نزار العوصجي: عندما يتحدث الفاسدون عن مكافحة الفساد.. فمن يخاطبون؟

من المفارقات التي لا تخطئها العين في العراق أن الحديث عن الفساد أصبح صناعة بحد ذاته ، وأن أكثر من يرفع شعار مكافحة الفساد هم أولئك الذين تلاحقهم الشبهات ، أو الذين نشأوا وترعرعوا داخل المنظومة التي أنتجت الفساد وحمته لعقود .
فالفساد في العراق لم يعد مجرد ملف إداري أو مالي ، بل أصبح ثقافة سياسية ، وأداة للصراع ، ووسيلة لتصفية الحسابات ، وشعاراً انتخابياً يتكرر كل أربع سنوات دون أن يلامس جوهر المشكلة .
ولو تأملنا المشهد العراقي بدقة ، لوجدنا أن الحديث عن الفساد يحمل دلالات أعمق من مجرد الحديث عن الأموال المنهوبة أو العقود الوهمية .
فهو يكشف أيضاً هوية المتحدثين أنفسهم ، ويطرح سؤالاً بالغ الأهمية :
من الذي يتحدث عن الفساد ؟
ولماذا يتحدث عنه ؟
المواطن العراقي البسيط ، الذي ياتي من شحة الكهرباء أو الماء ، ويقف ساعات طويلة للحصول على فرصة عمل ، لا يجلس في المقاهي أو وسائل الإعلام ليتحدث عن تفاصيل ملفات الفساد أو شبكات غسل الأموال أو العمولات السياسية .
همّه الأول هو أن يعيش بكرامة ، وأن يجد مدرسة مناسبة لأطفاله ، ومستشفى يعالج مرضاه ، وراتباً يكفي آخر الشهر .
حديث الناس البسطاء ليس عن الفساد بوصفه مفهوماً قانونياً ، بل عن نتائجه الكارثية التي يعيشونها يومياً .
فهم يتحدثون عن الطرق المتهالكة ، وانقطاع الكهرباء ، وتردي التعليم ، وانهيار القطاع الصحي ، والبطالة ، والفقر ، وغياب العدالة الاجتماعية .
أما الذين يملؤون الشاشات والمنابر بالحديث عن الفساد ، فهم في الغالب سياسيون ، أو رجال أعمال ارتبطت مصالحهم بالسلطة ، أو شخصيات دينية تمتلك نفوذاً سياسياً أو اقتصادياً ، أو مسؤولون سابقون وحاليون كانوا جزءاً من منظومة الحكم نفسها .
وهنا تتجلى المفارقة .
فكثير ممن يتحدثون عن الفساد اليوم ، كانوا بالأمس شركاء في صناعة القرار ، أو داعمين لمنظومة المحاصصة ، أو مستفيدين من الامتيازات ، أو صامتين عن أكبر عمليات نهب شهدها العراق الحديث .
ولهذا يبقى المثل الشعبي العراقي بالغ الدقة حين يقول :
“الذي تحت إبطه عنز يباغش .”
أي أن أكثر الناس صراخاً هو من يخشى انكشاف أمره .
ولهذا يتحول الحديث عن الفساد أحياناً إلى نوع من الدفاع الاستباقي ، أو محاولة لإبعاد الأنظار عن الذات ، أو لإظهار النفس بمظهر الحريص على المال العام ، بينما الوقائع تقول غير ذلك .
إن الفاسد الحقيقي لا يخشى أن يتحدث عن الفساد ، بل يخشى فقط أن يُفتح ملفه هو .
ومن هنا نجد أن معارك مكافحة الفساد في العراق كثيراً ما تتحول إلى صراع بين فاسدين ، لا إلى صراع بين الدولة والفساد .
فكل فريق يمتلك ملفات ضد الفريق الآخر ، لكنها لا تُفتح إلا عندما تختلف المصالح ، أو تتبدل التحالفات ، أو يخرج أحدهم من السلطة .
ولهذا لم تعد عبارة “محاربة الفساد” تثير الحماس لدى المواطن العراقي ، لأنها تكررت آلاف المرات دون نتائج توازي حجم الكارثة .
لقد اعتاد العراقيون أن يسمعوا عن تشكيل لجان تحقيق ، وهيئات نزاهة ، ووعود باسترداد الأموال ، وإعلانات عن اعتقال بعض المسؤولين ، لكنهم في المقابل لا يرون تحولاً حقيقياً في مستوى الخدمات أو في بنية الدولة أو في حجم الأموال المستردة .
فالفساد لا يُقاس بعدد المؤتمرات الصحفية ، ولا بعدد التصريحات النارية ، بل يُقاس بمدى قدرة الدولة على فرض سيادة القانون على الجميع دون استثناء .
ولو كانت الإرادة السياسية حقيقية ، لما بقي الفساد متجذراً في مؤسسات الدولة أكثر من عقدين ، ولما تحولت الوظيفة العامة في كثير من الأحيان إلى وسيلة للإثراء الشخصي بدلاً من خدمة المواطن .
إن أخطر ما أصاب العراق ليس فقط انتشار الفساد ، بل اعتياد المجتمع على سماع الحديث عنه دون أن يرى محاسبة حقيقية .
ومع مرور الزمن ، أصبح الفساد خبراً يومياً ، وفقد كثير من الناس ثقتهم بإمكانية الإصلاح ، لأنهم يرون الوجوه نفسها تتبادل الأدوار بين الاتهام والدفاع ، وبين المعارضة والسلطة ، بينما يبقى المواطن هو الخاسر الوحيد .
إن مكافحة الفساد لا تبدأ بالخطب ، ولا بالشعارات ، ولا بحملات إعلامية موسمية ، وإنما تبدأ حين يخضع الجميع للقانون ، دون حصانات سياسية أو حزبية أو طائفية أو دينية .
وتبدأ عندما تكون أجهزة الرقابة والقضاء مستقلة استقلالاً حقيقياً ، لا أدوات في صراع القوى المتنفذة .
وفي النهاية ، فإن الحديث عن الفساد في العراق لم يعد يكشف حجم الأموال المنهوبة بقدر ما يكشف طبيعة النظام الذي سمح باستمرار هذه الظاهرة .
كما يكشف أن كثرة المتحدثين عن الفساد ليست دليلاً على وجود إرادة للإصلاح ، بل قد تكون ، في كثير من الأحيان ، دليلاً على أن كل طرف يحاول أن يسبق الآخرين في توجيه أصابع الاتهام بعيداً عن نفسه .
ولعل المثل الشعبي يختصر المشهد كله في كلمات قليلة : “الذي تحت إبطه عنز يباغش .”
ففي عراق اليوم ، قد يكون أعلى الأصوات المطالبة بمحاربة الفساد هو الصوت الأكثر خوفاً من أن تُفتح دفاتره هو أولاً ..
