نزار العوصجي: التأريخ يعيد نفسه

اغتيال الدولة من الداخل..
ليست كل الجيوش التي تعبر الحدود هي التي تصنع الاحتلال، فالتاريخ عرف احتلالاً عسكرياً واضحاً، تُرى فيه الدبابات على الطرقات والجنود عند الحواجز، لكنه عرف أيضاً نوعاً أكثر تعقيداً من السيطرة؛ تبدأ فيه العملية من داخل الدولة، لا من حدودها.
يبدأ الأمر بإضعاف النخبة، ثم إفراغ المؤسسات، ثم صناعة البدائل، ثم تغيير المفاهيم، ثم الوصول إلى اللحظة التي يصبح فيها القرار الوطني نفسه بحاجة إلى موافقة خارجية، عندها قد لا ترى جندياً أجنبياً واحداً في الشارع، لكن الدولة تكون قد فقدت شيئاً أخطر: قدرتها على أن تقرر بنفسها.
عندما يصبح قتل الإنسان محاولة لقتل المستقبل..
غابة كاتين الروسية كانت مسرح الجريمة، ففي 5 آذار/مارس 1940، اتخذت القيادة السوفيتية قراراً سرياً بإعدام آلاف المواطنين البولنديين، وفي ربيع ذلك العام نفذت أجهزة الـNKVD العملية التي أودت بحياة قرابة 22 ألف مواطن بولندي.
لم يكن الضحايا جنوداً فقط، كان بينهم ضباط وشرطيون، ومعهم أيضاً أطباء ومدرسون ومحامون ومهندسون وموظفون وأصحاب مهن أخرى شكلوا جزءاً من النسيج المهني والمؤسسي للدولة والمجتمع البولندي.
لقد كان الهدف المباشر هو الإنسان، لكن النتيجة الأبعد كانت ضرب القدرة البشرية على إعادة بناء الدولة، وهنا تكمن إحدى أخطر الحقائق في التاريخ:
يمكن إعادة بناء الحجر، لكن إعادة بناء الإنسان الذي يعرف كيف يبني الحجر قد تحتاج إلى جيل كامل.
يمكن بناء مدرسة جديدة، لكن لا يمكن تصنيع الأستاذ صاحب الخبرة في بضعة أشهر.
يمكن شراء معدات للجيش، لكن لا يمكن شراء عقود من الخبرة العسكرية.
يمكن تشييد محكمة، لكن لا يمكن بناء استقلال القضاء بمجرد وضع لافتة فوق الباب.
ولهذا فإن ضرب النخبة لا يعني دائماً قتلها، أحياناً يكفي إخراجها من موقعها.
الإبادة النخبوية لا تعني دائماً الرصاص.
في عالم اليوم، لم تعد تصفية النخبة بالضرورة عملية إعدام جماعي، قد تكون أكثر هدوءاً.
أن يصبح صاحب الكفاءة بلا قيمة، أن يتقدم الولاء على الاختصاص، أن يصبح المنصب مكافأة سياسية، أن يغادر العلماء، أن يهاجر المهندسون، أن يفقد الضابط المهني ثقته بمؤسسته، أن يشعر القاضي أن القانون ليس أقوى من النفوذ، أن يدرك الشاب أن مستقبله لا تحدده قدرته وإنما الجهة التي ينتمي إليها، عندها تبدأ النخبة بالانسحاب.
بعضها يرحل إلى الخارج، وبعضها ينسحب إلى الصمت، وبعضها يعتزل الحياة العامة، وبعضها يتكيف مع الواقع الجديد، وهكذا يحدث ما يمكن تسميته: الإبادة الصامتة للنخبة.
لا مقابر جماعية، لا أصوات رصاص، لا أخبار عاجلة، فقط مجتمع يفقد، سنة بعد أخرى، الأشخاص القادرين على قيادته.
في العراق، القضية ليست من يحكم فقط، بل من يملك القرار.
العراق ليس بولندا 1940، ولا يجوز وضع التجربتين في كفة واحدة.
لكن التاريخ لا يُقرأ من أجل تكرار الأحداث حرفياً، بل من أجل فهم الآليات التي يمكن أن تتكرر بأشكال مختلفة.
والسؤال العراقي اليوم ليس فقط: من يجلس في السلطة؟
بل: من يملك القدرة على التأثير في القرار؟
وهذا سؤال مختلف تماماً، فالدولة قد يكون لها رئيس حكومة وبرلمان ووزارات وجيش وقضاء، لكن قوة الدولة لا تقاس بعدد المؤسسات التي تحمل أسماء رسمية.
إنها تقاس بقدرة هذه المؤسسات على اتخاذ القرار وتنفيذه، الدولة أم مراكز القوة؟
أخطر ما يمكن أن يحدث للدولة ليس أن تتغير مؤسساتها فقط، بل أن تتغير معاني الكلمات، فيصبح الاستقلال «انعزالاً»، والسيادة «شعاراً قديماً»، والحياد «ضعفاً»، والجيش الوطني «مؤسسة تقليدية»، والسلاح خارج الدولة «ضرورة»، والتبعية «واقعية سياسية»، والتدخل الخارجي «دعماً للأصدقاء».
وحين تتغير المفاهيم، يصبح الدفاع عن الدولة نفسها أمراً يحتاج إلى تبرير، وهنا نكون أمام مشكلة أعمق من السياسة، نكون أمام معركة على الوعي.
النخبة الوطنية هي خط الدفاع الأول، ولهذا فإن حماية النخبة ليست رفاهية، إنها قضية أمن قومي.
الدولة التي تحترم العلماء تحمي مستقبلها، والتي تحترم الضابط المهني تحمي جيشها، والتي تحترم القاضي المستقل تحمي قانونها، والتي تحترم الصحفي الحر تحمي ذاكرتها، والتي تحترم المهندس والطبيب والاقتصادي والمفكر تحمي قدرتها على النهوض.
أما عندما يصبح الولاء أهم من الكفاءة، فإن الدولة تبدأ بإنتاج موظفين بدلاً من إنتاج رجال دولة، والفرق بين الاثنين كبير.
الموظف ينفذ ما يُطلب منه، أما رجل الدولة فيسأل: هل ما يُطلب مني يخدم الدولة؟
لا تقتل النخبة، اتركها تموت ، وهنا ربما تكمن أخطر صورة من صور الإبادة النخبوية.
أن لا تقتل النخبة، بل تجعلها تغادر وحدها، أن تجعل الطبيب يذهب، والمهندس يهاجر، والأستاذ يعتزل، والضابط المحترف يصمت، ورجل الأعمال ينقل أمواله، والصحفي يبحث عن مكان أكثر أمناً.
ثم تسأل بعد عشرين عاماً: أين ذهبت الكفاءات؟
لم يأخذها عدو واحد، لقد أخذتها بيئة لم تعد ترى فيها الكفاءة طريقاً كافياً للنجاح، وهنا يصبح نزيف العقول أخطر من كثير من المعارك..
