د. عبدالرزاق محمد الدليمي: سياسة امريكا في العراق.. ادارة الفشل!

اتذكر عندما كنا طلاب بالمتوسطة كان لدينا مدرس لغة عربية رائع اسمه عبدالخالق من البصرة وحقيقة حببنا كثيرا باللغة العربية العظيمة وفتح أعيننا على جوانب كثيرة وعلمنا كيف نتأمل ونفكر ونكتب ولا أبالغ إذا اعترفت انه خلق لدي الرغبة ان أدخل عالم الصحافة…. وتذكرت ((وانا اتابع صدمة كثيرين من النخب العراقية الوطنية وهم يطلعون ربما بعضهم متفاجئ؟! على تهنئة السفارة الأمريكية لمرشح الاطار لرئاسة وزراء نظام الاحتلال )) وفي أجواء هذه الصدمات التي نتعرض لها يوميا … حقيقة تذكرت (الدفاتر العتيگة) وموضوع جميل وعميق كلفنا مدرس اللغة العربية بالكتابة عنه (بمادة الإنشاء ) التي كنت ابرع فيها ربما اكثر من مادة القواعد ؟! عنوان الموضوع لايزال يدق جرسه في أذني ((لاحياة مع اليأس ولا يأس مع الحياة)) لا اريد ان اكرر ما يعنيه هذا العنوان وإسقاطاته على وضعنا في العراق منذ الاحتلال الامريكي الغربي لبلدنا الحبيب ؟!ولكن..
منذ الاحتلال وانا أجول في دهاليز الفكر والمراجع في المكتبات والتجارب عسى ان اجد مايعلل للنفس شغفها بالإجابة عن بعض الاسئلة المحيرة جدا مثل لماذا لم تعامل امريكا العراق بعد احتلالها له مثل تعاملها مع اليابان والمانيا وإيطاليا؟! رغم ان الدول الثلاث اسهمت بقوة في الحرب على العالم المتحضر حينها؟! في حين ان العراق لم يرتكب اي اثم لاحتلاله قد يبرر لأمريكا وحليفاتها ماارتكبوه من جرائم بحقه وسأحاول هنا ان ألخّص للقارئ اللبيب قدر الامكان ما خرجت به من نتائج؟!
ابتداءاً الاحتلال الأمريكي للعراق لم يفكر ولم يعمل على تحويل الاحتلال إلى شراكة ناجحة كما حصل مع ألمانيا واليابان وإيطاليا (رغم ان هذه الدول مازالت محتله من قبل امريكا وهناك حركات وطنية فيها تطالب بخروج الاحتلال الامريكي من هذه الدول )اذن لم يكن تعامل الاحتلال الامريكي مجرد فشل إداري أو سوء حظ كما يعتقد البعض !!! بل كان نتاجاً لخطط وضعت مسبقا لعوامل استراتيجية وبنيوية جعلت من العراق حالة استثنائية في العقلية السياسية الأمريكية السيئة أبرزها مايلي:
أولاً: اختلاف العدو والمرحلة الزمنية نهاية التاريخ في ١٩٤٥ (ألمانيا واليابان وإيطاليا) كانت أمريكا في بداية مرحلة الحرب الباردة بحاجة ماسة لدول قوية صناعياً وعسكرياً كنماذج ناجحة لاحتلالها لهذه الدول تقف بوجه الاتحاد السوفيتي. فالشراكة كانت ضرورة وجودية لأمريكا.
في ٢٠٠٣ (العراق) كانت أمريكا في ذروة القطبية الواحدة (بعد زوال الاتحاد السوفيتي). لم يكن هناك اي منافس عالمي يضطرها لبناء حليف قوي كان الهدف هو تفكيك القوى الإقليمية التي قد تشاكس الهيمنة الأمريكية وليس بناءها.(العراق نموذجا)
ثانياً:عقيدة المحافظين الجدد والهندسة الاجتماعية القسرية .. الفريق الذي خطط وأدار غزو العراق واحتلاله (تشيني ورامسفيلد وولفويتز) لم يؤمن بالشراكة مع مؤسسات الدولة القائمة الكفوءة قبل الاحتلال !!!؟؟ بل آمن بالتدمير والفوضى الخلاقة !!! هم اعتقدوا أن مسح الدولة العراقية بالكامل وحل الجيش واجتثاث الكفاءات والمؤسسات سيسمح لهم ببناء دولة على المقاس من الصفر.
