نزار العوصجي: سيادة العراق المختطفة.. بين ضعف الداخل وهيمنة الخارج

رغم مرور أكثر من عقدين من الزمن على تغيير النظام الوطني ، لا يزال القرار السياسي العراقي ، يواجه تحديات عميقة تتعلق بالاستقلال والسيادة .
فمنذ الاحتلال البغيض عام 2003 ، لم يتمكن العراق من استعادة سيادته الكاملة ، حيث أصبحت طهران لاعبًا متغلغلًا في مفاصل الدولة العراقية ، إلى حد بات فيه القرار السيادي في بغداد مرتهنًا لإرادة تأتي من خارج الحدود .
لم يكن النفوذ الإيراني في العراق مجرد تأثير دبلوماسي طبيعي بين دولتين جارتين ، بل تطور إلى هيمنة شبه كاملة ، تجلّت في التحكم بمسارات العملية السياسية ، وفرض شخصيات بعينها في مواقع القرار ، بما يخدم المصالح الاستراتيجية لإيران ، لا تطلعات الشعب العراقي .
وأصبحت الحكومات العراقية ، في كثير من الأحيان ، نتاج تفاهمات إقليمية تُطبخ خارج العراق ، لا تعبيرًا عن إرادة وطنية مستقلة .
فعلى الرغم من إجراء أكثر من خمس دورات انتخابية برلمانية ، وتداول السلطة شكليًا ، إلا أن بنية النظام السياسي ما زالت تعاني من اختلالات عميقة ، فتحت الباب واسعًا أمام التدخلات الخارجية ، وفي مقدمتها إيران .
تشير تقديرات مراكز بحثية دولية إلى أن عدد الفصائل المسلحة المنضوية ضمن الحشد الشعبي يتجاوز 60 فصيلًا ، يضمّ ما بين 150 إلى 200 ألف عنصر .
ورغم أن هذه القوات أُدرجت رسميًا ضمن المنظومة الأمنية العراقية ، إلا أن العديد من هذه الفصائل يحتفظ بهياكل قيادة مستقلة ، وارتباطات أيديولوجية وعسكرية خارج إطار الدولة ، ما يخلق واقعًا أمنيًا مزدوجًا يضعف احتكار الدولة للقوة .
الأخطر من ذلك ، هو تغلغل النفوذ الإيراني في البنية الأمنية عبر دعم وتوجيه فصائل مسلحة ، اندمج بعضها ضمن الحشد الشعبي ، لكنها احتفظت بولاءات عابرة للدولة .
هذه الفصائل لم تعد مجرد قوة رديفة ، بل تحوّلت إلى لاعب موازٍ للدولة ، ينافسها في احتكار القوة ، ويقوّض مفهوم السيادة من أساسه .
فكيف يمكن لدولة أن تكون ذات سيادة ، بينما قرار السلم والحرب ليس بيدها وحدها ؟
لم يعد سرًا أن طهران تمارس دور “صانع الملوك” في بغداد ، حيث تتدخل بشكل مباشر أو غير مباشر في تشكيل الحكومات ، وتحديد التحالفات ، وحتى في اختيار رؤساء الوزراء .
هذا الواقع جعل من العملية الديمقراطية واجهة شكلية ، تخفي وراءها شبكة معقدة من النفوذ والضغوط الإقليمية .
إن المسؤولية لا تقع على إيران وحدها ، بل تمتد إلى طبقة سياسية عراقية سمحت ، بل ورحّبت بهذا التدخل ، حفاظًا على مصالحها الضيقة .
هذه الطبقة ، التي فشلت في بناء دولة قوية ، وجدت في الدعم الخارجي وسيلة للبقاء في السلطة ، حتى لو كان الثمن هو تقويض سيادة البلاد .
سياسيًا ، يعكس مسار تشكيل الحكومات العراقية حجم التأثير الخارجي .
ففي الانتخابات البرلمانية لعام 2021 ، التي بلغت نسبة المشاركة فيها نحو 41% فقط ( كما يشاع ) ، استمر الجمود السياسي لأكثر من عام قبل تشكيل الحكومة ، وسط تدخلات إقليمية ودولية واضحة .
هذا الانسداد السياسي المتكرر يعكس هشاشة النظام ، ويعزز من فرص التأثير الخارجي في تحديد مخرجاته .
أما اقتصاديًا ، فقد تحوّل العراق إلى ساحة نفوذ اقتصادي إيراني ، تُغرقه السلع المستوردة ، وتُكبّل قراره عبر الاعتماد المزمن على الطاقة الإيرانية .
هذا الاعتماد لم يكن صدفة ، بل نتيجة سياسة ممنهجة تُبقي العراق في حالة ضعف بنيوي ، تمنعه من تحقيق استقلاله الاقتصادي .
