آراء

نزار العوصجي: الأمال المعلقة

تشكل العملية الانتخابية ركن اساسياً من اركان الديمقراطية ، يشارك في تحقيقه جميع المواطنين المؤهلين عن طريق انتخاب ممثلين عنهم ، ممن يجدر بهم ان يكونوا على مستوى عالي من المعرفة والدراية ، و يتمتعون بمكانة اجتماعية مرموقة ، و يمتلكون تاريخ وطني مشرف ، ليقوموا بتنظيم أوضاع الحياة السياسية و الاجتماعية و الإقتصادية و الثقافية و الخدمية ، بدءاً من تشريع القوانين التي تعنى بتنظيم و تطوير مجالات الحياة كافة ، بما يحقق تطلعات الجماهير نحو حياة أفضل ، لكون ان الديمقراطية هي حكم الشعب ..
العكس صحيح حين يتصدر المشهد السياسي أشباه الرجال ، من سياسيي الصدفة و الزمن الرديئ ، الذين ما كانوا ليحتلوا منصباً في ادارة الدولة ، لولا الكاوبوي الامريكي الذي غزا العراق ، بحجة اشاعة الديمقراطية و انقاذ الشعب من الدكتاتورية المزعومة ، ولولا استخدامهم الوسائل الكفيلة في ابقاء الشعب تحت مظلة الجهل الفكري ، المستند الى الخزعبلات والفتاوى ، هذا الجهل الذي جعل المواطن البسيط يرزخ صاغراً تحت وطأة الجوع و الفقر و المرض و سوء الحياة المعيشية دون تفكير ..

ان الذين تكلموا بصوت عالي عن انقاذ الشعب من الدكتاتورية باسم الديمقراطية ، نراهم اليوم يمارسون أبشع أنواع السلوك الدكتاتوري ، الذي يتجسد في تصرفات و تصريحات مستهجنة ، بعيدة كل البعد عن الممارسات الديمقراطية ، تظهر للعيان بوضوح حين يتعلق الأمر بالمحاصصة المقيتة ، و في الرغبة العارمة للأستحواذ على المناصب الرئاسية ، و الوزارات و المناصب السيادية و الخاصة ، بعيداً عن الضوابط الواجب توفرها في المرشحين لتولي مهام المسؤولية ، اي انهم يغيبون دور الشعب و رأيه في الاختيار ، و اتخاذ القرار حول من هو الاصلح لتمثيله ..

الكثير من ابناء الشعب يطمحون الى اجراء انتخابات ( ان صح تسميتها كذلك ) ، تتجسد فيها ارادة الجماهير ، يتم من خلالها انتخاب الاشخاص الذين يمثلون الشعب بكل اطيافه ، و هذا ما يحصل في اغلب دول العالم المتحضر ، لقناعة المواطنين بان نوابهم في البرلمان يعكسون رؤيتهم في ادارة الدولة ، و يجسدون تطلعاتهم نحو بناء مستقبل افضل ، و لكن شتان مابين الانتخابات التي تجري في العراق وما يجري في دول العالم الأخرى ..
ففي العراق يشارك المواطن المقهور ليعبر عن رفضه للواقع المزري الذي يخيم على العراق و العراقيين ، ليتفاجئ بعدها ( بقدرة قادر ) ، بفوز من هم الاساس في الخراب و الدمار الذي حل بالعراق ، و ليكتشف فيما بعد ان العملية الأنتخابية برمتها ، لا تعدوا عن كونها مهزلة ، تضاف الى سلسلة المهازل التي عاش في كنفها العراقيين ، على مدى عشرون عاماً ، لتضيف زمناً إخر من التعاسة قد يمتد الى اربعة سنوات عجاف اخرى ..

