مركز جنيف: العراق من أخطر بؤر الاختفاء القسري ومئات الآلاف لا يزال مصيرهم مجهولاً

يورو تايمز – ستوكهولم
دعا مركز جنيف الدولي للعدالة Geneva International Centre for Justice – GICJ السلطات العراقية والمجتمع الدولي إلى تحرك جدي لإنهاء ملف الاختفاء القسري في العراق، معتبراً أن البلاد تواجه واحدة من أخطر وأكبر أزمات المفقودين والمختفين في العالم، وأن استمرار غياب الحقيقة والمساءلة بعد عقود من الانتهاكات يمثل إخفاقاً قانونياً وأخلاقياً لا يمكن التعامل معه باعتباره ملفاً مؤجلاً.
وجاء موقف المركز بمناسبة اليوم الدولي لضحايا الاختفاء القسري، الموافق 30 أغسطس/آب، مؤكداً أن الاختفاء القسري ليس حادثاً ينتهي عند لحظة الاعتقال أو الخطف، وإنما جريمة مستمرة ما دام مصير الشخص أو مكان وجوده مجهولاً.
وقال المركز إن الصمت أمام هذه الجريمة «لم يعد مقبولاً»، وإن بقاء أعداد هائلة من الأشخاص في عداد المفقودين حول العالم يعكس فشلاً سياسياً وقانونياً وأخلاقياً لدى الدول والمؤسسات التي تسمح ببقاء الحقيقة خلف «السجون السرية والسجلات المغلقة والمؤسسات غير الخاضعة للمساءلة».
العراق في صدارة أكثر الملفات خطورة
وخصص المركز الجزء الأكبر من موقفه للعراق، الذي وصفه بأنه من أكثر الحالات إلحاحاً وخطورة على المستوى الدولي.
وقال إن البلاد مرت بموجات متلاحقة من الاختفاء عبر عقود مختلفة، شملت حقبة الحكم السابق، ثم الغزو والاحتلال بعد عام 2003، والاحتجازات غير المعلنة، والانقسامات الأمنية والسياسية، وصعود الجماعات المسلحة والميليشيات، ثم تنظيم داعش والعمليات العسكرية لمكافحته.
وأدت هذه المراحل، بحسب المركز، إلى تراكم أعداد ضخمة من العائلات التي لا تزال حتى اليوم تبحث عن أبنائها ولا تعرف ما إذا كانوا أحياء أو أمواتاً أو أين احتُجزوا أو دُفنوا.
الأمم المتحدة: بين 250 ألفاً ومليون مفقود منذ 1968
وتشير لجنة الأمم المتحدة المعنية بحالات الاختفاء القسري إلى أن التقديرات المتداولة تضع عدد المفقودين في العراق بين 250 ألفاً ومليون شخص منذ عام 1968، وهو نطاق يشمل موجات متعددة من الاختفاء وليس فترة ما بعد 2003 وحدها.
وقالت اللجنة إن حجم الظاهرة «هائل»، وإنه من غير الممكن حتى الآن تقديم رقم أكثر دقة بسبب تعدد الفترات والجهات والأنماط التي ارتبطت بعمليات الاختفاء.
وتشمل هذه الفترات حقبة البعث بين 1968 و2003، وما بعد الغزو عام 2003، وفترة داعش والعمليات العسكرية ضده، واحتجاجات 2018–2020، إضافة إلى أنماط قالت اللجنة إنها ما تزال مستمرة.
أما مركز جنيف الدولي للعدالة نفسه فيذهب في تقديراته الخاصة إلى أن نحو مليون شخص قد يكونون اختفوا منذ غزو العراق عام 2003.
القانون العراقي لا يزال بحاجة إلى تجريم مستقل وواضح
ويرى مركز جنيف أن العراق لا يستطيع إغلاق هذا الملف من دون مواجهة الحقيقة كاملة، ومن أبرز المشكلات التي أشار إليها عدم وجود إطار وطني شامل ونافذ يجرّم الاختفاء القسري بصورة مستقلة ومتطابقة مع الاتفاقية الدولية.
وقال وزير العدل العراقي خالد شواني أمام لجنة الاختفاء القسري في مارس/آذار 2026 إن الحكومة أعدت مشروع قانون يتعلق بالاختفاء القسري وإنه كان لا يزال قيد المناقشة في البرلمان.
وأقرت لجنة الأمم المتحدة بأن العراق اتخذ بعض الخطوات التشريعية والمؤسساتية، لكنها قالت إن مخاوف وتحديات مهمة ما تزال قائمة.
سجلات المحتجزين وأماكن الاحتجاز غير المعلنة
وطالب مركز جنيف بتوحيد قواعد البيانات والسجلات المتعلقة بالمحتجزين والمفقودين، وفتح جميع مراكز الاحتجاز أمام الرقابة المستقلة، والتحقيق في الادعاءات المتعلقة بوجود أماكن احتجاز غير معلنة أو سرية.
