آراء

نزار العوصجي: العراق ليس حاكمية مذهبية.. العراق وطن ودولة

من أخطر ما يمكن أن يُطرح على العراقيين اليوم، أن تتحول الدولة إلى موضوع للمفاضلة بين المذاهب، وأن يصبح الوصول إلى السلطة أو الاحتفاظ بها حقاً حصرياً لطائفة أو مذهب.
فبين حين وآخر، نسمع في وسائل الإعلام من يتحدث عن «الحاكمية الشيعية»، وعن ضرورة الحفاظ على استمرارية وجودها في السلطة، وكأن العراق لم يعد وطناً لجميع أبنائه، وإنما أصبح ساحة صراع على النفوذ بين مكونات المجتمع.
وهنا لا بد من قول الحقيقة بوضوح، بعيداً عن المجاملة أو الخوف:
العراق ليس حاكمية شيعية، ولا حاكمية سنية، ولا حاكمية مسيحية، ولا حاكمية قومية. العراق وطن ودولة لجميع العراقيين.

إن اختزال العراق بمذهب أو طائفة هو في حد ذاته ظلم للعراق وللعراقيين، والأخطر من ذلك أنه يعيد إنتاج المشكلة ذاتها التي عاشها العراقيون طوال السنوات الماضية، حين جرى تحويل الاختلافات الاجتماعية والدينية إلى أدوات سياسية، واستُخدم الخوف من الآخر وسيلةً للبقاء في السلطة.
والسؤال الذي ينبغي أن يُطرح ليس: من أي طائفة يجب أن يكون الحاكم؟
بل: من هو العراقي القادر على إدارة الدولة بعدل ونزاهة وكفاءة؟
هذه هي القضية الحقيقية.
فالشيعي والسني والمسيحي، والكردي والعربي والتركماني وسائر مكونات الشعب العراقي، جميعهم عراقيون، لهم الحقوق ذاتها وعليهم الواجبات ذاتها.
ولا يجوز أن يكون الدين أو المذهب أو القومية جواز مرور إلى السلطة، كما لا يجوز أن يكون سبباً في حرمان أي مواطن عراقي من حقه في المشاركة في إدارة وطنه.

لقد أثبتت التجربة أن المشكلة لم تكن يوماً في هوية المسؤول المذهبية بقدر ما كانت في سلوكه السياسي، ونزاهته، وكفاءته، ومقدار ارتباطه بالعراق أو ارتهانه للخارج.
نحن لا نريد أن يحكم العراق شخص لأنه شيعي، ولا لأنه سني، ولا لأنه مسيحي.
نريد أن يحكمه عراقي.
عراقي يعرف أن العراق وطنه، وأن شعبه أمانة في عنقه، وأن المال العام ليس غنيمة، وأن السلطة ليست ملكاً شخصياً، وأن المنصب تكليف وليس تشريفاً.
نريد مسؤولاً لا يكون لصاً، لا يكون فاسداً، لا يكون قاتلاً، لا يكون تابعاً، لا يكون أداة بيد أي قوة خارجية.
ولا يكون ولاؤه لدولة أخرى مقدماً على ولائه للعراق.
إن العراق لا يحتاج إلى حكام ينتمون إلى هذا المذهب أو ذاك بقدر حاجته إلى رجال دولة ينتمون إلى العراق أولاً وأخيراً.
رجال يعرفون معنى السيادة.
يعرفون معنى الاستقلال.
يعرفون أن العلاقات مع الدول الأخرى تقوم على المصالح المتبادلة والاحترام، لا على التبعية والارتهان.

ومن هنا، فإن الحديث عن «الحاكمية» بمعناها المذهبي ليس حلاً لمشكلة العراق، بل هو جزء من المشكلة؛ لأنه يرسخ في ذهن المواطن أن السلطة حق لطائفة، وأن الآخرين مجرد شركاء في نظام تقرر قواعده مسبقاً.
وهذا أمر خطير.
فالدولة التي تُبنى على أساس أن السلطة حق مذهب أو طائفة، ستبقى أسيرة المحاصصة، وستظل عاجزة عن بناء دولة المواطنة والمؤسسات.
أما الدولة التي تجعل العراقية معياراً للانتماء، والكفاءة معياراً للمسؤولية، والنزاهة معياراً للثقة، والقانون معياراً للحكم، فهي الدولة التي يمكن أن تجمع العراقيين من جديد.
لقد آن الأوان للخروج من هذه الدائرة.
آن الأوان لأن يتوقف السياسيون عن المتاجرة بالمذهب والطائفة والقومية.
آن الأوان لأن يتوقفوا عن تخويف العراقيين من بعضهم البعض.
آن الأوان لأن يفهم الجميع أن حماية طائفة لا تكون بمنحها سلطة دائمة، وإنما بحماية جميع المواطنين بالقانون.
وأن حماية الشيعة لا تكون بإقصاء السنة والمسيحيين، كما أن حماية السنة أو المسيحيين لا تكون بإقصاء الشيعة.

الحماية الحقيقية للجميع تبدأ من دولة عادلة.
دولة لا تسأل المواطن عن مذهبه عندما تمنحه حقه.
ولا تسأله عن قوميته عندما توظفه.
ولا تسأله عن دينه عندما تحميه.
ولا تطلب منه أن يثبت ولاءه لطائفة أو حزب أو دولة أجنبية.
بل تسأله فقط: هل أنت عراقي؟
فإذا كان عراقياً، فله كامل الحقوق.
وإذا كان مؤهلاً ونزيهاً ومخلصاً، فليتقدم إلى موقع المسؤولية، أياً كان دينه أو مذهبه أو قوميته.
أما إذا كان فاسداً أو سارقاً أو مجرماً أو تابعاً للخارج، فلا ينبغي أن يكون له مكان في مؤسسات الدولة، مهما كان اسمه، ومهما كان مذهبه، ومهما كانت الجهة التي تقف خلفه.
هذه ليست قضية شيعة وسنة ومسيحيين، هذه قضية العراق.
وليست معركة بين مذهب ومذهب.
إنها معركة بين دولة ولا دولة، بين المواطنة والمحاصصة، بين السيادة والتبعية، بين القانون والفوضى، وبين النزاهة والفساد.
والعراق الذي نريده ليس عراقاً تحكمه الطوائف، بل عراقاً تحكمه المؤسسات.
ليس عراقاً تابعاً للآخرين، بل عراقاً سيداً في قراره.
ليس عراقاً تتقاسم فيه الأحزاب والمذاهب السلطة والثروة، بل عراقاً تكون فيه الدولة ملكاً للشعب.
فليكن واضحاً للجميع:
لا نريد حاكمية مذهبية.
نريد حاكمية الدولة والقانون.
ولا نريد مسؤولاً تابعاً لإيران أو لغيرها.
نريد مسؤولاً تابعاً للعراق وحده.
ولا نريد عبداً للسلطة أو للخارج.
نريد عراقياً حراً، يرفع رأسه بالعراق، ويضع العراق فوق كل اعتبار.
فالعراق ليس ملكاً لمذهب.
العراق ملك للعراقيين جميعاً.
وهذه ليست منّة من أحد، إنها الحقيقة التي يجب أن تعود إليها الدولة العراقية..

زر الذهاب إلى الأعلى