موضوعات رئيسية

واشنطن تستعد للحرب وتفاوض على السلام.. هل تريد ضربة تُخضع إيران أم مواجهة لا تستطيع التحكم بنهايتها؟

بين الاستعدادات العسكرية الأميركية والوساطة مع طهران، تقرير تحليلي يدرس خيارات واشنطن لفرض تسوية، ومخاطر الرد الإيراني على دول الخليج ومضيق هرمز.

يورو تايمز / المحرر السياسي

تقرير تحليلي خاص | 23 أكتوبر 2026

بين الاستعدادات العسكرية الأميركية المتسارعة في الشرق الأوسط واستمرار الاتصالات الدبلوماسية غير المباشرة مع طهران، تواجه واشنطن سؤالاً يتجاوز قدرتها على تنفيذ ضربة عسكرية جديدة: هل تستطيع تحويل التفوق العسكري إلى تسوية سياسية، أم أن أي هجوم جديد قد يفتح مواجهة لا تمتلك السيطرة على توقيت نهايتها ونطاقها؟

الاستعداد العسكري لا يعني اتخاذ القرار

كشفت صحيفة فايننشال تايمز في 21 أكتوبر، استناداً إلى مصادر مطلعة، أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو دفع باتجاه استئناف ضربات واسعة على إيران، وأن خططاً لهجوم في العاشر من أكتوبر لم تنفذ، بحسب المصادر، بسبب معارضة الرئيس الأميركي دونالد ترمب قبل الانتخابات النصفية. وقد نفى نتنياهو صحة التقرير، ما يجعل تفاصيل الهجوم المزعوم موضع خلاف. ومع ذلك، تُظهر التقارير وجود مناقشات جدية حول خيارات عسكرية جديدة.

وفي 22 أكتوبر، قالت مجلة ذا أتلانتيك إن الإدارة الأميركية تدرس استئناف حملة ضربات لعدة أيام بعد الانتخابات، قد تشمل منظومات الصواريخ والمسيّرات والبنية النفطية والمنشآت النووية الإيرانية. وأكد المسؤولون الذين تحدثوا للمجلة عدم اتخاذ قرار نهائي. ويعني ذلك أن إعداد الخطط وحشد القدرات لا ينبغي الخلط بينهما وبين إصدار أمر الهجوم.

بين الحصار الاقتصادي والضربة الجوية

تحدثت ذا أتلانتيك عن مسارين يُعرضان على ترمب: الأول يرتكز على تشديد الحصار والضغوط المالية والاقتصادية لإجبار طهران على تقديم تنازلات، فيما يدعو الثاني إلى جولة إضافية من الضربات العسكرية قد تستهدف تغيير ميزان القوى بصورة حاسمة. ويظل الجمع بين المسارين احتمالاً تناقشه الدوائر الأميركية، لا خطة مثبتة التنفيذ.

تقوم فرضية الضغط على أن تراجع موارد إيران قد يجعل تكلفة الرفض أعلى من تكلفة التفاوض. لكن هذه الفرضية تنطوي على مخاطرة جوهرية: فالأزمة الاقتصادية الشديدة لا تقود بالضرورة إلى قبول الشروط السياسية، خصوصاً عندما ترى القيادة أن التنازلات تمس أمن النظام أو قدرته على الردع.

حرب قصيرة على الورق.. مفتوحة في الواقع

ليس السؤال العسكري هو مدى قدرة الولايات المتحدة وإسرائيل على تدمير أهداف محددة، بل ما إذا كانت الضربات ستغير سلوك القيادة الإيرانية بالطريقة المتوقعة. ونقلت ذا أتلانتيك عن داني سيترينوفيتش، المسؤول السابق في الاستخبارات الإسرائيلية والمتخصص بالشأن الإيراني، تشكيكه بإمكان التخطيط لحرب تستغرق ثلاثة أيام، لأن الطرف المهاجم لا يملك التحكم في رد الخصم.