تتجلى مظاهر الاعتماد على إيران بشكل واضح ، إذ يستورد العراق ما يقارب 30% إلى 40% من احتياجاته من الكهرباء والغاز من إيران ، وفق بيانات رسمية عراقية وتقارير دولية .
كما تُقدَّر قيمة التبادل التجاري بين البلدين بما يتراوح بين 10 إلى 14 مليار دولار سنويًا ، معظمها يصب في مصلحة الصادرات الإيرانية ، ما يعمّق العجز في الميزان التجاري العراقي ويزيد من تبعيته الاقتصادية .
وفي المقابل ، يعاني الاقتصاد العراقي من اختلالات بنيوية حادة ؛ إذ يعتمد على النفط بنسبة تزيد عن 90% من إيرادات الدولة ، بينما تتراجع مساهمة القطاعات الإنتاجية الأخرى بشكل ملحوظ .
كما تبلغ نسبة البطالة بين الشباب نحو 25% وفق تقديرات غير رسمية ، ما يعكس فشل السياسات الاقتصادية في تحقيق تنمية مستدامة .
هذا الواقع المركّب لا يمكن فصله عن أداء الطبقة السياسية ، التي أخفقت في بناء مؤسسات قوية قادرة على حماية السيادة الوطنية .
بل إن بعض القوى السياسية أسهمت بشكل مباشر في تكريس النفوذ الخارجي ، عبر تحالفات قائمة على المصالح ، لا على مشروع وطني جامع .
في المقابل ، شكّلت احتجاجات العراق 2019 نقطة تحوّل مهمة ، حيث شارك فيها مئات الآلاف من العراقيين ، وسقط خلالها أكثر من 600 قتيل وآلاف الجرحى ، وفق تقارير حقوقية .
وقد رفعت هذه الاحتجاجات شعارات واضحة ضد التدخلات الخارجية ، وطالبت باستعادة القرار الوطني ، ما يعكس تنامي الوعي الشعبي بخطورة استمرار هذا الواقع .
إن استعادة السيادة العراقية لا ترتبط بالشعارات ، بل بمعالجة مؤشرات الخلل القائمة ، وفق أرقام تعكس التحدي :
• أكثر من 150 ألف عنصر مسلح خارج السيطرة الكاملة للدولة .
• اعتماد يصل إلى 40% على الطاقة المستوردة .
• اقتصاد ريعي يعتمد بنسبة 90% على النفط .
• مشاركة انتخابية متدنية تعكس ضعف الثقة الشعبية .
هذه الأرقام لا تعكس فقط أزمة إدارة ، بل أزمة سيادة حقيقية .
يبقى السؤال الجوهري : هل يستطيع العراق ، في ظل هذه المعطيات ، إعادة بناء دولته على أسس الاستقلال الحقيقي ؟
أم أن سيادته ستظل رهينة لتوازنات داخلية ضعيفة ونفوذ خارجي متجذر ؟
الإجابة لا تتوقف على العوامل الخارجية فقط ، بل على قدرة العراقيين أنفسهم على إعادة تعريف دولتهم ، واستعادة قرارهم ، وبناء نظام سياسي يعكس إرادتهم ، لا إرادة الآخرين .
ان التدخل الإيراني في العراق يُعدّ موضوعًا حساسًا ومثيرًا للجدل ، ويُنظر إليه بطرق مختلفة حسب الزاوية السياسية والشعبية .
فالعالم يرى أن نفوذ إيران داخل العراق ، خصوصًا عبر بعض الفصائل المسلحة أو التأثير السياسي ، يؤثر على سيادة الدولة العراقية ويجعلها تبدو وكأنها غير مستقلة تمامًا في قراراتها ، وهذا قد يسبب حرجًا دبلوماسيًا أمام المجتمع الدولي .
لذا فأن القضية الأساسية التي تُطرح هي : كيف يوازن العراق بين علاقاته الإقليمية والحفاظ على سيادته الكاملة ؟
وهذا التوازن هو ما يحدد نظرة العالم للعراق ، وليس مجرد وجود علاقات أو نفوذ لدولة معينة .
إن الحديث عن سيادة عراقية في ظل هذا الواقع يبدو أقرب إلى الوهم . فالدولة التي لا تملك قرارها الأمني ، ولا استقلالها السياسي ، ولا سيادتها الاقتصادية ، هي دولة منقوصة السيادة .
واستعادة العراق لمكانته لن تتحقق إلا بقطع جذري لمنظومة التبعية ، وبناء مشروع وطني يعيد القرار إلى بغداد ، لا إلى أي عاصمة أخرى ..
