نزار العوصجي: أين الردع العربي؟

في عالم السياسة لا تُقاس هيبة الدول بعدد بيانات الإدانة التي تصدرها ، ولا بحجم التصريحات التي تطلقها ، وإنما بقدرتها على بناء معادلة ردع تجعل أي اعتداء عليها أو على مصالحها مكلفاً إلى الحد الذي يدفع الخصم إلى إعادة حساباته قبل الإقدام عليه .
فالردع ليس إعلاناً للحرب ، بل هو الضمانة الحقيقية للحفاظ على السلام .
ومن هذا المنطلق ، يفرض الواقع الإقليمي سؤالاً يزداد إلحاحاً مع كل أزمة جديدة : أين الردع العربي ؟
فمنذ تصاعد المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران ، شهدت منطقة الخليج العربي والممرات البحرية الحيوية سلسلة من الاعتداءات والتوترات التي مست أمن المنطقة واستقرارها .
ورغم ما صدر من مواقف سياسية وإدانات رسمية ، فإن غياب ردع عربي جماعي وفاعل دفع كثيرين إلى التساؤل عن أسباب هذا المشهد ، وعن مستقبل الأمن القومي العربي في ظل التحديات المتزايدة .
هل يعود ذلك إلى رغبة الدول العربية في تجنب حرب إقليمية واسعة قد تمتد آثارها إلى الاقتصاد العالمي وأمن الطاقة والملاحة الدولية ؟
أم أن الأمر يعكس خللاً في ميزان الردع ، جعل سياسة الاحتواء تتقدم على سياسة الحزم ، حتى باتت بعض القوى تعتقد أن بإمكانها مواصلة التصعيد دون أن تتحمل تكلفة تتناسب مع حجم أفعالها ؟
مهما كانت الإجابة ، فإن الثابت في العلاقات الدولية أن غياب الردع يشجع على تكرار الاعتداءات .
فحين لا يواجه استخدام القوة بعواقب واضحة ، يترسخ لدى المعتدي شعور بأن كلفة التصعيد محدودة ، وأن المجال لا يزال مفتوحاً لمزيد من فرض الأمر الواقع .
ومن هنا ، فإن الأمن العربي لا يمكن أن يبقى رهينة ردود فعل متفرقة أو سياسات آنية تمليها الظروف .
فالتحديات التي تواجه المنطقة تتطلب رؤية استراتيجية بعيدة المدى ، تقوم على التنسيق السياسي والعسكري والأمني ، وتؤسس لمنظومة دفاع عربية قادرة على حماية السيادة الوطنية وصيانة المصالح المشتركة ، وفق قواعد القانون الدولي واحترام سيادة الدول .
إن الردع الحقيقي لا يعني إشعال الحروب ، بل منعها .
فكلما امتلكت الدول أدوات القوة والإرادة السياسية لاستخدامها عند الضرورة ، تراجعت احتمالات المواجهة العسكرية .
ولهذا ، فإن التاريخ الحديث يبين أن الدول التي تمتلك منظومات ردع فعالة هي في الغالب الأكثر قدرة على حفظ أمنها واستقرارها ، لأنها تجعل تكلفة العدوان أعلى بكثير من أي مكسب يمكن أن يحققه المعتدي .
وفي هذا السياق ، يرى الكثير من المراقبين أن الخطاب السياسي الإيراني تجاه عدد من الدول العربية اتسم خلال سنوات طويلة بنبرة حادة وسعي إلى توسيع النفوذ الإقليمي عبر أدوات متعددة ، وهو ما أسهم في تعميق التوترات الإقليمية .
وبغض النظر عن تباين المواقف من السياسات الإيرانية ، فإن مواجهة أي تحديات من هذا النوع تتطلب موقفاً عربياً أكثر تماسكاً ، يقوم على وحدة الرؤية وتنسيق المواقف وتعزيز القدرات الدفاعية المشتركة ، لأن احترام الدول في نهاية المطاف يرتبط بقدرتها على حماية مصالحها والدفاع عن سيادتها .
لقد أثبتت التجارب أن الانقسام العربي هو الثغرة التي ينفذ منها كل مشروع يسعى إلى فرض نفوذه في المنطقة ، وأن أي دولة ، مهما بلغت إمكاناتها ، لن تستطيع منفردة بناء معادلة استقرار دائمة في بيئة إقليمية معقدة .
أما عندما تتوحد الإرادة السياسية ، وتتكامل القدرات الاقتصادية والعسكرية والدبلوماسية ، فإن ميزان القوى يتغير ، ويصبح الأمن الجماعي حقيقة يمكن البناء عليها ، لا مجرد شعار يردد في المؤتمرات .
ويبقى السؤال الذي ينتظر الإجابة :
هل تمتلك الدول العربية الإرادة للانتقال من مرحلة إدارة الأزمات إلى مرحلة صناعة التوازن الاستراتيجي ؟
وهل آن الأوان لتأسيس منظومة أمن عربي أكثر استقلالاً وتماسكاً ، قادرة على حماية المصالح العربية بعيداً عن الارتهان للتوازنات الإقليمية والدولية ؟
إن مستقبل الأمن العربي لن تصنعه البيانات وحدها ، ولا المواقف الدبلوماسية وحدها ، بل تصنعه إرادة سياسية موحدة ، ورؤية استراتيجية واضحة ، وقدرة ردع تجعل كل من يفكر بالاعتداء يدرك مسبقاً أن الثمن سيكون أكبر من أي مكسب متوقع .
فعندما تمتلك الأمة عناصر القوة ، يصبح السلام خياراً يحترمه الجميع ، لا أمنيةً تتمنى الشعوب دوامها ..