وإذا رأت طهران أن ضرب منشآتها الحيوية يهدد بقاء النظام، فقد تختار رداً يتجاوز نطاق العملية الأولى. أما إذا اختارت عدم التصعيد، فقد تفسر واشنطن ذلك باعتباره نجاحاً للضغط. كلتا النتيجتين محتملتان نظرياً؛ ولا تكفي المعلومات العلنية لترجيح رد إيراني بعينه بصورة قاطعة.

هرمز: ساحة الضغط المتبادل

يحتل مضيق هرمز موقعاً مركزياً في حسابات الطرفين. فإيران تحتفظ بوسائل لتهديد الملاحة ورفع أسعار التأمين والشحن، بينما تسعى الولايات المتحدة إلى الحد من أثر تعطيل الممر البحري وتشديد الضغوط الاقتصادية. ومع مرور الوقت، تعمل دول الخليج على توسيع مسارات بديلة، بما فيها خط الأنابيب السعودي شرق–غرب وميناء ينبع.

هنا تظهر مفارقة استراتيجية: تعطيل الملاحة يعطي طهران ورقة ضغط حالية، لكنه يسرّع أيضاً مساعي منتجي الطاقة والمستوردين لتقليل الاعتماد على المضيق. ومع ذلك لا تستطيع الطرق البديلة تعويض كل حركة التجارة العابرة لهرمز بسهولة، ولا تحصين منشآت التصدير من جميع المخاطر.

وتابعت يورو تايمز سابقاً «فوكس نيوز»: مقاتلات إسرائيلية أجرت تدريبات باتجاه إيران عبر أجواء سوريا والعراق في سياق التحضيرات الجوية.

الخليج يتحمل كلفة الرد غير المباشر

تبدو دول الخليج في قلب حسابات الرد الإيراني المحتمل. فقد تناولت تقارير بريطانية يوم 22 أكتوبر تهديدات إيرانية باستهداف منشآت النفط والبنية التحتية الرقمية ومراكز البيانات إذا تجددت الضربات الأميركية والإسرائيلية. وهذه تهديدات معلنة لا تعني تحقق هجمات على كل الأهداف المذكورة.

وتزداد حساسية الموقف لأن المنشآت الاقتصادية والمطارات ومحطات الكهرباء تمتد على مساحات أوسع من المواقع العسكرية المحصنة. وقد يحقق عدد محدود من الهجمات الناجحة اضطراباً اقتصادياً كبيراً حتى إذا اعترضت الدفاعات معظم المقذوفات. وفي الوقت نفسه، فإن اتساع الضربات على دول الخليج قد يدفع حكومات المنطقة إلى إعادة حساباتها الأمنية والردعية، بما لا يضمن أن يظل التصعيد محصوراً بين واشنطن وطهران.

وفي 22 أكتوبر أعلنت الولايات المتحدة إجراءات احترازية تخص بعض موظفيها الدبلوماسيين في السعودية على خلفية التهديدات الأمنية. ويعكس القرار تقديراً مرتفعاً للمخاطر، لكنه لا يثبت وحده قرب صدور أمر أميركي بهجوم جديد.

إسرائيل والتوقيت الانتخابي

تقع المناقشات العسكرية قبل الانتخابات الإسرائيلية المقررة في 27 أكتوبر، والانتخابات النصفية الأميركية في 3 نوفمبر. وبحسب فايننشال تايمز، ربطت مصادرها عدم تنفيذ خطة إسرائيلية سابقة باعتراض ترمب على استئناف الحرب قبل الاستحقاق الأميركي. أما ذا أتلانتيك فذكرت أن مسؤولين أميركيين يؤكدون عدم حسم قرار توجيه ضربات بعد الانتخابات.

الجدول الانتخابي قد يؤثر في توقيت القرار، لكنه لا يفسر وحده جميع الاعتبارات المتعلقة بأسعار الطاقة وأمن القوات الأميركية والعلاقات مع دول الخليج. ومن الخطأ بالتالي اعتبار انتهاء الانتخابات موعداً تلقائياً لبدء العمليات.

