آراء

نزار العوصجي: العالم لم يعد يتحرك بشكل طبيعي

في الأسابيع الأخيرة بدا كل شيئ يحدث في التوقيت نفسه ، وبالسرعة نفسها ، وكأن هناك ساعة واحدة تدق في عواصم العالم كلها ..
قطعات عسكرية وحاملات طائرات أمريكية عملاقة توجهت نحو حدود إيران ، وأوروبا تغير اتجاهها وتبدء بتأييد الحرب ، وفجأة تتراجع الصين
وبكين عن تقديم الدعم العسكري للنظام الإيراني ، وفي الخلفية روسيا تأخذ موقع المتفرج على ما يدور في ساحة المعركة ..
السؤال هنا ليس : ما الذي حدث ولماذا ، بل من الذي يرى الصورة كاملة ، لأن ما يجري لا يمكن فهمه كأحداث منفصلة ، والمشهد الحقيقي لا يظهر إلا عندما نبتعد خطوة إلى الخلف ، وننظر إلى الخريطة من الأعلى ..

البداية لم تكن في إيران ، ولا في تايوان
بل في مكان لم يتوقعه أحد ، أنها كندا ، ففي أوائل يناير ، ظهر مشهد صادم على شاشات العالم :
رئيس وزراء كندا يجلس في بكين ، أمام الرئيس الصيني ، للتفاوض على اتفاقيات تجارية بمليارات الدولارات ..
كندا ، الحليف التاريخي لواشنطن ، عضو مجموعة السبع واقتصادها مرتبط بالسوق الأمريكي بشكل شبه كامل ، ومع ذلك ، قررت أن تتجه شرقاً ..
ردّ ترامب كان عنيفاً وهدد بفرض رسوم 100% على الصادرات الكندية ، في خطوة كان معناها العملي خنق الاقتصاد الكندي بالكامل ..
المنطق قال إن أوتاوا ستتراجع ، لكن الذي حدث كان العكس تماماً ..
رئيس الوزراء الكندي خرج في دافوس ليعلن أمام العالم ، أن الصين شريك يمكن الاعتماد عليه ، وأن زمن الهيمنة الأمريكية قد انتهى ، ولأول مرة منذ أكثر من قرن بدأ الجيش الكندي مناقشة سيناريوهات مواجهة تهديد أمريكي محتمل ..
هنا لم يعد الخلاف سياسياً ، بل بداية تصدع داخل قلب المعسكر الغربي نفسه ، وما إن ظهرت الشرخ الأول حتى بدأت أوروبا تتحرك في الاتجاه ذاته ..
فرنسا ترحّب بالصين علناً ، ألمانيا ترتب زيارة رسمية لبكين ، وبريطانيا توافق على إنشاء أكبر سفارة صينية في العالم داخل لندن ..
رسالة واحدة خرجت من كل ذلك :
أوروبا لم تعد تثق في واشنطن كما كانت ..
سياسات ترامب الحادة والضغوط الاقتصادية والابتزاز المباشر للحلفاء ، دفعت القارة العجوز للبحث عن بديل
حتى لو كان هذا البديل هو الصين نفسها ، وهكذا بدل أن تعيد أمريكا هيبتها وجدت نفسها تفكك التحالف الغربي بيديها ..
وهنا يطرح السؤال الأخطر : هل كانت واشنطن تجهل نتائج هذا المسار ؟
الجواب : كلا ، الولايات المتحدة تعلم تماماً ما تفعل لكنها وصلت إلى لحظة لم تعد قادرة فيها على الاستمرار بنفس الدور القديم ..
وفي 23 يناير نشرت وزارة الدفاع الأمريكية وثيقة استراتيجية 2026 ، حملت اعترافاً غير مباشر بحقيقة تاريخية مفادها ، أمريكا لم تعد تريد – ولا تستطيع – أن تكون شرطي العالم ..
لذلك فان الهدف الجديد أصبح واضحاً ، وهو التركيز على نصف الكرة الغربي فقط ، والانسحاب التدريجي من الأعباء العالمية ..
أوروبا ستعتمد على نفسها وإسرائيل ستتحمل تكلفة أمنها والشرق الأوسط لن يبقى أولوية دائمة ..
بمعنى أدق ، الإمبراطورية تعيد التموضع قبل الإنهاك الكامل ، لكن التاريخ يخبرنا بشيء واحد ثابت وهو ، عندما تتراجع الإمبراطوريات ، تبدأ الفوضى ، وهنا نصل إلى أخطر نقطة على الخريطة وهي إيران ..
في هذا التوقيت الحساس وصلت حاملة الطائرات الأمريكية “إبراهام لينكولن” إلى خليج عُمان بالقرب من الحدود الإيرانية ضمن حشد عسكري هو الأكبر منذ حرب الخليج ..
مدمرات وقاذفات استراتيجية ومقاتلات متقدمة منتشرة في قواعد المنطقة ، وفي المقابل تحذيرات إسرائيلية عاجلة ، وإلغاء واسع لرحلات الطيران وتصريحات تتحدث عن مرحلة شديدة الحساسية ، وإيران ترد بعرض خرائط لأهداف داخل إسرائيل ، وتلوّح بضرب الحاملة الأمريكية نفسها ..
من هنا بدا المشهد واضحاً ، المنطقة تقف على حافة ضربة كبرى ، والهدف ليس إيران وحدها بل ما تمثله إيران في معادلة الصراع العالمي ، كونها أهم حليف للصين في الشرق الأوسط وأحد مصادر الطاقة الحيوية لاقتصادها ، اذا فان كسر إيران يعني خنق جزء من الصعود الصيني ..
وفي اللحظة نفسها ومن الطرف الآخر من العالم تتحرك الصين ، فبمجرد ان غادرت الحاملة الأمريكية بحر الصين أطلقت بكين أكبر مناورات بحرية وجوية حول تايوان في تاريخها ، في رسالة على قدرتها في فرض حصار عملي ، بالأضافة إلى انها رسالة سياسية واختبار مباشر لقدرة واشنطن على القتال في جبهتين ، فإما التراجع ، أو المجازفة بانفجار عالمي ..
هنا تتضح الصورة كاملة ، فالعالم لا يعيش أزمة عابرة بل يعيش لحظة انتقال كبرى في ميزان القوى ، فهنالك قوة عظمى تتراجع وقوة صاعدة تختبر الحدود وحلفاء يبحثون عن حماية بديلة ، والأسواق تستعد لمرحلة لا تشبه ما قبلها ..
نحن لا نشاهد أخباراً ، نحن نشاهد إعادة تشكيل العالم ، والأخطر أن كل هذا يحدث الآن وأمام أعيننا مباشرة ، وهنالك زلزال جيوسياسي يهز المنطقة ، فهل اقتربت ساعة الحسم بدون حرب برية ؟

