آراء

نزار العوصجي: حين يُفصَّل القانون على مقاس الفاسدين!

أخطر ما يواجه الدول ليس الفساد ، بل شرعنته ..
يقولون إن الخياط الماهر هو من يستطيع أن يجعل قطعة القماش تنسجم مع تفاصيل الجسد دون أن يترك فيها عيبًا ظاهرًا .
أما في العراق ، فقد ظهر نوع آخر من الخياطين ، لا يحملون إبرة ولا مقصًا ، ولا يجلسون خلف ماكينات الخياطة ، بل يجلسون خلف المكاتب ، ويُتقنون فنًا أخطر بكثير من تفصيل الأقمشة .
إنه تفصيل القوانين والإجراءات بما يتناسب مع مقاس الفساد .
إن أخطر ما يمكن أن يحدث في أي دولة ليس أن يوجد فيها فاسدون ، فكل دول العالم عرفت الفساد بدرجات متفاوتة ، وإنما أن تتحول مؤسسات الدولة ، بقصد أو بغير قصد ، إلى بيئة يشعر فيها الفاسد أن فرص الإفلات من المساءلة قائمة ، أو أن القانون قد يُطبَّق بصرامة على فئة ، وبمرونة على فئة أخرى .
عندها لا يعود الفساد جريمة فردية ، بل يصبح خطرًا يمس ثقة المجتمع بمؤسساته .

إن ما يجري اليوم في العراق يثير قلقًا واسعًا لدى المواطنين بشأن كيفية إدارة ملفات الفساد الكبرى .
فبينما ينتظر الناس إجراءات حاسمة تعيد الأموال العامة وتحاسب كل من تثبت مسؤوليته وفق القانون ، يشعر كثيرون بأن بعض القضايا لا تصل إلى خواتيم واضحة بالسرعة والحزم اللذين ينتظرهما الرأي العام .
وهنا تكمن الخطورة !!
لأن هذه الحالة ، إذا ترسخت ، ستصبح سابقة خطيرة في الحياة السياسية والإدارية ، إذ قد تُفسَّر على أنها تراجع عن مبدأ أن الجميع متساوون أمام القانون .
فالعدالة لا تكتمل بمجرد فتح الملفات ، وإنما باكتمال إجراءاتها بشفافية ، وإظهار نتائجها للرأي العام ضمن الأطر القانونية .

إن أي انطباع بأن الفساد الكبير يُعامل بطريقة مختلفة عن سائر الجرائم يبعث برسالة سلبية إلى المجتمع ، مفادها أن حجم النفوذ قد يؤثر في مسار المساءلة .
وهذه الرسالة ، إن ترسخت ، لا تشجع على احترام القانون ، بل تُضعف الثقة به .
لقد مرت على العراق حكومات كثيرة ، ورفعت جميعها شعارات الإصلاح ومحاربة الفساد ، لكن المواطن ما زال يسأل السؤال ذاته :
أين ذهبت مئات المليارات ؟
ومن أعاد منها دولارًا واحدًا إلى خزينة الدولة ؟
هذا السؤال لا يبحث عن خطاب سياسي ، بل عن إجابة قانونية وقضائية واضحة .
إن هيبة الدولة لا تُقاس بعدد البيانات الرسمية ، ولا بحجم التصريحات ، وإنما عندما يرى المواطن أن القانون يقف على المسافة نفسها من الجميع ، وأن المنصب لا يمنح حصانة ، وأن المال العام ليس ملكًا لمن يتولى السلطة ، بل أمانة في عنقه .

لقد أثبت التاريخ أن الدول لا تنهار عندما يسرق بعض مسؤوليها ، وإنما تنهار عندما يفقد الناس الثقة بأن العدالة قادرة على ملاحقة من تثبت مسؤوليته واسترداد حقوق المجتمع .
فإذا أصبح القانون يُفسَّر بما يناسب المتنفذين ، وإذا أصبح النفوذ أقوى من النص ، فإننا لا نكون أمام أزمة فساد فحسب ، بل أمام أزمة دولة .
إن العراق اليوم لا يحتاج إلى سنِّ قوانين جديدة بقدر ما يحتاج إلى إرادة سياسية وقضائية تجعل القانون سيدًا على الجميع ، لا تابعًا لأحد ، وتجعل حماية المال العام واجبًا لا يخضع للمساومات أو الحسابات الضيقة .
فالدول تُبنى حين تكون العدالة عمياء أمام الأسماء والمناصب ، وتنهار عندما ترى الألقاب وتغض الطرف عن الأفعال .

ويبقى السؤال الذي سيحكم عليه التاريخ :
هل سيبقى القانون ميزانًا للعدالة ، أم يتحول إلى ثوب يُفصَّل كلما كبرت الجريمة واتسع نفوذ مرتكبها ؟
إن مستقبل العراق لن يتحدد بعدد القوانين التي تُشرَّع ، بل بقدرة الدولة على تطبيقها بعدالة وشفافية على الجميع ، دون استثناء ، لأن الوطن الذي تُستثنى فيه فئة من سلطان القانون ، يفقد أهم مقومات بقائه : ثقة مواطنيه ..

زر الذهاب إلى الأعلى