نزار العوصجي: عمى البصيرة..

مقال للكاتب نزار العوصجي عن عمى البصيرة، والفرق بين المعرفة والحكمة، وخطورة التعصب وإنكار الحقائق في الحياة السياسية ومسؤولية القيادة.
أعمى البصيرة هو الإنسان الذي يمتلك نعمة البصر، لكنه يفتقر إلى القدرة على إدراك الحقائق وفهم معانيها والتمييز بين الصواب والخطأ، وبين الحق والباطل، وبين ما ينفعه وما يضره.
فهو قد يرى الأحداث بأم عينه، ويسمع الحقائق بأذنيه، ولكنه يعجز عن استيعاب دلالاتها، إما بسبب الجهل، أو التعصب، أو الأهواء والمصالح الشخصية، أو الإصرار على رفض الحقيقة.
هنالك من يسأل، ما الفرق بين عمى البصر وعمى البصيرة؟
عمى البصر هو فقدان القدرة على الرؤية بالعين، أما عمى البصيرة فهو فقدان القدرة على رؤية الحقيقة بالعقل والوعي والضمير.
فالأول لا يرى الأشياء المحيطة به، لكنه قد يمتلك من الحكمة والإدراك ما يفوق كثيراً ممن يبصرون.
أما الثاني، فقد يرى كل شيء أمامه، لكنه يفسر الوقائع وفقاً لما تمليه عليه رغباته ومصالحه، لا وفقاً لما تقوله الحقيقة.
فليس كل من يرى يبصر، وليس كل من يسمع يفهم، وليس كل من يتحدث يمتلك الوعي والإدراك.
«فليس كل من يرى يبصر، وليس كل من يسمع يفهم، وليس كل من يتحدث يمتلك الوعي والإدراك.»
تتجلى هذه الظاهرة بصورة واضحة في الحياة السياسية، عندما يعجز بعض الأشخاص عن إدراك حجم الكوارث التي تحل بأوطانهم، أو يرفضون الاعتراف بالأخطاء التي يرتكبها من يؤيدونهم، حتى عندما تكون نتائج تلك الأخطاء واضحة أمام الجميع.
وقد يصل الأمر ببعضهم إلى تبرير الفشل، والدفاع عن الفاسدين، وتزيين الهزائم، والتغاضي عن معاناة المواطنين، لا لأن الحقائق غائبة عنهم بالضرورة، بل لأن التعصب قد يعطل قدرتهم على الاعتراف بها.
وهنا تصبح المشكلة أعمق من مجرد الجهل؛ لأن الجاهل يمكن أن يتعلم إذا توفرت لديه الرغبة في المعرفة، أما من يغلق عقله أمام الحقيقة، ويصر على إنكارها مهما كانت الأدلة واضحة، فإنه يضع نفسه في عزلة عن الواقع.
قد يكون الإنسان متعلماً، ويحمل الشهادات العليا، ويتولى منصباً مهماً، لكنه يفتقر إلى الحكمة وسلامة الحكم على الأمور.
فالعلم يمنح الإنسان المعرفة، لكن البصيرة تمنحه القدرة على فهمها ووضعها في سياقها الصحيح. والمنصب يمنحه سلطة اتخاذ القرار، لكنه لا يمنحه بالضرورة الحكمة أو النزاهة أو القدرة على استشراف العواقب.
ولهذا قد نجد إنساناً بسيطاً يمتلك من الوعي والحكمة ما لا يمتلكه مسؤول كبير، لأن البصيرة ليست مرتبطة بالمكانة الاجتماعية أو الشهادات العلمية، بل بقدرة الإنسان على التفكير الموضوعي، ومراجعة مواقفه، والاعتراف بأخطائه، والاحتكام إلى ضميره.
«فالعلم يمنح الإنسان المعرفة، لكن البصيرة تمنحه القدرة على فهمها ووضعها في سياقها الصحيح.»
الخطر الحقيقي عندما يتحول من حالة فردية إلى ظاهرة عامة، وعندما يتولى فاقدو البصيرة مسؤولية قيادة الآخرين، أو يصبحون مؤثرين في تشكيل وعي المجتمع وتوجيه قراراته.
فالمشكلة ليست في أن يخطئ الإنسان، فالخطأ جزء من الطبيعة البشرية، وإنما في أن يرى نتائج أخطائه المدمرة ثم يصر عليها، وأن يشاهد معاناة الآخرين ثم يتجاهلها، وأن يعرف الحقيقة ثم يحاربها لأنها لا تتفق مع مصالحه.
إن أخطر ما يصيب الإنسان ليس أن يجهل الحقيقة، بل أن يفقد الرغبة في معرفتها؛ وليس أن يرتكب الخطأ، بل أن يفقد القدرة على الشعور بخطئه.
أعمى البصيرة ليس بالضرورة من غابت عنه الحقيقة، بل قد يكون من حضرت أمامه بكل شواهدها، ومع ذلك رفض رؤيتها بعقله وضميره.
فالبصيرة الحقيقية هي أن ترى ما وراء المظاهر، وأن تميز بين الشعارات والأفعال، وبين الادعاء والواقع، وبين من يخدم الوطن ومن يستغله، وبين من يدافع عن المبادئ ومن يتخذها وسيلة لتحقيق مصالحه.
«فالبصيرة الحقيقية هي أن ترى ما وراء المظاهر، وأن تميز بين الشعارات والأفعال، وبين الادعاء والواقع»
ولعل أبلغ ما يمكن أن نختم به هذا المفهوم هو:
«ليس العمى أن تفقد عينيك القدرة على رؤية النور، بل أن ترى النور بعينيك، ثم تصر على تسميته ظلاماً؛ وليس فقدان البصيرة أن تغيب عنك الحقيقة، بل أن تقف أمامها واضحةً جلية، ثم تختار بإرادتك أن تدير لها ظهرك».
فالأوطان لا تتعثر بسبب قلة المبصرين بأعينهم، بقدر ما تتعثر حين يتولى شؤونها من لا يبصرون بعقولهم، ولا يحتكمون إلى ضمائرهم، ولا يدركون أن مسؤولية القيادة تقتضي الحكمة والوعي والشعور بمعاناة الناس..
مقالات سابقة للكاتب
- نزار العوصجي: بين ملكٍ يقترب من شعبه، وسلطةٍ ابتعدت عن شعبها..
- نزار العوصجي: التأريخ يعيد نفسه
- نزار العوصجي: ما هو مفهوم الكرامة؟
شاهد أيضًا
رابط الفيديو على يوتيوب: انقر هنا (https://www.youtube.com/watch?v=MN2z_fJGZL8)
