آراء

نزار العوصجي: عندما يُصافح الظلم صافرة الحكم

هناك حقيقة لا يمكن إنكارها ، وهي أن الإنسان يستطيع أن يتقبل الخسارة إذا جاءت نتيجة تفوق خصمه ، لكنه لا يستطيع أن يتقبلها حين يشعر بأن العدالة قد غابت ، وأن ميزان الإنصاف قد اختل .
فالخسارة أمام منافس أفضل تبقى شرفاً رياضياً ، أما الخسارة التي تحوم حولها الشبهات ، أو تلك التي تُصنع بقرارات تحكيمية مثيرة للجدل ، فإنها تتحول إلى جرحٍ لا يندمل ، لأنها لا تمس نتيجة مباراة فحسب ، بل تمس الإيمان بعدالة المنافسة نفسها .

لقد قيل إن الرياضة هي آخر معاقل العدالة في عالم يموج بالصراعات والمصالح ، وإن المستطيل الأخضر هو المكان الوحيد الذي ينبغي أن يخضع فيه الجميع لقانون واحد ، لا يفرق بين منتخب كبير وآخر صغير ، ولا بين دولة نافذة وأخرى محدودة الإمكانات .
غير أن الواقع كثيراً ما يبعث برسائل مقلقة ، تجعل الجماهير تتساءل :
هل بقيت كرة القدم بعيدة عن الظلم الذي اجتاح كثيراً من مجالات الحياة ، أم أن العدوى قد وصلت إليها أيضاً ؟
لقد أثارت المباراة التي جمعت المنتخب المصري بالأرجنتين جدلاً واسعاً بسبب عدد من القرارات التحكيمية التي رأى كثير من المتابعين أنها كانت مؤثرة في مجريات اللقاء .
ولسنا هنا بصدد إصدار الأحكام أو مصادرة آراء المختصين ، لكن حجم الاعتراضات وحده يكشف أن الثقة بالقرار التحكيمي أصبحت على المحك ، وأن الشعور بالعدالة لم يعد مكتملاً لدى شريحة واسعة من الجماهير .
والمؤسف أن كرة القدم ، التي استثمرت مليارات الدولارات في تطوير تقنياتها ، وأدخلت أحدث وسائل المراجعة الإلكترونية ، لا تزال تعجز في بعض المناسبات عن إنهاء الجدل .
فوجود التكنولوجيا لا يعني بالضرورة تحقيق العدالة ، إذا بقي القرار النهائي رهناً بالتقدير البشري الذي قد يصيب وقد يخطئ ، أو إذا افتقدت معايير التطبيق إلى الاتساق والوضوح .

إن العدالة ليست ترفاً في الرياضة ، بل هي أساس وجودها .
فالجماهير لا تطالب بضمان فوز فريقها ، وإنما تطالب بضمان أن يخسر أو يفوز وفق ما قدمه داخل الملعب ، لا وفق اجتهادات تحكيمية مثيرة للجدل .
إن أكثر ما يهدد كرة القدم اليوم ليس قوة المنتخبات ولا تطور الخطط الفنية ، بل تآكل الثقة .
فعندما يغادر اللاعبون والجماهير الملعب وهم يتحدثون عن الحكم أكثر مما يتحدثون عن الأداء ، فإن اللعبة تكون قد خسرت جزءاً من رسالتها .
لقد تحولت بعض البطولات الكبرى إلى ساحات نقاش لا ينتهي حول قرارات الحكام ، حتى باتت المؤتمرات الصحفية بعد المباريات تنشغل بالتحكيم أكثر من انشغالها بالخطط والمهارات .
وهذه ظاهرة خطيرة ، لأنها تنقل مركز الاهتمام من الإبداع الرياضي إلى الجدل الإداري ، ومن التنافس الشريف إلى التشكيك المستمر .
يقينًا ان أثر الأخطاء التحكيمية لا يقتصر على نتيجة مباراة واحدة ، بل يمتد ليحطم أحلام أجيال كاملة من اللاعبين ، ويبدد سنوات من الإعداد والتضحيات ، ويحرم شعوباً بأكملها من لحظات كانت تنتظرها منذ سنوات .
فقرار واحد قد يكتب تاريخاً لمنتخب ، وقد يطوي تاريخ منتخب آخر ، ولهذا فإن مسؤولية الحكم لا تقل أهمية عن مسؤولية اللاعبين أنفسهم .

إن المؤسسات الرياضية الدولية مطالبة اليوم بأكثر من مجرد الدفاع عن منظومة التحكيم ، فهي مطالبة بتعزيز الشفافية ، وتطوير آليات المراجعة ، ومحاسبة المقصرين ، وإقناع العالم بأن العدالة ليست شعاراً يُرفع قبل انطلاق المباريات ، بل قيمة تُطبق أثناءها وبعدها .
فالرياضة لم تُخلق لتكون ميداناً للريبة ، وإنما مساحة يطمئن فيها الجميع إلى أن القانون هو الحكم الوحيد ، وأن اسم المنتخب ، أو حجمه ، أو جماهيريته ، أو نفوذه ، لا يمكن أن يمنحه امتيازاً على حساب منافسه .
إن الشعوب قد تغفر الهزيمة ، لكنها لا تغفر الظلم .
قد تنسى هدفاً ضائعاً ، لكنها لا تنسى قراراً تشعر أنه صادر حلمها .
لهذا فإن العدالة في كرة القدم ليست مجرد بند في لوائح الاتحاد الدولي ، بل هي الضمانة الحقيقية لبقاء اللعبة الأكثر شعبية في العالم محل احترام وثقة .
ويبقى السؤال الذي يستحق أن يطرحه كل عاشق لكرة القدم :
إذا كانت العدالة تغيب أحياناً حتى في الملاعب ، فأين يجد الإنسان المكان الذي يطمئن فيه إلى أن حقه سيُصان ؟

ما نطرحه في هذا المقال يحمل بعدًا إنسانيًا عامًا ، لذا نخُتمه بهذه العبارة :
“حين يصبح الظلم قادراً على تغيير نتيجة مباراة ، فإنه لا يسلب منتخباً فرصة الفوز فحسب ، بل يسلب الملايين إيمانهم بأن العدالة ما زالت ممكنة .”

زر الذهاب إلى الأعلى