آراء

نزار العوصجي: العراق أمام لحظة التحول الكبرى

قراءة في دلالات زيارة واشنطن وآفاق المشروع الإقليمي الجديد ..
ليست كل الزيارات الرسمية متشابهة ، فبعضها يقتصر على تبادل المجاملات والتوقيع على مذكرات تفاهم سرعان ما توضع في الأدراج ، بينما تتحول أخرى إلى محطات فاصلة تعيد رسم خرائط النفوذ وتحدد مواقع الدول داخل النظام الإقليمي والدولي .
من هذا المنطلق ، تبدو زيارة رئيس الوزراء العراقي إلى واشنطن مختلفة في مضمونها ورسائلها ، لأنها جاءت في مرحلة تشهد إعادة تشكيل شاملة للشرق الأوسط ، سياسياً واقتصادياً وأمنياً .
ولعل أهم ما يمكن استخلاصه من هذه الزيارة أن الولايات المتحدة لم تعد تنظر إلى العراق بوصفه مجرد ساحة أمنية أو ملفاً عسكرياً كما كان الحال طوال العقدين الماضيين ، بل باتت تنظر إليه باعتباره دولة تمتلك مقومات استراتيجية يمكن أن تجعلها محوراً أساسياً في مشروع إعادة بناء المشرق العربي وربط اقتصادات المنطقة ضمن منظومة جديدة من المصالح المتبادلة .
لكن هذا التحول يضع العراق أمام مسؤولية تاريخية ، لأن نجاح الزيارة لن يُقاس بما قيل في المؤتمرات الصحفية ، ولا بعدد الاتفاقيات التي قد تُوقّع ، وإنما بقدرة الدولة العراقية على اتخاذ قرار استراتيجي واضح يحدد اتجاهها خلال العقود المقبلة .
لذا فإن الكرة اليوم في ملعب بغداد .

ولم يعد ممكناً تأجيل الإجابة عن السؤال الأكثر أهمية : ماذا يريد العراق أن يكون ؟
لقد أوضحت الرسائل السياسية الصادرة من واشنطن أن العراق يقف أمام مفترق طرق حقيقي .
إما أن يقرر الاندماج الكامل في مشروع اقتصادي واستراتيجي تقوده الولايات المتحدة وشركاؤها الإقليميون ، فيتحول إلى دولة شريكة في صناعة الاستقرار وإدارة الاقتصاد الإقليمي ، وإما أن يبقى أسير الأزمات الداخلية والتجاذبات الإقليمية ، فيفقد فرصة قد لا تتكرر لعقود .
والملاحظ أن البيئة الدولية الحالية لم تعد تسمح بسياسات المراوحة أو اللعب على التوازنات بين القوى الكبرى كما كان يحدث في مراحل سابقة ، لأن العالم يتجه نحو اصطفافات أكثر وضوحاً ، حيث تتنافس المشاريع الكبرى على استقطاب الدول ذات الموقع والثروة والتأثير .
وفي هذا السياق ، تبدو الرسالة الأمريكية واضحة : العراق لن يكون قادراً على تحقيق نهضة اقتصادية حقيقية وهو غارق في ازدواجية القرار السياسي ، أو في بيئة أمنية مضطربة ، أو في مؤسسات عاجزة عن فرض القانون ومحاربة الفساد .

يعتبر العراق الحلقة التي لا يمكن تجاوزها ، فهناك حقيقة جيوسياسية كثيراً ما يجري تجاهلها ، وهي أن أي مشروع لإعادة إعمار سوريا ، أو إنعاش الاقتصاد اللبناني ، أو بناء منظومة اقتصادية متماسكة في المشرق العربي ، لن يحقق أهدافه من دون العراق .
فالعراق ليس مجرد دولة نفطية ، بل يمثل نقطة الالتقاء بين الخليج العربي وبلاد الشام وتركيا ، ويمتلك شبكة من المقومات التي لا تجتمع في دولة أخرى بالمنطقة : ثروات طاقوية هائلة ، واحتياطيات معدنية واعدة ، وسوقاً واسعة ، وموقعاً يربط أهم الممرات البرية المحتملة بين آسيا وأوروبا .
لهذا لم يعد نجاح العراق شأناً عراقياً خالصاً ، بل أصبح جزءاً من نجاح المشروع الإقليمي بأكمله .
ومن هنا يمكن فهم الاهتمام الأمريكي المتزايد بإعادة دمج العراق في المنظومة الاقتصادية الإقليمية ، باعتباره حلقة لا غنى عنها في أي مشروع طويل الأمد للاستقرار والتنمية .