زمن لن يختلف عن ما سبقه في العقدين الماضية من سوء الادارة ، و سرقة و هدر الثروات ، و ضياع الحقوق ، زمن يفرض على المواطن ان يعيش حالة من عدم الاستقرار ، اشبه ما يكون وسط دوامة لاتهدأ ، دوامة اقرب الى الاعصار الذي يدمر حياته ، يشوه ماضيه و يهدد مستقبله ، من خلال إنتخابات مزيفة و مزورة ، تنتج عملية سياسية بائسة ، اقل ما يمكن ان توصف بها ، انها نتاج أحتلال بغيض إقدمت عليه قوى الشر ، بالتحالف مع اعداء العراق و الامة العربية ، من صهاينة و فرس مجوس .. عملية عقيمة و مخاض عسير ، تمخضت فولدت فأراً مشوها ..

و رغم كل هذا لازال البسطاء المغلوبين على أمرهم من قصيري النظر ، المغيبين عقلياً ، يأملون خيراً ، و يمنون النفس بالقادم الأفضل ، فالامل بمستقبل افضل ، هي القشة التي يتعلقون بها في خضم هذه الفوضى ، وهي السلوى لمعانتهم التي امتدت اكثر بكثير مما يجب ، بعد ان اصبح الغد المنشود بعيداً جداً بما يشبه السراب ، كلما اقتربت منه ابتعد اكثر فأكثر ، و اصبحت الحرية و الديمقراطية الموعودة ، اشبه بالحلم الجميل الذي لايلبث ان يتبدد مع بزوغ فجر الحقيقة المرة ..
شعب اناسه حالمون لا يقدمون ولا يؤخرون ، لا يحركون ساكناً ولا يسكنون متحركاً ، ينتظرون كلمة فيها بصيص أمل ينطق بها صاحب السماحة السيد ومرجعيته ، الذين نصبوا انفسهم وكلاء لرب العزة على الارض ، كلمة تغير مجرى الحياة على البسيطة وما حولها و تحيلها إلى جنة موعودة ، هكذا هي الحلول في تفكير و عقول الحالمون التائهون و المغيبون عن الواقع المرير ..

كل الدلائل تشير الى عدم نزاهة الأنتخابات القادمة ، ذلك ما يظهر جلياً في الأجراءات و السلوكيات ، التي لا تتفق مطلقاً مع الشعارات الرنانة ، التي ترفع لأجل الوصول الى انتخابات نزيهة و مستقلة ، من خلال السيطرة على عمل مفوضية الانتخابات ، بالطريقة التي اعتادوا عليها ، و هي ليست وليدة اليوم ، بل هي بمثابة السياق المعمول به قبيل كل انتخابات جرت في العراق الديمقراطي !!!
كما ان المال السياسي المنهوب من الشعب ، يلعب كالعادة دوراً سلبياً واضحاً في المشهد الانتخابي ، فضلاً عن فوضى السلاح المنفلت الذي تحمله الميليشيات الولائية التابعة لإيران ، لترهيب المواطنين ، على الرغم من أدانة هذا السلوك الإجرامي ، الا انها تفرض عليهم ارادة نظام الولي السفيه ، رغم التنديد بالوضع المأساوي الذي وصلت اليه العملية السياسية البائسة ..

من هذا المنطلق ، نجد ان الانتخابات المزمع اجرائها في نهاية عام 2023 ، بدون ايجاد حلول عملية و جدية لتلك المشاكل ، لن تحقق اي اصلاح منتظر ، بل ستزيد من نسبة المقاطعة الجماهيرية ، و العزوف الشعبي عن المشاركة فيها ، كونهم متيقنين من نتائجها الكارثية ..
ان توفير البيئة المناسبة و المناخ الملائم لإنتخابات نزيهة (( وهو ما نؤمن انه صعب المنال ، إن لم يكن مستحيلاً ، في ظل حكم المعممين )) اصبح ضرورة حتمية ، و هو ما يحتم على القوى السياسية الوطنية ، الضغط و المطالبة بتوفير الاجواء المناسبة ، لاجراء الإنتخابات بقدر مقبول من النزاهة ، و الا فلا داعي لاجراء تلك الممارسة المشوهة و المزيفة ، التي ستزيد من معاناة ابناء الشعب المظلوم ..

جميع المقالات تعبر عن رأي كتابها ولا تمثل يورو تايمز

زر الذهاب إلى الأعلى