر في حياة الناس ومستقبل الدولة .

إن التوسع في هذا الموضوع يكشف أنه أعقد من مجرد “شخص غير مؤهل في منصب”، لأنه يرتبط بطبيعة النظام السياسي ، وثقافة المجتمع ، وآليات اتخاذ القرار داخل الدولة .
وهذا التوسع يدفعنا لطرح تساؤلات مهمة ، أولها : لماذا قد يصل غير المؤهل إلى السلطة ؟
الجواب : هذه الظاهرة ليست عشوائية ، بل لها أسباب متكررة ، منها تقديم الولاءات على الكفاءة ؛ ففي بعض الأنظمة تُقدَّم الثقة الشخصية أو القرب من مراكز النفوذ على الخبرة ، بالإضافة إلى ضعف المؤسسات ، وهو ما يحدث عندما تغيب الرقابة والمساءلة ، حيث يصبح الوصول إلى المنصب أسهل لمن لا يمتلك المؤهلات .
كما قد يصل شخص يفتقر إلى الخبرة عبر خطاب شعبوي بسيط يجذب الجماهير دون برامج حقيقية ، وهو ما يُدرَس في العلوم السياسية ضمن ظواهر مثل الشعبوية .
وفي بعض الحالات ، يكون الوصول إلى السلطة نتيجة علاقات عائلية أو شبكات نفوذ قائمة على الإرث أو المحسوبية .
وثاني تلك التساؤلات : كيف يؤثر ذلك في الدولة ؟
الجواب : إن التأثير لا يكون فوريًا فقط ، بل تراكميًا ؛ فعلى مستوى صنع القرار ، نجد أن الشخص غير المؤهل يميل إلى التبسيط المفرط للمشكلات المعقدة ، والاعتماد على الحدس بدل البيانات ، مما يجعله أكثر تأثرًا بالضغوط ، وهذا يتعارض مع مبادئ صنع القرار الرشيد التي تعتمد على التحليل والتخطيط .
أما على صعيد الاقتصاد ، فقد يتبع سياسات غير مدروسة تؤدي إلى زيادة العجز أو التضخم ، إلى جانب ضعف جذب الاستثمارات بسبب عدم الاستقرار .
وعلى صعيد العلاقات الدولية ، فإن العلاقات بين الدول تحتاج إلى فهم دقيق للتوازنات ، كما في نظريات العلاقات الدولية ؛ لذا فإن القائد غير المتمرس قد يسيء تقدير مواقف الدول الأخرى ، وقد يدخل في أزمات دبلوماسية غير ضرورية ، مما يضعف مكانة بلاده عالميًا .
أما على مستوى المجتمع ، فإن الجهل بالسياسة يؤدي إلى انتشار الإحباط وفقدان الثقة ، وتصاعد الانقسامات، مما يضعف الشعور بالعدالة .

من المثير أن بعض من يفتقرون إلى الكفاءة قد يظهرون ثقة مفرطة ، وهو ما يُعرف في علم النفس بـ“تأثير دانينغ–كروجر”، حيث يبالغ الشخص في تقدير قدراته بسبب نقص معرفته .
وقد يؤدي ذلك إلى رفض النصيحة واتخاذ قرارات فردية نتيجة تجاهل الخبراء .
ما تقدم يدفعنا للتساؤل : هل المشكلة في الشخص أم في النظام ؟
في الحقيقة ، النظام أهم من الفرد ؛ فالأنظمة القوية تقلل من تأثير ضعف الأفراد عبر مؤسسات مستقلة ، وقوانين واضحة ، ورقابة فعّالة ، وإعلام حر .
فحتى لو كان القائد ضعيفًا ، فإن هذه الآليات تحدّ من الأضرار .
ويمكن لغير المختص أن ينجح بشروط واضحة، منها :
• الاعتماد على الخبراء : تشكيل فريق كفء .
• القدرة على التعلم : فالاعتراف بالقصور ليس ضعفًا .
• القيادة التشاركية : إشراك المؤسسات بدل احتكار القرار .
وفي التاريخ ، هناك قادة لم يأتوا بخلفية سياسية قوية ، لكنهم نجحوا لأنهم فهموا حدودهم وتعاملوا معها بذكاء .
خلاصة أعمق : المشكلة ليست في “الجهل بالسياسة” بحد ذاته ، بل في الإصرار على الجهل وغياب التعلم ، بالإضافة إلى ضعف النظام الذي يسمح باستمرار الخطأ .
فالدولة القوية لا تعتمد على عبقرية فرد ، بل على منظومة تجعل الخطأ مكلفًا والتصحيح ممكنًا ..