عندما وصف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب العراق بأنه “بلد غني”، لم يكن يقصد حجم احتياطيات النفط فحسب ، بل كان يشير إلى القيمة الاستراتيجية الشاملة للعراق .
وفي عالم السياسة ، لا تُقاس الثروة بما يوجد تحت الأرض فقط ، بل بقدرة الدولة على تحويل هذه الموارد إلى عناصر نفوذ وتأثير .
فالنفط والغاز والمعادن والموقع الجغرافي ليست ضمانات للنجاح بحد ذاتها ، وإنما تصبح مصادر قوة عندما تُدار عبر دولة مستقرة ، تمتلك سيادتها الكاملة ، وتفرض القانون ، وتحسن إدارة مواردها .
أما عندما وصف رئيس الوزراء بأنه “رجل قوي”، فإن المعنى السياسي لهذا الوصف يتجاوز المجاملة الدبلوماسية .
ففي المدرسة السياسية الأمريكية ، القوة تعني القدرة على اتخاذ القرار ، وإنفاذ القانون ، وحصر السلاح بيد الدولة ، ومكافحة الفساد ، وبناء المؤسسات ، وجذب الاستثمار ، وتنفيذ المشاريع الكبرى .
هذه هي المعايير التي تُبنى عليها التحالفات ، لا الخطابات ولا الشعارات .

لعل أكثر الرسائل أهمية تمثلت في الإشارة إلى إمكانية أن يؤدي العراق دوراً قيادياً في المنطقة .
وإذا أُحسن استثمار هذه الفكرة ، فإنها قد تمثل بداية مشروع تاريخي يعيد للعراق مكانته الطبيعية .
لقد دعوت منذ وقت مبكر إلى أن يحمل العراق مشروعاً متكاملاً لقيادة التنمية في المشرق العربي ، يقوم على ربط العراق بسوريا والأردن ولبنان ضمن شبكة اقتصادية واحدة ، تعتمد على الطاقة العراقية ، والاستثمارات الدولية ، والشراكات الخليجية ، والممرات التجارية مع تركيا ، بما يحول المنطقة من بؤرة صراعات إلى فضاء للتكامل الاقتصادي .
مثل هذا المشروع لا يخدم العراق وحده ، بل يمنح المنطقة بأكملها فرصة للخروج من دوامة الحروب إلى منطق المصالح المشتركة .
ومع ذلك ، فإن جميع هذه الفرص ستبقى حبراً على ورق إذا لم يُحسم الملف الأكثر حساسية ، وهو استقلال القرار الوطني .
فلا يمكن لدولة أن تصبح لاعباً إقليمياً مؤثراً بينما قرارها موزع بين قوى داخلية وخارجية ، أو بينما يزاحم مؤسساتها الرسمية السلاح الخارج عن إطار الدولة ، أو تستنزف مواردها شبكات الفساد .
إن بناء العراق الجديد يبدأ من استعادة الدولة لسلطتها الكاملة ، وترسيخ سيادة القانون ، وتغليب المصلحة الوطنية على أي اعتبارات أخرى .

خلاصة القول : لقد اعتاد العراقيون خلال العقود الماضية أن يشاهدوا الفرص وهي تضيع الواحدة تلو الأخرى ، حتى أصبح ضياع الفرص جزءاً من المشهد السياسي .
أما اليوم ، فإن العراق يقف أمام فرصة مختلفة ، لأنها لا تقتصر على الحصول على دعم اقتصادي أو استثمارات أجنبية ، بل تتعلق بإعادة تعريف دوره في الشرق الأوسط بأكمله .
ويبقى السؤال الذي سيحكم مستقبل السنوات القادمة :
هل تمتلك القيادة العراقية الإرادة السياسية لتحويل هذه اللحظة إلى مشروع وطني يعيد العراق إلى موقعه الطبيعي ، أم أننا سنشهد فصلاً جديداً من مسلسل الفرص الضائعة ؟
إن التاريخ لا يمنح الأمم فرصاً استثنائية كل يوم ، لكن الأمم التي تحسن قراءة لحظاتها الفاصلة هي وحدها التي تصنع مستقبلها ، أما التي تتردد أو تنشغل بصراعاتها الداخلية ، فإنها تترك التاريخ يمر من أمامها دون أن يلتفت إليها ..

زر الذهاب إلى الأعلى