الدبلوماسية والعقدة الأعمق

لا تزال قنوات الوساطة تتيح مخرجاً من المواجهة، لكن الخلاف لا يقتصر على مضمون أي تفاهم بشأن البرنامج النووي أو الملاحة، بل يمتد إلى ترتيب الخطوات والضمانات. فالولايات المتحدة تريد إجراءات إيرانية قابلة للتحقق، بينما تطالب طهران بتخفيف فعلي للحصار والضغوط قبل تقديم تنازلات كبيرة.

إذا كان كل طرف مقتنعاً بأن استمرار الضغط سيحسن موقعه التفاوضي، فقد تتراجع فرص التوصل إلى تسوية سريعة. وفي المقابل قد تجعل كلفة الاستنزاف العسكري والاقتصادي الاتفاق التدريجي أكثر جاذبية إذا توفرت ضمانات متبادلة.

ثلاثة مسارات للمواجهة

المسار الأول هو استخدام التهديد العسكري والحصار لانتزاع اتفاق تدريجي يخفف التوتر في هرمز ويعالج بعض الملفات النووية والاقتصادية. ويتطلب ذلك تنازلات متبادلة قابلة للتنفيذ.

المسار الثاني هو تنفيذ حملة ضربات قصيرة يعقبها رد إيراني ضد القوات الأميركية أو مصالح حلفائها أو حركة الملاحة، ما قد يفرض جولات إضافية من العمليات ويُخرج المواجهة من إطارها الزمني المخطط.

المسار الثالث هو استمرار الاستنزاف دون تسوية شاملة أو حرب مفتوحة: عقوبات وحصار وتهديدات وهجمات محدودة واتصالات دبلوماسية متقطعة. ورغم أنه يقلل احتمال الانفجار الفوري، فإنه يُبقي مخاطر سوء الحسابات قائمة.

من يبدأ الحرب لا يحدد وحده نهايتها

القدرة الأميركية على توجيه ضربات دقيقة وواسعة لا تعني تلقائياً ضمان نتيجة سياسية سريعة. فإذا كانت الغاية من الهجوم فرض تسوية، فإن معيار النجاح لن يكون حجم الأضرار التي لحقت بالمنشآت الإيرانية فقط، وإنما قدرة واشنطن على وقف الرد المتبادل وفتح مسار تفاوضي مستقر من دون زعزعة أمن الخليج والملاحة الدولية.

وبذلك يصبح السؤال الحاسم: هل تملك الإدارة الأميركية تصوراً قابلاً للتنفيذ لما سيحدث بعد الضربة، أم أنها تراهن على أن شدة الضغط ستدفع طهران إلى القبول قبل أن تتسع المواجهة؟ حتى 23 أكتوبر لا تقدم المعلومات العلنية ما يثبت اتخاذ قرار نهائي بالحرب، ولا ما يضمن نجاح الوساطة. المؤكد أن ارتفاع مستوى الجاهزية وتزايد التهديدات الإقليمية يرفعان تكلفة أي خطأ في الحسابات.

اقرأ أيضاً

شاهد أيضًا

قلعة جبل فارو في #مالقة: أسوار وأبراج فوق الميناء | #إسبانياللمشاهدة عبر تطبيق يوتيوب انقر هنا

رابط الفيديو على يوتيوب: انقر هنا (https://www.youtube.com/watch?v=6FBNFoe4MFE)

المصادر: Financial Times (21 أكتوبر 2026)، The Atlantic (22 أكتوبر 2026)، The Guardian (22 أكتوبر 2026)، ومواد وكالة أسوشيتد برس حول التهديدات الأمنية الخليجية.

الصورة: حاملة طائرات أميركية، أرشيفية، تصوير Vidar Nordli-Mathisen / Unsplash.

زر الذهاب إلى الأعلى