وسبق للجنة الأمم المتحدة أن أثارت تقارير تتعلق بأشخاص احتُجزوا في مواقع لا تظهر باعتبارها أماكن احتجاز رسمية أو لم تكن الجهة التي تحتجزهم معروفة بصورة واضحة.
643 رجلاً وصبياً اختفوا بعد عملية الصقلاوية
ومن أبرز الملفات التي ظلت بلا إجابات كافية قضية 643 رجلاً وصبياً اختفوا في يونيو/حزيران 2016 بعد احتجازهم خلال العمليات العسكرية لاستعادة الفلوجة من داعش.
وقالت منظمة العفو الدولية إن الرجال والصبية احتُجزوا من قبل عناصر مرتبطة بقوات الحشد الشعبي، وإن مصيرهم ظل مجهولاً رغم المطالب المتكررة بإجراء تحقيقات وكشف الحقيقة.
المركز يتهم السلطات بـ«الخداع والتسويف»
واتهم مركز جنيف الدولي للعدالة السلطات العراقية بممارسة ما وصفه بـ«الخداع والتسويف» في ملف المختفين، قائلاً إن القضية ترتبط بمصير أعداد كبيرة من الضحايا وعائلاتهم ولا يجوز التعامل معها عبر بيانات أو إجراءات شكلية.
وهذا الاتهام يمثل موقف مركز جنيف، بينما تقول الحكومة العراقية إنها اتخذت خطوات تشريعية ومؤسساتية لمعالجة الملف.
لكن لجنة الأمم المتحدة أكدت في مراجعتها الأخيرة أنه رغم بعض الخطوات الإيجابية، فإن التحديات الخطيرة ما تزال قائمة.
دعوة إلى تحقيقات مستقلة ومحاسبة المسؤولين
وطالب مركز جنيف السلطات العراقية بإجراء تحقيقات شفافة ومستقلة في جميع ادعاءات الاختفاء القسري، ومحاسبة المسؤولين عنها بصرف النظر عن مناصبهم أو انتماءاتهم السياسية والأمنية.
- الكشف عن مصير جميع المختفين.
- فتح أماكن الاحتجاز أمام جهات رقابية مستقلة.
- توحيد قواعد البيانات الوطنية للمفقودين والمحتجزين.
- حماية عائلات الضحايا والشهود والمحامين والنشطاء.
- التحقيق في المقابر الجماعية وربط نتائج الفحوص بملفات المفقودين.
- تقديم التعويض وجبر الضرر للضحايا والعائلات.
- عدم استخدام الأمن القومي أو مكافحة الإرهاب لتبرير الاحتجاز السري.
الأمم المتحدة: الاختفاء القسري قد يكون جريمة ضد الإنسانية
ووفق نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية والاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري، فإن الاختفاء القسري عندما يُرتكب كجزء من هجوم واسع النطاق أو منهجي موجه ضد السكان المدنيين يمكن أن يشكل جريمة ضد الإنسانية.
أما وصف الاختفاء القسري بأنه إبادة جماعية فلا ينشأ بصورة تلقائية من الجريمة نفسها، إذ تحتاج الإبادة في القانون الدولي إلى عناصر إضافية، أبرزها وجود نية محددة لتدمير جماعة قومية أو إثنية أو عرقية أو دينية كلياً أو جزئياً.
2026 يصادف مرور 20 عاماً على الاتفاقية الدولية
ويصادف العام الحالي مرور عشرين عاماً على اعتماد الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري عام 2006.
واختارت الأمم المتحدة لعام 2026 شعار «الضحايا أولاً.. العمل الآن» Victims first. Actions now.
والعراق طرف في الاتفاقية منذ 23 نوفمبر/تشرين الثاني 2010، وهو ما يرتب عليه التزامات دولية بالبحث عن المختفين والتحقيق في الجرائم ومنع تكرارها وملاحقة المسؤولين عنها.
«لا يمكن بناء دولة قانون فوق مصير مجهول»
وقال مركز جنيف إن ملف المختفين في العراق لا ينبغي التعامل معه باعتباره «قضية داخلية مؤجلة»، داعياً الأمم المتحدة والمجتمع الدولي إلى إبقائه تحت المتابعة والمساءلة المستمرة.
وأضاف أن حقوق العائلات لا تزول بمرور الزمن، وأن الحقيقة لا يجوز أن تدفن مع الضحايا في المقابر المجهولة أو وراء أبواب مراكز الاحتجاز.
وختم المركز موقفه بالتأكيد أن «لا مصالحة من دون كشف الحقيقة، ولا استقرار من دون عدالة، ولا عدالة مع استمرار الإفلات من العقاب».