في ظل ما يجري خلف الكواليس المظلمة من قبل ثلة الفساد ، نجد أنفسنا في حيرة من أمرنا ، هل هذا حقًا ما يطمح إليه العراقيون ؟
بعد كارثة جديدة تُضاف إلى سلسلة طويلة من الأزمات التي عصفت بالعراق على مدى ثلاثة وعشرين عامًا ، يبدو وكأن المعاناة ترفض أن تغادر ، وكأن هذا البلد يُدفع باستمرار نحو المجهول ، دون وضوح في الاتجاه أو الغاية .
لست متفائلًا ولا متشائمًا ، لكن ما يثير الاستغراب هو ترشيح الإطار لشخصية تفتقر إلى ابسط مقومات القيادة .
فاسمه ورد ضمن قائمة داعمي الفساد في العراق بحسب تقارير الخزانة الأمريكية ، مع اتهامات تتعلق بتهريب الدولار وغسيل الأموال ، وقد أُبلغت الحكومة العراقية بذلك سابقًا .
كما يبرز تساؤل مهم حول خبرته السياسية ، في ظل تعقيدات المشهد العراقي أمنيًا وعسكريًا واقتصاديًا ودبلوماسيًا .
إضافة إلى ذلك ، فإن عمره البالغ (40 عامًا) يطرح علامات استفهام حول توليه منصب القائد العام للقوات المسلحة ، في وقت يضم فيه جهازا الدفاع والداخلية قيادات ذات رتب وخبرات طويلة .
كما أن خلفيته كرجل أعمال ومستثمر ، يمتلك شركات في الإمارات وغيرها ، تجعل من هذا الترشيح محل تساؤل : هل هو مجازفة ، أم تحدٍ ، أم أمر آخر ؟
في ظل هذه المعطيات ، يبدو أن ترشيحه قد يكون جزءًا من لعبة سياسية معقدة ، ربما تهدف إلى كسب الوقت بانتظار تطورات خارجية ، كالمفاوضات بين إيران والولايات المتحدة ، قبل أن تتضح مآلات اليه في هذا المسار ..

بمسبحة وسترة مفتوحة بدء رئيس الوزراء الجديد مشواره ، الأمر الذي أثار جدلاً في أول ظهور رسمي له بسبب ملاحظات بروتوكولية في مراسم التكليف .
هذه التفاصيل تعتبر مخالفات لقواعد الإتيكيت والبروتوكول الرسمي ، تلفت الانتباه لدى المراقبين .
لقد ظهر وهو يحمل مسبحة بيده خلال مراسم رسمية رفيعة المستوى ، وهو ما يعتبر تصرفاً غير منسجم مع الأعراف البروتوكولية التي تقتضي إبقاء اليدين خاليتين أثناء المناسبات الرسمية .
بإلاضافة إلى ظهوره بسترة رسمية مفتوحة الأزرار أثناء الوقوف أمام العلم العراقي ، في حين تشير القواعد المتعارف عليها إلى أهمية إغلاق زر السترة في مثل هذه المواقف لإظهار الانضباط والهيبة .
وهذه أشارة واضحة إلى حالة الجهل وغياب التوجيه من الفريق المختص بالبروتوكول والإتيكيت ، كون أن مثل هذه التفاصيل ، رغم بساطتها ، تلعب دوراً في نقل صورة الدولة أمام المجتمع الدولي .
لقد أثارت هذه اللقطات تفاعلاً واسعاً ، بين من انتقد هذه التصرفات واعتبرها دليلاً على قلة الخبرة في التعامل مع المراسم الرسمية ، وبين من رأى أنها أمور شكلية لا تؤثر على جوهر الأداء السياسي ..

زر الذهاب إلى الأعلى