هذا النهج لا ينتج شركاء بل ينتج ذيول وتابعين وآفات تفترس الاخضر واليابس يعتمدون كلياً على الوجود الأمريكي للبقاء وهو ما يفسر جلبهم لهؤلاء العملاء بدلاً من التعامل مع الكفاءات الوطنية المستقلة.
ثالثاً: أمن إسرائيل والتوازن الإقليمي
فألمانيا واليابان القويتان لم يشكلا تهديداً لأي حليف استراتيجي لأمريكا في منطقتهما بعد الحرب أما العراق القوي فإنه يمثل حتماً عودة للقيادة العربية وقوة جيوسياسية قد تهدد التفوق الإسرائيلي المطلق في المنطقة.
لذا كانت الاستراتيجية هي ضمان أن يكون العراق دولة مفككة وهشة منشغلة بصراعاتها الداخلية المفتوحة على كل الاحتمالات لا دولة قوية تستطيع فرض إرادتها في ملفات المنطقة مثل فلسطين أو أمن الخليج العربي ووو
رابعاً:لعنة النفط مقابل القدرة البشرية
في ألمانيا واليابان وإيطاليا الثروة كانت في العقل البشري والمصنع لكي تستفيد أمريكا كان يجب أن تعمل هذه المصانع وهذا ماكان العراق قبل احتلاله قريب الوصول اليه
في العراق المحتل الثروة في الأرض (النفط). النفط لا يحتاج إلى دولة قوية أو شراكة ديمقراطية لاستخراجه ؟! بل يحتاج فقط إلى بيئة بدرجة أمنية بسيطة جدا وعقود مع شركات دولية. الفساد والضعف السياسي يسهلان السيطرة على عقود الطاقة وتدفقاتها بعكس ما يمكن ان يفعله النظام الوطني الصارم.
خامساً: البديل السياسي النخبة التابعة
في ألمانيا واليابان وإيطاليا برزت نخب وطنية لم تهجر وسمح لها البقاء في بلادها وعانت من الحرب وتفاوضت مع الأمريكي من منطلق المصلحة الوطنية
اما في العراق اعتمدت أمريكا على ثلل الخارج التي كانت مقطوعة الجذور الوطنية وعن الواقع العراقي وكانوا يحملون أجندات انتقامية وطائفية. هؤلاء لم ولن يطلبوا من أمريكا شراكة لبناء وطن بل طلبوا حماية لتمكين سلطتهم وأمريكا وجدت فيهم أدوات طيعة وليس شركاء أنداد؟؟!!
سادساً:الخوف من الانقلاب العكسي (السيادة الحقيقية) … أمريكا تدرك أن العراق بلد ذو تاريخ حضاري وعمق قومي وديني كبير. الشراكة الحقيقية تعني منح العراق سيادة كاملة. التي تعني احتمال أن يقرر العراق يوماً بسبب موقعه وتاريخه أن يخرج من العباءة الأمريكية تماماً لذا !!! كان خيار إدامة الضعف والفشل والتدوير عبر الفاسدين والعملاء هو الضمانة لعدم تمرد العراق مستقبلاً.
احد اخطر اهداف أمريكا من احتلالها للعراق ومعها بريطانيا وإسرائيل ووو ….. لم تكن تريد ان يكون العراق قبل احتلاله يابان ثانية في الشرق الأوسط لأن اليابان (العراق) في هذه المنطقة ستكون قوة عظمى مستقلة تملك الطاقة والجغرافيا والتاريخ وهذا يتناقض مع استراتيجية الهيمنة المطلقة
لقد اختارت أمريكا إدارة الفشل بدلاً من صناعة النجاح لأن الفشل يبقي العراق محتاجاً لها بينما النجاح سيجعله يستغني عنها. وهذا هو التفسير الحقيقي لتدوير النفايات السياسية التي تعودنا عليها منذ بداية الاحتلال فهي الأداة المثلى لمنع العراق من التحول إلى شريك حقيقي وقوي كما حدث في اليابان والمانياوايطاليا؟!
