آراء

د. ثائر العجيلي: «أربع صور لفكرة واحدة».. من «أم القرى» إلى «محور المقاومة»

ليست «أم القرى» و«الأممية الشيعية» و«الهلال الشيعي» و«محور المقاومة» مترادفات، ولم تولد في زمن واحد أو من مصدر فكري واحد، لكنها تتقاطع عند سؤال واحد: كيف تتحول العقيدة من هوية داخل الدولة إلى قوة عابرة لحدودها؟

«أم القرى» تبحث عن المركز.
فحين تتحول الدولة من وطن بحدوده السياسية إلى مركز لمشروع أوسع، تصبح حماية المركز جزءاً من حماية المشروع، ويبدأ النفوذ بالنظر إلى ما وراء الحدود.

«الأممية الشيعية» تبحث عن الفضاء.
فشبكات المرجعية والحوزات والمجتمعات الشيعية سبقت الجمهورية الإسلامية تاريخياً، لكن الثورة الإيرانية أضافت إلى جزء من هذا الفضاء الديني والاجتماعي بعداً سياسياً وتنظيمياً عابراً للحدود. ولذلك لا تعني «الأممية الشيعية» التشيع نفسه، ولا تعني أن كل شيعي جزء من المشروع الإيراني.

«الهلال الشيعي» يرسم الجغرافيا.
وهو ليس نظرية إيرانية أصلاً، وإنما توصيف جيوسياسي خارجي شاع لوصف امتداد النفوذ من إيران عبر العراق وسوريا وصولاً إلى لبنان. وهكذا انتقلت الفكرة من المركز والفضاء إلى الخريطة.

أما «محور المقاومة» فيبني الشبكة.
فلم تعد الجغرافيا وحدها كافية، وإنما أصبحت مجموعة من الدول والتنظيمات والقوى المسلحة ساحات مترابطة بدرجات مختلفة، قبل أن يدفع مفهوم «وحدة الساحات» بالفكرة خطوة أبعد: من شبكة النفوذ إلى إمكانية تنسيق الفعل والردع عبر أكثر من جبهة.

وهكذا يمكن اختصار المقاربة كلها بمعادلة واحدة:

«أم القرى» تحدد المركز،
و«الأممية الشيعية» توفر الفضاء،
و«الهلال الشيعي» يرسم الجغرافيا،
و«محور المقاومة» يبني الشبكة.

لكنها ليست مراحل رسمية لخطة واحدة، ولا دليلاً على مخطط ثابت منذ عام 1979؛ إنها أربع عدسات مختلفة لقراءة ظاهرة سياسية تطورت وتكيّفت مع الحروب والفرص وتحولات موازين القوى.

فحين تتحول العقيدة إلى مشروع سياسي تحتاج إلى مركز؛ وحين يغادر المشروع حدوده يحتاج إلى فضاء؛ وحين يستقر النفوذ في الجغرافيا يرسم ممراً؛ وحين يدخل ذلك الممر في صراع مستمر يتحول إلى شبكة.

ويبقى السؤال الفلسفي الأثقل:

ماذا يحدث عندما يصطدم المشروع العابر للحدود بالدولة الوطنية؟

هنا لا يعود الصراع مذهبياً بالضرورة، بل يصبح صراعاً بين تصورين للسياسة: الدولة بوصفها نهاية الولاء السياسي، والمشروع العابر للحدود بوصفه ولاءً يتجاوز الدولة.

باحث بالشأن السياسي

زر الذهاب إلى الأعلى