نشرت صحيفة التلغراف البريطانية تقريرا يحبس الأنفاس ، يكشف الستار عن الخيار النووي الاقتصادي الذي يدرسه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للسيطرة المطلقة على القرار الإيراني ..
الأمر لا يتعلق بغزو شامل ولا بطائرات تقصف العاصمة ، بل بنقطة صغيرة على الخريطة تسمى جزيرة خرج ..
لماذا هذه الجزيرة تحديداً ؟
أن 94% من شريان الحياة الإيراني النفط الخام يمر عبر هذه المحطة الواحدة ، لذا فان السيطرة على هذه الجزيرة التي تبعد 24 كم فقط عن الساحل ، يعني ببساطة أن واشنطن ستضع يدها على محابس الاقتصاد الإيراني بالكامل ، فاستراتيجية ترامب تعتمد على الخنق الهادئ ..
فبينما كانت الأنظار تتجه للضربات العسكرية ، يرى ترامب أن السيطرة على خرج هي نقطة الضعف القاتلة ..
تشير التقارير إلى أن الإدارة الأمريكية طلبت من إسرائيل التريث ووقف استهداف منشآت الطاقة ، ليس حباً في السلام ، بل لأن هناك خطة أكبر للسيطرة على هذه المنشآت بدلا من تدميرها .. لماذا الآن ؟
تخشى واشنطن من اشتعال أسعار النفط العالمية إذا دمرت المنشآت ، لكن الاستيلاء عليها يمنح ترامب ورقة ضغط لم يحلم بها رئيس أمريكي من قبل ، فإما الرضوخ الكامل للشروط ، أو قطع شريان الحياة بضغطة زر ..
نحن أمام فصل جديد من صراع الأدمغة والقوة ، حيث تتحول الجغرافيا إلى سلاح أمضى من الصواريخ العابرة للقارات ..
فهل نعيش الأيام الأخيرة من حياة الجمهورية كما نعرفها ، أم أن طهران تخبئ مفاجأة لهذه المناورة الجريئة ؟

زر الذهاب إلى الأعلى